منام "السيد" الذي صار مقام "السيدة خولة"... الطريق إلى بعلبك معبّدة بالأساطير

الخميس 30 يناير 202006:32 م

ذات يوم، رأى رجل في منامه طفلة قالت له إنها خولة، بنت الإمام الحسين، وإنها تتألم من وصول مياه ساقية رأس العين إلى قبرها. حسب سكان المنطقة هذا الرجل هو "سيّد"، ما يعني عند الجماعة الشيعية أن نسبه يعود إلى أهل بيت النبي. ويُقال أيضاً بين السكان الذين يتداولون القصة، بمزيج من الفخر والتصديق، إنه كان من حراس الأوقاف.

هذا المنام قد لا يكون مستقلاً عن منامات أخرى. فتجارب الجماعة في المنطقة أودت بأبنائها إلى اعتقاد آخر مفاده أن موكب السيدة زينب مرّ في بعلبك. ويبدو أن منام الرجل المؤمن يأتي من هذه الذاكرة الشعبية التي تعتقد بمرور موكب السبايا في شرق لبنان، بعد واقعة كربلاء التاريخية.

رسم لمرقد خولة وتظهر الهياكل الرومانية للفنان روبرت وود 1170 هجري

لو لم يكن هذا الاعتقاد موجوداً لكان المنام مستحيلاً. الجماعات تحرس أساطيرها مثلما كان ذلك الرجل يحرس الأوقاف، ما يجعل عودها قوياً، والعودة عنها أمراً في غاية الصعوبة.

تقول القصة إن السيّد لم يقم وزناً للمنام في البداية، لكن المنام تكرر، حتى أتى رجل دين بفتوى للحفر في المكان التي أشارت إليه الطفلة التي في المنام. وحسب القصة، رأى الناس طفلة من دون تشوهات الزمن. وهكذا نشأ المقام، على ضريح هذه الطفلة الموجودة في منام الرجل. أحد السكان يقول إن القصة تعود إلى القرن الثامن عشر.

تاريخ قصير لحاضر طويل

المقام واضح أمام الجميع وظاهر. صار بوابةً للمدينة، وبعد الحرب في سوريا صار يستقبل زواراً إضافيين. شهادات السكان تؤكد ذلك. ولا نتحدث عن الفترة الحالية التي أحكم فيها حزب الله سيطرته على مقام السيّدة زينب في الشام، إنما عن فترة الحرب الطويلة. حضرت المحفّزات التي تشحذ همم الجماعة ووعيها الطائفي بنفسها دائماً، وتصوبها كسكاكين ضدّ التاريخ أو ضدّ خطر "الآخرين".

خلال الثورة السورية، انقطاع الطريق عن "السيدة زينب" تم تعويضه بزيارة صرح ضخم ومواز، هو مقام السيدة خولة. ستجد في المقام ما تجده في المقامات. أدعية وما يسمى في الأدبيات الشيعية: الزيارات، زيارات ألّفها مؤمنون لم يكتسبوا صفة يمكن إضافتها إلى إيمانهم. وهذا لا يحتاج إلى تأريخ لأنه ما زال حاضراً.

مقام السيدة خولة بنت الإمام الحسين

ما يحتاج إلى تأريخ هو التاريخ نفسه. وخولة ليست شخصاً متفقاً على وجوده في التاريخ، مثلما أن ليس هناك أي اتفاق على أن موكب السبايا مرّ من بعلبك. هناك مقام إلى جانب القلعة وترتفع فوقه راية، ولكن القصة طويلة. الصرح الضخم كان غرفةً في الأساس لكن جاء مَن يحوله إلى مقام. وهذا ليس مجرد مبنى يستقبل الدعوات وينقلها إلى الله، بل له وظائف عديدة. كانت الغرفة لتفي بذلك الغرض، لكن فجأة صارت الغرفة مقاماً. حتى أن البعلبكيين أنفسهم لا يذكرون متى حدث ذلك بالضبط، وإنْ كان الكبار منهم يذكرون فعلاً قصة ظهور السيدة خولة في المنام، ذلك المنام الذي يُنسب المقام إليه.

حسب تحقيق للشيخ حسين الخشن، تقول الرواية المتداولة شعبياً عن قصّة المقام إنه "لما سُبي عيال الحسين بعد معركة كربلاء وجيء بهم إلى الشام، كانت بعلبك إحدى محطّات هذا المسير، وبسبب رحلة التعب والآلام التي مرّ بها هذا الموكب، فقد توفيت إحدى البنات الصغيرات، وهي المسمّاة خولة بنت الإمام الحسين، وكان عمرها آنذاك ستّ سنين، فدُفنت في بعلبك".

وفي رواية شعبية أخرى متداولة يقال إن خولة ليست طفلة، بل إنّها سُقْطٌ ألقتها زوجة الإمام الحسين، عندما عبر السبايا مدينة بعلبك في الطريق إلى دمشق.

في بحثه الطويل والمرتكز إلى أسانيد، لا يجد الخشن ما يؤيد القول، في الأساس، بوجود بنت للإمام الحسين اسمها خولة. فالمصادر التاريخية وكتب الحديث والأنساب وغيرها التي تحدّثت عن حياة الإمام الحسين وزوجاته وأولاده لم تُشر إلى هذا الاسم.

أما في ما خص طريق الموكب من الكوفة إلى دمشق، ففي زمن مقتلة كربلاء كان هناك طريقان يصلان بين هاتين المدينتين، الأول هو الطريق السلطاني، وهو الذي رجّح المحدّث النوري أن يكون الموكب قد سلكه، وهو طريق طويل وكثير المنازل، ويمكن لسالكه أن يمرّ على مدينة بعلبك؛ أما الثاني، فهو الطريق المستقيم، وهو طريق مختصر يمكن قطعه في مدّة أسبوع، وكان "عرب عقيل" يسلكونه، ولذا أسماه بعضهم بطريق "عرب عقيل"، وسالك هذا الطريق لا يمرّ ببعلبك، ويبدو أنّ العلامة السيد القاضي الطباطبائي يرجّح سلوك الموكب لهذا الطريق، مبرّراً بذلك رأيه في إمكانية رجوع السبايا إلى كربلاء في العشرين من صفر، وذلك في ردّه على المحدّث النوري الذي يُعَدّ من أشدّ المنكرين لمقولة رجوع السبايا إلى كربلاء في التاريخ المذكور.

يبقى أن المستند الأساسي الذي قام عليه المقام، حسب مريديه، ليس التاريخ، بل المنام. أما توسعة المقام، فوق المنام، فتلك حكاية أخرى.

ذات يوم، رأى رجل في منامه طفلة قالت له إنها خولة، بنت الإمام الحسين. المنام تكرر، حتى أتى رجل دين بفتوى للحفر في مكان أشارت إليه الطفلة في المنام. وحسب القصة، رأى الناس طفلة من دون تشوهات الزمن. هكذا نشأ "مقام السيّدة خولة"

ذراعان تخنقان المدينة

قبل المقام، هناك باحة، تنزل إليها عبر درج. في الأصل كان كل شيء عبارة عن غرفة متواضعة من باطون بلا بهرجة مثل غرف النساك. بقي منها الضريح الذي يُقال إنه ضريح السيدة خولة. وكائناً مَن كان الذي سألته في بعلبك عن الجهة التي أزالت الغرفة سيجيبك مستعجباً السؤال: "الإيرانيون". والإجابة ليست علمية، لكن هذا كل ما يملكه الناس. صار الصرح كبيراً الآن. حتى أن الشجرة التي كان "يتبرك" الطيّبون منها صارت داخل المقام ولم تعد خارجه. كل شيء يعود إلى المقام، حتى المدينة نفسها لا يمكنها أن تستقل عنه. بعد الباحة، هناك معرض عن السبايا، وهناك مَن يبيع الأغراض الدينية، على شكل أقسام.

وبعد التوسيع، صارت الحمّامات وأماكن الوضوء أكبر مما هي عليه، على نحو جعل المقام أكثر شبهاً بمقام السيدة زينب، أكثر بأشواط كثيرة من شبهه ببعلبك، ومن شبه بعلبك بنفسها.

عملياً، يقع المقام على أرض تقدّر مصادر بلدية مساحتها بـ1500 متر مربع. والقبب المذهبة والمرايا هي من إضافات الإيرانيين، كما يقول السكان دائماً. لكن الباحة التي تسبق الوصول إلى الضريح، يستفيد منها لبنانيون، في تجارة متواضعة، بالقياس إلى حجم المقام الذي لا يتوقف عن الاتساع على نقيض من محيطه الذي يرزح تحت ضغوط اقتصادية هائلة، ويعاني من حرمان رهيب. لكن القبب المذهبة منفصلة عن الحاضر، ووظيفتها تقتصر على إعادة تنظيم الاعتراضات في سراديب الماضي.

العلاقة في الماضي بين بعلبك وبين الدولة لم تكن جيدة أصلاً. لكي تصل إلى مقام السيدة الخولة، أو إلى قلعة المهرجانات، ليس ضرورياً أن تمرّ ببعلبك نفسها. سيبدو هذا غريباً بالنسبة إلى كثيرين، ولكنها الحقيقة. هكذا تواجه المدينة التحولات بشجاعة وتنتظر تحولاً أكبر. ذراعان تلتفان حول عنق بعلبك، وتشدان الخناق على أهلها.

الذراع الأولى هي الدولة، بصيغتها الرأسمالية. لا يوجد قطار يصل إلى بعلبك. توجد ذاكرة للقطارات، وهذا يستدعي بحثاً مفصلاً وطويلاً. ما يوجد اليوم هو طريق شقّت، وفي مخيّلة الذي شقها أنها ستقود إلى الأرباح، وليس ضرورياً أن تمرّ بالناس وعبرهم.

عندما كان النظام اللبناني نظاماً رأسمالياً-زبائنياً، التصقت صورة بعلبك بالمهرجانات. وعندما جاء مَن يضيف نزعته الدينية إلى النظام، ظهر "مقام السيدة خولة". بقيت المدينة على الهامش، لكن ما اختلف هو تغيير موقع المركز وحسب

قبل الحرب الأهلية اللبنانية، شقّت الدولة طريقاً من العاصمة ومن الجبل يصل مباشرةً إلى المهرجانات الدولية، بوصفه مكاناً للكسب في اتجاهين، من دون أن يكون العبور بالبيوت والمحال ضرورياً. ماتت المحال وجاء المقام ليدفن ما تبقى من مصالح البقاعيين، وآمالهم في العيش، في مدينة كان يفترض أن تجاور نهراً هادراً وقلعة تاريخية فتصير سياحيةً بالمعنى الفعلي للكلمة.

لكن الطريق الدولية شقت على أساس مصالح محددة، إذ يكفي أن تربح المهرجانات، وليس مهماً أن يربح الناس شيئاً من صورة مدينتهم غير رصف المدائح. ويتفرع من هذا الأساس اتجاه معنوي، يخدم الصورة المتخيّلة عن بعلبك، ضدّ صورتها الحقيقية التي لا تحتاج إلى ترصيع أصلاً.

الذراع الثاني هو الدين. يتقاسم المقام مع المهرجانات مشتركاً أساسياً، وهو الانزواء عن المدينة، والاكتفاء بالذات من دون العودة إليها. شيء من استثمار اسم بعلبك المتوهج، من دون أن يكون لوجودهما فيها أي معنى. لكنهما على النقيض في المعنى الهوياتي. فالمقام اتسع مستفيداً من تنظيم مديني سيئ تاريخياً، وحاضر سياسي أسوأ، ضدّ صورة القلعة وصورة المدينة.

العلاقة مع المركز

في الأساس، وظيفة التخطيط المديني ليس لها أي معنى إنْ لم يكن هاجسها الأساسي هو "المصلحة العامة". ويمكن تعريف هذه المصلحة على أكثر من نحو، إلا أن تعريفها في جميع الأحوال يجب أن يلحظ مشتركات بين أشخاص وجماعات في حيّز جغرافي واحد، للوصول إلى تحديد مصلحة جامعة.

"المصلحة العامة" يمكنها أن تضمن مصلحة الأفراد، لكن لا يمكن لمصالح الأفراد أو الجماعات الخاصة أن تؤدي إلى مصلحة عامة بأي شكل من الأشكال. وانطلاقاً من هنا، يمكن التأكيد أن الطريق الدولية في بعلبك لم تسمع بشيء اسمه "مصلحة عامة" في حياتها. فهي تراعي مصلحة "خاصة" هي مصلحة المهرجانات الدولية التي تتذرع بسحر قلعة تتحول في حال انقطاعها عن المكان واستحالة علاقتها بالمكان إلى مجموعة أحجار ميتة.

وبما أن القاعدة صارت قاعدة خاصة، صار ممكناً إضافة سلسلة "مصالح" مشابهة، تستفيد من طبيعة الطريق إلى المدينة. وهكذا قام المقام إلى جانب القلعة واستناداً إلى هذه الحقيقة الجغرافية التي لم تنتبه عند نشوئها إلى وجود عدة أطراف معنية بالنقاش حول مصالحهم. بكلمات مبسطة، لم يسأل أحد البعلبكيون أو السكان عن رأيهم بالطريق، وبوصولها مباشرةً إلى المهرجانات وبعد ذلك إلى المقام، من دون أن تمرّ بمحالهم، أو تجعل من المرافق سبيلاً لمنفعتهم من المدينة. ولأن النقاش في المصلحة العامة لم يحدث، يصير تفسير المصالح الخاصة مفهوماً.

من دون الإفراط في الإيديولوجيا، يمكن القول إن الطريق الدولية التي تصل بيروت والجبل ببعلبك لا تعكس وجهة المخطط المديني التقليدي في لبنان وحسب، بل تعكس تصورات المركز عن الأطراف، بوصفها مكاناً هامشياً، يتصل بالمركز اتصالاً لمصلحة المركز وحسب، وليس لمصلحة المقيمين فيه.

ولا يمكن لهذه التصورات أن تكون أكثر وضوحاً مما هي عليه في بعلبك تحديداً، حيث أنه، من بين عدة عوامل إلى جانب التخطيط السيئ، لا يوجد أي أثر للعدالة الاجتماعية. استجابت بعلبك بوصفها هامشاً بالنسبة إلى النظام دائماً للصورة التي رسمها لها النظام. عندما كان النظام نظاماً رأسمالياً-زبائنياً، التصقت صورتها بالمهرجانات وبمجموعة التمثيلات الفولكلورية للمدينة وأهلها، كما لو أنهم كائنات إكزوتيكية لديهم مهمة وحيدة وهي تسلية القادمين من المركز. وعندما جاء مَن يضيف نزعته الدينية إلى النظام، ظهر المقام، وصارت المدينة ملحقة به، بدلاً من أن يكون أي صرح من صروحها ملحقاً بها، وهذا قبل البحث بتاريخيته من عدمها. والإضافة الثانية، لا تلغي الأولى، ولا تمنح بعلبك موقعاً مدينياً، بل تحافظ على صورتها على هامش، لكنها تسعى إلى تغيير موقع المركز وحسب.

بعد كل شيء، ليس للمقام أي صلة تاريخية ترجى بالمدينة. يمكن أن يحمل المقام ويوضع في أي مكان آخر، فهو يقوم على منام في النهاية وليس على التاريخ. لكن القلعة ستبقى في مكانها، وليس هناك أي معنى لوجودها من دون علاقة مع أهلها.

يكفي فقط أن تكون الطريق إلى بعلبك معبّدة بمنازل "أصحاب الحق"، وتطل نوافذهم عليها، أن تكون مصلحتهم "العامة" أهم من تجمع المصالح "الخاصة". وظيفة الطريق ليس الوصول، وظيفة الطريق هي أن تكون طريقاً وحسب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard