"لم تخمد ولا ليوم واحد"... الانتفاضة اللبنانية تستعيد زخم البدايات

الخميس 16 يناير 202005:50 م

لا جديد تحت الشمس. يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2020 بدا انعكاساً ليوم 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أول أيام الانتفاضة اللبنانية. ربما يكون مجرد مشهد، وربما يكون الانعكاس حقيقياً.

منذ يومها الأول، لم تكن الانتفاضة اللبنانية جسداً واحداً، وهذه ميزة الانتفاضات على أي حال، وهذا ما أكسبها اسمها. الانتفاضة ميّزت نفسها منذ اليوم الأول بلامركزيتها، وبتجاوزها للمكان وللخطاب السائد، عن كل "الحراكات السابقة". تسمية انتفاضة كانت نعتاً مناسباً لحمايتها من محاولات "التمييع" الخبيثة، عبر إطلاق النعوت الفارغة.

أبرز هذه النعوت كلمة "الحراك" الحاضرة على رفوف أركان السلطة اللبنانية المعتدّة بسلطتها، والمتسلحة بعِدة التمييع ذاتها، في أدوات النظام الطائفية وفي بنيته التي تحمي احتكار القلة للماديات. ولفترة طويلة، حمت أيضاً احتكار الأحزاب السياسية-الطائفية للحق في تصنيف الأحداث وتحديدها. الانتفاضة كانت انقلاباً على كل شيء. كانت "ناراً آكلة".

في أواخر الشهر الأخير من العام الماضي، همدت الانتفاضة. وثمة مَن يقول هدأت، أو تراجعت. ربما كانت تستريح قليلاً. ربما كانت تلملم صفوف الفاعلين فيها. ربما هناك منسحبون. ربما هناك دخلاء. وربما تم استيعابها. لكن المؤكد أنها لم تمت. يعترف مشاركون فيها، على اختلاف تنويعاتهم، بأنها هدأت، ويشيرون إلى أنها ستعود أقوى مما كانت.

في صفوف الانتفاضة مَن يرفض القراءة بهدوء، بينما يشبِهها آخرون وتشبههم، فيتسمون بالمرونة. يقولون إن الانتفاضة انتفاضة لأنها تمثّل انقلاباً رفضاً لواقع قائم، لم يعد القبول به ممكناً. ولكن الانتفاضات لا تحقق بالضرورة نجاحات حاسمة، وأبرز المكاسب التي تحققها تتمثل حرفياً في لحظة قيامها، وإعلانها عن نفسها كانتفاضة.

غُربة بين "المجتمع مَدَنجيين"

"أتذكر اليوم الأول من انتفاضة 17 تشرين الأول. كان مشهداً لم أتخيّل أني سأشاهده في حياتي. مشهد اللبنانيين مجتمعين مع بعضهم البعض، الكتف على الكتف. لقد تحرروا فعلاً من شعاراتهم الحزبية التي لم أكن أتخيّل يوماً أن يضعوها جانباً. المطالب كانت واضحة وواحدة وشعبية بامتياز. رغم ذلك، كان هناك مَن يسأل: ما هي مطالبكم؟ كنّا أكثرية واضحة وساحقة. وكان مطلبنا تغيير كل شيء. لم يتغيّر شيء حتى الآن بالنسبة إلى هذه المطالب. أجد نفسي مرتاحاً بين اليساريين، أكثر من مجموعات أخرى كمجموعة حزب سبعة وغيرها من مجموعات المجتمع المدني، التي لم أشعر بالراحة عندما كنت بينهم. شعرت بالغربة بين المجتمع مدنجيي. أجواء مثل هذه كانت جديدة عليّ. شعرت بعكس ذلك تماماً عندما كنت بين اليساريين، وإلى جانب أفراده الذين يطالبون بالمساواة والعدالة الاجتماعية، مع أني لست يسارياً ملتزماً، وعرفت اليسار أكثر خلال الانتفاضة. هناك شبه كبير بين 14 كانون الثاني 2020 و17 تشرين الأول 2019. مئات الآلاف من الناس كانوا في الشوارع، من كل الطوائف وخارج الانتماءات الحزبية. هذا المشهد لم يتكرر منذ تشرين الأول، حتى جاء 14 كانون الثاني. أعاد لنا هذا اليوم شيئاً مما شهدناه في اليوم الأول والثاني والثالث من بداية الانتفاضة. الجميع يطالب بحقوقه ولن يتنازل عنها. سنعود". (حسن، 23 عاماً)

الانتفاضة، بمعنى من معانيها، قد تكون تفسيراً جماعاتياً للإنسان المتمرد الذي يتحدث عنه ألبير كامو. يصير المتمرد متمرداً في اللحظة التي يعلن فيها رفضه للانصياع. والانتفاضة اللبنانية كانت رفضاً جماعياً غير متوقع. وكان هذا مكسبها الأساسي. ربما تغيّر المشهد، لكن العمل التراكمي بدأ منذ ذلك اليوم، وما تم تحقيقه يصعب التراجع عنه، كما يؤكد مشاركون فيها. لكن التناقضات بدأت بالظهور. ومعها بدأت الأسئلة. مَن هم الذين في الانتفاضة، أو الذين يعتبرون أنفسهم مشاركين فيها؟ وبأي صفة يشاركون؟ هل هناك حساسية بين المشاركين؟ هل هناك نقاش في ما بينهم؟ أم أن الانتفاضة تناقش نفسها، وأصداء الخواء الذي في الخارج انتقل إليها؟ الإجابات الحاسمة مستحيلة. لكن محاولة تقسيم "الحلقات" المشاركة إلى مجموعات، تبقى أمراً ممكناً، يتيح البحث بتأنٍّ، وتفادي مطبات التوجيه والمصادرة والتقييم. وقد يكون التصنيف بلا فائدة. لكنها أشياء يتحدث عنها الناس.

الفئات الأكثر تضرراً

بشكلٍ عام، ومن دون إحصاءات، الذين نزلوا في الأيام الأولى، هم من الفئات الأكثر تضرراً في المجتمع. هؤلاء ربحوا كراماتهم. تحركوا ضد رغبة الذين اعتادوا أن يكونوا زعماءً لهم، وتالياً اعتادوا تحريكهم. لكن هؤلاء عادوا وخسروا مرتين وثلاث، من دون أن تشكّل خساراتهم عاملاً لانسحابهم من المشهد.

الانتفاضة، بمعنى من معانيها، قد تكون تفسيراً جماعاتياً للإنسان المتمرد الذي يتحدث عنه ألبير كامو. يصير المتمرد متمرداً في اللحظة التي يعلن فيها رفضه للانصياع. والانتفاضة اللبنانية كانت رفضاً جماعياً غير متوقع

في المرة الأولى، ضخت الأحزاب كل ما لديها لإخراج الناس من الشارع، ليس لأن الانتفاضة قامت ضد الأحزاب، بل لأن الأحزاب استغرقت وقتاً لتصديق أن ثمة مَن يتظاهر عكس إرادتها. شعار "شيعة، شيعة، شيعة" الشهير، كان أوضح المحاولات لاستنفاد العِدة الطائفية إلى أقصى درجة، والتهويل على المنتسبين السابقين إلى "الجماعة"، وتحذيرهم من أن الانتقال من الجماعة الطائفية إلى الوطنية سيكلفهم كثيراً. كان إعلاناً بأن الجماعة الطائفية قادرة على العنف وأنها ستدافع عن نفسها كجماعة، ضد الجماعات التي تخيّلتها مثلما تخيّلت نفسها، وضد سأم أهلها منها.

خسر المتضررون مرة ثانية عندما وجدوا أنفسهم يواجهون مجتمعاً مختلفاً في ثقافته، وفي تحديد المفاهيم، يشارك في الانتفاضة باسمهم، لكن بأدبيات أخرى. في الأيام الأولى، كان المتضررون هم الذين يقودون الانتفاضة، وفي الأيام اللاحقة وجد المتضررون أنفسهم عرضة للسخرية والتنمر من فئات تعتقد أنها "أكثر أهلية" منهم لقيادة الانتفاضة. تمثل هذا الشعور بتعليقات وأجواء غير ودية، ضد الذين "شاركوا في الأيام الأولى"، فيما بدا وكأنه تهليل لخروجهم، بدلاً من استمرار الانتفاضة كانتفاضة. خسروا أعمالهم أيضاً، وقدرتهم الشرائية، وخافوا من خسارة كل شيء، لأن المحتكرين ما زالوا كالتماسيح، يسبحون معنا في نهر البلاد الذي طاف بالفقر.

وإلى كل هذا، وكنتيجة لمسلسل العنف والقمع، انسحبت مجموعات أخرى متضررة من الانتفاضة، ولا سيما في المناطق الجنوبية، مثل بنت جبيل وصور تحديداً، وفي الضاحية الجنوبية، وأيضاً في الجبل وفي جل الديب وغيرها. وفي استجابة لهذه التحولات، وبينما كانت الأحزاب تحاول استعادة الاصطفافات القديمة، جاء تكليف الأستاذ الجامعي حسان دياب بتشكيل حكومة، كنتيجة طبيعية لهذه الاستجابة، فوجدت فئات أخرى نفسها في الشارع مجدداً، فاتحةً "انتفاضة على حسابها"، بعد شعورها بأن الانتفاضة الأساسية لم تحقق شيئاً، وبأن معايير القوة وحساباتها تكفلها الجماعة الطائفية فقط.

الاعتراض الأساسي على دياب أنه من داخل النظام. لكن لا يمكن تجاهل الطبيعة الطائفية لجزء من المعترضين، من مريدي سعد الحريري، والذين حاولوا استنساخ تجربة الخندق الغميق في كورنيش المزرعة. لعلها نزعة عميقة. لعله مجرد ميل إلى الاصطفافات العمودية، مثل أيام حلف وارسو وبغداد. لكن هذا "التبسيط"، لم يكن على حساب الانتفاضة. في 14 كانون الثاني، جاءت "ليلة المصارف" لتكمل الطرق. والمشاركون منذ تسعين يوماً، وفي جميع الحالات، ينتمون إلى جيل جديد. جاؤوا من خارج الأحلاف القديمة ليلعنوا القطيعة مع الأوصياء.

"المجتمع المدني مش حبّوب"

"لم تخمد الانتفاضة ولا ليوم واحد. ربما في فترة الأعياد، وفي فترة البرد. لكن ليس في الأيام الأخرى. سياسياً بقيت قائمة، ومحاولات قمعها زادت من صلابتها. دعني أعترف أن محاولات قمع الانتفاضة... لا أدري كيف أشرح ذلك، ربما جعلت الاستقطاب يذهب في اتجاه مختلف. ولكن حتى هذا ليس صحيحاً. أنا أشارك يومياً، وكنت أرى أشخاصاً يأتون من الضواحي، ومن الجبل، ومن الجعيتاوي، وكانت هناك نقاشات جدية ومحاولات للإجابة على سؤال ما العمل. تسألني إن كنت أقرب إلى المجتمع المدني أو إلى اليسار أو إلى الناس؟ سأكون صريحة. لا إلى هذا ولا إلى ذاك. اليسار تعبان (تضحك هنا) والمجتمع المدني مش حبّوب (تضحك بوتيرة أعلى)، والناس كلمة فضفاضة. 17 تشرين الأول هو الناس. ولكن يذكّرني السؤال بحادثة، ممممم... ما كان اسمها الخيمة؟ صحيح تذكرت. "ذا هاب". صحيح لماذا كان اسمها بالإنكليزية؟ لم نفهم حتى اليوم ما الذي أدى إلى إحراق الخيمة، كان النقاش قديماً كما لو أنه عودة إلى ما قبل الانتفاضة، من جميع المشاركين فيه. بالتأكيد هذه الحادثة، إضافة إلى حوادث القمع والاعتداءات، كانت من أسباب "تهشيل" كثيرين، وأقصد الندوة بحد ذاتها، ومن ثم عملية الحرق. لا أحب ما حدث من تلاوة البيانات في المصارف، وتكسير واجهاتها كان منطقياً، لكني بصراحة أخاف من المندسين. بتعرف شو؟ جميعنا مندسون... لحظة، إنهم بيننا أصلاً. فرحت كثيراً في 14 كانون الثاني، لكن 17 تشرين الأول له طعم خاص. هل يتكرر؟ لم يمت بعد". (سارة، 29 عاماً)

"تسألني إن كنت أقرب إلى المجتمع المدني أو إلى اليسار أو إلى الناس؟ سأكون صريحة. لا إلى هذا ولا إلى ذاك. اليسار ‘تعبان’ والمجتمع المدني ‘مش حبّوب’، والناس كلمة فضفاضة"... عن الانتفاضة اللبنانية وحركة الفاعلين فيها

ما يُسمّي بالطبقة الوسطى

لا يوجد تعريف نهائي للطبقة الوسطى التي يتحدث عنها مشاركون اعتراضاً أحياناً. وفي ذات الوقت، يتصرف جزء من المعترضين بسلوك فوقي تجاه الطبقة المعدمة. وفي الحالة اللبنانية، التعريفات ليس مجدية، وتحتاج إلى مساحة مخصصة. لكن المصطلح يتردد كثيراً بين المشاركين، وبين المعترضين، إلى درجة يصعب تجاهل وجوده. ما يمكن الاتفاق عليه، هو أن هذه الطبقة، في حالة الانتفاضة اللبنانية، هي عبارة عن "سلوك"، أكثر من كونها حقيقة اقتصادية أو اجتماعية. فما يجمع المنتسبين إلى الطبقات، من الناحية الكلاسيكية، هو وعيهم بأنفسهم كطبقة.

لكن مَن من المعترضين تُطلق عليه تسمية الطبقة الوسطى؟ بشكلٍ عام، هم الذين يحاولون تمييز أنفسهم عن التيارات المتضررة. وهذا لا يعني أنهم ليسوا من الفئات المتضررة، ولكن لعدة أسباب قد يكونون على غير وعي بذلك. بينهم مَن يعتقد أنه تلقى تعليماً جيداً، ومنهم مَن يعتقد أنه يعرف أكثر من غيره. ومنهم مَن اعتاد التجمع وقضاء الوقت في أماكن بعيدة عن أحزمة البؤس، والآن، يجد نفسه في مقدمة المدفع، مع آخرين، يشعر بأهلية قيادتهم. أحياناً كان هذا سلوكاً منفراً. لكن عموماً، السبب الحقيقي لتراجع وهج الانتفاضة وليس تراجعها فعلاً، يبقى محاولة قمعها، تارةً بالطائفية، وتارةً بالقوة الأمنية.

"الانتفاضة باقية وتتمدد"

"الانتفاضة في الحقيقة شيء وعلى فيسبوك شيء آخر. قبل أسابيع، كانت كلمات من نوع أوليغارشية وطبقة وسطى وهير كات وكلمات كثيرة أخرى غريبة عليّ. صرت أكثر في الانتفاضة، ولا أريدها أن تنتهي. لست مخولاً بالإجابة عن مصيرها، يمكنك أن تسأل جماعة ليلة رأس السنة (يقصد المنجّمين). ليس في منزلنا أي جو يساري، أو متعاطف مع المجتمع المدني. كل ما أعرفه هو أننا نحب لبنان. تربيت على هذا الشعور الوطني. تعرف، نحب لبنان، نحب الجيش، نحب فيروز وهكذا. أبي يدرّس الفيزياء في مدرسة يمكنني الآن أن أقول إن المسجّلين فيها ينتمون إلى طبقة وسطى. قبل شهرين كان التصنيف مشوشاً بالنسبة إلي. أمي تدرّس الأدب الإنكليزي أيضاً. لسنا عائلة مسيسة. حتى أنا كمبرمج لم أكن مهتماً بكل هذه الأمور. لا يوجد قواتيون في العائلة أو عونيون. تذكرت، لدي حساب في المصرف، وأنا مثل البقية غير قادر على السحب. 14 كانون الثاني أهم من 17 تشرين الأول لسبب بسيط، ولا أعتقد أنه الهجوم على المصارف، وأنا مع الهجوم على كل شيء. إنه مهم لأنه يعني أن الانتفاضة باقية وتتمدد، كما يقولون". (جاد، 24 عاماً)

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard