كيف ينطق أبطال الملاحم الكلاسيكية، من آلهة وأنصاف آلهة، على لسان امرأة؟

الأحد 19 يناير 202005:18 م

"وكأن عبء الأنوثة وتعقيدها لم يكونا بالقدر الكافي من الصعوبة، فوجدت أن عليها أن تبلغ بنفسها ما وراء المقدس كي تقطف لنفسها ثماراً غريبة وبهية، هي ثمار الفن والمعرفة، كي تقبض عليها كما لم يفعل أحد من قبل، دون أن تتنكر لإرث من اختلاف الرؤى وتباين المعايير".

هكذا تصف الكاتبة فيرجينيا وولف، اللغة النسوية: شجاعة، مستقلة، وخارجة عن المألوف في الرؤية والسبك والصياغة.

شجاع، مستقلة، وخارجة عن المألوف في الرؤية والسبك والصياغة... هكذا تصف فيرجينيا وولف اللغة النسوية 

ولا أجد هذا الوصف غريباً أو غير مطروق، فمادة النقد الأدبي التي درستها في كلية الآداب في قسم اللغة الإنكليزية، تناولت النقد النسوي للنصوص الأدبية من حيث البنية واللغة والمضمون، وهذا ما جعلني حتى وقت قريب لا أمتلك سبباً للاعتقاد، بأن تعليمي الجامعي كان محدوداً أو منحازاً بأي شكل من الأشكال في منهجه أو مواده الدراسية. غير أن مقالاً للكاتبة والمترجمة الإنكليزية إيميلي ويلسون، عن أعمال المترجمات للأدب الكلاسيكي الغربي إلى اللغة الإنكليزية، جعلني أتساءل عن طبيعة هذه الترجمات، وعن سبب تهميشها في عالم النصوص التراثية، وربما أكثر ما خطر لي هو، ما إذا كانت الملاحم لتمجيد كيف تنطق الذكورة الفاقعة في أبطال الملاحم الكلاسيكية، من آلهة وأنصاف آلهة، على لسان امرأة؟

تعالي الأصوات الخافتة في نص فيرجل

"أختاه، لقد خارت قواي/ وهذا الجرح المرير/ أجهز عليّ. لقد بدأ يكسوه السواد في كل مكان، جدي لنفسك مهرباً/ ولكن انقلي لتورنس رسالة أخيرة:/ تقدموا، وأبعدوا الطرواديين عن المدينة/ والآن وداعاً".

هذه كانت ترجمة الباحثة والشاعرة سارة رودن، لمشهد مقتل كاميلا في إنيادة فيرجل، وفي شرح رودن عن السبب الذي دفعها لإعادة ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية لصالح جامعة يال، تذكر أن "تأليف النص الذي يعود لمقاصد سياسية، يظهر نزعات عدوانية في تصويره السطحي للمرأة، كما أنه في تصويره للدين ومعاداته للكفر يظهر تكلفاً وكآبة، ومع كل هذا فهو لا يزال يمثل واحدة من أهم أربع أو خمس عصور في تاريخ الغرب، عصر أوغسطين، وبالتالي يجب دراسته".

ولهذا تختار رودن في ترجمتها أن تعطي لنساء الملحمة صوتاً مختلفاً، حقيقياً في خيباته وألمه. يذكر جوزف فاريل

أن واحداً من أكثر المشاهد تعبيراً عن نهاية امرأة جبارة هو مشهد موت كاميلا، الذي تصوغه رودن بلغة أنثوية حساسة وتفعيلة مكسورة. كاميلا المحتضرة بالكاد تستطيع أن تنطق الكلمات، ورودن تظهر هذا ببراعة في بنية الأبيات من خلال وقفات قصيرة ولغة مقتضبة، لا يمكن القول إنها مقتبسة حرفياً عن النص الأصلي.

بالنسبة لرودن، تواجه النساء عوائق كثيرة تمنعهن من التفرغ لإعادة ترجمة الأعمال الكلاسيكية، أو "لإنتاج الكتب العظيمة"، على حد تعبيرها، أهمها الوقت والبيئة الملائمة للعمل. فعندما أرادت ترجمة الإنيادة، أصرت جامعتها على أن تقوم بدلاً من ذلك بتدريس تسعة مناهج قصيرة، تحتاج لتسعة تحضيرات مختلفة تماماً، وخلال فصل دراسي واحد. لقد "حوصرت في زاوية ضيقة"، بحسب قولها، وهذا ليس جديداً على امرأة. هذه الأسباب، تعتقد رودن، هي تماماً ما يمنع عدداً أكبر من النساء من ترجمة الملاحم.

الإلياذة، احتفال بوحشية الرجال

في كتابها "الحرب التي قتلت أخيل: القصة الحقيقية لإلياذة هوميروس وسقوط طروادة"، تقدم كارولين أليكساندر رؤيتها الخاصة للملحمة، التي برأيها تشكل "عداء عميقاً للحرب، فأخيل لا يرى معنى للحملة العسكرية ضد طروادة ويعلن خلافه مع قائد الجيش ذي العقلية الدموية، أجاممنون".

في كتابها "الحرب التي قتلت أخيل: القصة الحقيقية لإلياذة هوميروس وسقوط طروادة"، تقدم كارولين أليكساندر رؤيتها الخاصة للملحمة، التي برأيها تشكل "عداء عميقاً 

بانتقائها للمفردات وبنية النص والإيقاع وتقسيم الأبيات، تعبر أليكساندر، بشكل أكثر تأكيداً ممن سبقها من المترجمين، أن هذه الملحمة هي إدانة للحرب أكثر من كونها خطاباً بطولياً. وتؤكد المترجمة في مقابلة لها، أن عملها على ترجمة الإلياذة ساعدها لأن تستخلص منها درساً وثيق الارتباط بأحداث العنف الحالية في العالم، وبالأخص "هجمات داعش الوحشية"، وتشير إلى أن خطاب أخيل: "اثنتا عشر مدينة نهبتها سفني/ وإحدى عشر أخرى اجتاحها المشاة من جنودي/ وعبر أرض طروادة الخصبة/ عدت من كل هذا محملاً بالنفائس والكنوز"، ما هو إلا محاكاة لهجمات داعش على المدن والقرى ونهبهم لممتلكاتها ونسائها. وبالنسبة لها، سلوك رجال طروادة كسلوك جنود داعش، لا يثبت إلا أن "داعش هي أكثر من كونها حركة دينية، مظهر جلي لأقدم الظواهر العالمية، وهي تمجيد الرجال للأعمال الوحشية".

هجمات داعش تشبه سلوك الطرواديين في الإلياذة، فداعش "هي أكثر من كونها حركة دينية، مظهر جلي لأقدم الظواهر العالمية، وهي تمجيد الرجال للأعمال الوحشية"

الأوديسة، قصة زوج تائه

في مقابلة لها مع صحيفة نيويورك تايمز، تذكر إيميلي ويلسون أنها عدلت عن وصف عوليس "بالزوج التائه"، لتستهل ترجمتها لملحمة الأوديسة ببداية أكثر إثارة للجدل: "أخبرني عن رجل معقد".

تذكر الكاتبة جيني تريسي، أن اختيار ويلسون لهذه المفردة بالذات يضع سياق الأوديسة ضمن إطارها الصحيح في مناخنا السياسي الحالي، فوصف عوليس بأنه "رجل معقد"، يشي للقارئ أن هذه الترجمة سوف تتعامل مع تصنيف حاد للغموض الأخلاقي الذي يحيط ببطولات الرجل الأبيض، وقد ينطوي هذا الوصف على صفات ضمنية للأبطال "القادرين" أو "المراوغين" أو "المنافقين".

يسمح منظور ويلسون النقدي للترجمات السابقة بتصحيح الصياغة اللغوية التي تحمل كراهية للنساء، لم يتضمنها النص الأصلي برأيها. فمثلاً في المشهد الذي يُقتل فيه جميع العبيد الذين يمارسون الجنس مع خطّاب بينيلوبي، تحتوي الترجمات السابقة على أوصاف تنم عن كراهية النساء، "الفاسقات"، "القحاب" و"الكائنات"، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. وفي حين قد يجادل البعض بأن هذه الترجمات كانت تعكس النظرة الدونية للنساء التي سادت في عصر هوميروس، ولكن وفقاً لويلسون، فإن التعبير اليوناني القديم لم يحمل مثل هذا الدلالات اللاإنسانية، بل أشار ببساطة إلى "الجنس الأنثوي".

بالتأكيد عرف زمن هوميروس بكراهية النساء، ولكن هذه الأوصاف لا تعد إعادة إنتاج لغوي للتمييز الجنسي الذي كان سائداً في عصره، أكثر من كونها نموذجاً دخيلاً على النص الأصلي. لذلك تختار ويسلون استخدام كلمة "فتيات"، التي برأيها تحتفظ بالخطاب المحايد للمفردات اليونانية الأصلية، وتجعل ضمن السياق ذاته، موت الفتيات ينم عن القسوة والوحشية: "وهكذا جعلت رؤوس الفتيات جميعهن على نسق واحد/ متشابكة مع الخناق الذي أحاط رقابهن/ لجعل موتهن أكثر رعباً".

وبرأي تريسي أن ويلسون لا تخلق هذا الرعب في النص بنفسها، ولكنها ببساطة تسلط الضوء على الرعب الموجود فيه بالفعل، فتلك الفتيات كن صغيرات السن، ربما قاصرات، يعملن في مطابخ وحقول العائلات الثرية دون مقابل، لذا فهن من ممتلكات تلك العائلات، وإذا أراد الخاطبون ممارسة الجنس معهن لن يمتلكن قرار الرفض. ومفردة "فتيات" التي تختار ويلسون استخدامها لا تختلق أياً من هذه الحقائق، إنما تدعو القارئ للتفكير فيها. وعلى حد تعبير ويلسون: "إنها تبرز الثغرات في هذه الفانتازيا البطرياركية"، لإدانتها بدلاً من "تكريمها".

أخت شيكسبير تأخذ فرصتها أخيراً

في مقال نشر عام 1929 لفيرجينيا وولف، تفترض لو أنه كانت لشكسبير أخت بنفس موهبته الأدبية وتنتمي للبيئة العائلية ذاتها، لما استطاعت أن تحقق نجاحه.

وفي سياق متصل تشير إيميلي ويلسون، أن دراسة النصوص القديمة بقيت لقرون حكراً على النخبة من الرجال. وبرغم أن الأمور تغيرت وأصبح بإمكان النساء، على اختلاف خلفياتهن الاجتماعية، الالتحاق بالجامعات والكليات المرموقة وتعلم اللغة اللاتينية واليونانية، إلا أن الإرث الذكوري لا يزال مهيمناً على النص الكلاسيكي، وهذا ما يصعب المهمة على المترجمات برأيها، لدعوة القراء للوصول إلى أدب العالم المترجم من منظور مختلف.

إن قراءة متعمقة لترجمات رودن وأليكساندر وويلسون، قد لا تسلط الضوء على أنهن نساء اخترن إعادة صياغة الملحمة، أكثر مما تسبغ أهمية على رؤيتهن للملحمة الشعرية الكلاسيكية، عبر عدسة حرجة ذات طابع سياسي ونقدي. لا تبرز أهمية هذه الترجمات فقط من حيث أنها تضفي طابعاً إنسانياً على الشخصيات مكممة الأفواه والمحرومة من الحقوق، ولكن أيضاً لأنها تظهر للقارئ أنه يمكنه بنفسه الانخراط في عملية نقد التراث الشعري المعقد، باعتباره قصة بطولية وخيالاً بطرياركياً جامحاً على حد سواء، لتفتح أمامه أبواباً كانت موصدة، عن مسائل تم تهميشها في هذا السرد البطولي.

اعتمدت المقالة على دراسة نشرت بعنوان "What happens when women translate the Classics"، هنا رابطها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard