هو الجلاد وهو الحَكَم… وثائق تكشف آلية عمل "ديوان القضاء والمظالم" لدى داعش

الأربعاء 15 يناير 202011:53 م

كان الخصم والجلاد وكان الحَكَم في آن واحد. هو "ديوان القضاء والمظالم" في تنظيم داعش الذي برّر وحشيته بتفسيرات من الشريعة الإسلامية، ثم شيّد لها هيكلاً استبدادياً أضفى من خلاله الشرعية على أساليبه.

تربّع الخليفة وبعده المجلس الشرعي على رأس الهيكل المُعلَن للتنظيم، ومن بعدهما أتت المحاكم والدواوين المحلية التي يقع فوقها "ديوان القضاء والمظالم".

بحسب الدور المُعلَن له، كان الديوان يستمع للشكاوى ضد مقاتلي التنظيم والعاملين فيه، لكن 277 وثيقة وصلت إلى يد "المركز السوري للعدالة والمساءلة" في أيار/ مايو الماضي، توضح أنه (الديوان) لعب دوراً أكثر مركزية في حوكمة التنظيم، فأشرك نفسه في جميع أشكال اتخاذ القرارات التي انطوت على مسائل إدارية ومدنية وجنائية.

وتراوحت مشاركة الديوان من تنظيم مسائل عادية كاستخدام الهواتف وأجهزة التلفاز المتصلة بالأقمار الصناعية، إلى الإعلان عن تواريخ الأعياد الدينية مروراً بتحديد سعر الخبز وتحرير محاضر الاستجواب وفرض أحكام الإعدام.

بعد أشهر من العمل على الوثائق والتثبت من صحتها ومصدرها ومقارنتها بأخرى متوفرة واستشارة اختصاصيين بشأنها، توصل المركز إلى رسم صورة واضحة لمنهجية العمل التي اتبعها الديوان، وإلى تحديد موقعه في التراتبية الهرمية للتنظيم.

تُظهر وثيقة أن الديوان فرض عقوبة الإعدام بسبب سبّ الله أو النبي محمد، فأُعدم المدعى عليه، أبو أحمد اللبناني، على يد ابنه، العضو في التنظيم.

"وجوده في مرتبة أعلى من هيئات شتى مثل المحاكم الإسلامية ومحاكم الشريعة يشير إلى وجود اختصاص أوسع من ذلك الذي سبق أن ادعاه التنظيم (ادعى أن ديوان القضاء والمظالم واحد من بين 14 ديواناً محلياً)"، بحسب التقرير الذي يستخلص أن "تنظيم داعش سار على النهج التنظيمي للحكومة السورية التي عزّزت السيطرة داخل أجهزتها الأمنية من خلال التغلغل في جميع مجالات الحياة السورية".

لكن ما أهمية تلك الاستنتاجات اليوم، في مرحلة ما بعد الهزيمة المفترضة للتنظيم؟ يشير المركز الذي يُعرّف عن نفسه بأنه منظمة غير ربحية تعزز عمليات العدالة الانتقالية والمساءلة في سوريا من خلال جمع الوثائق، وتحليل البيانات وفهرستها، إلى أهمية فهم تنظيم داعش كمنظمة إجرامية وصولاً إلى إسناد المسؤولية عن الجرائم الدولية التي ارتكبها أفراد من هذا التنظيم.

حدود القرآن والتعزير

بحسب الوثائق التي وجدها ناشط محلي داخل مكاتب إدارية هجرها التنظيم في الطبقة التابعة لمحافظة الرقة، فرض الديوان العقوبات بموجب الشريعة الإسلامية، وقسمها إلى نوعين.

الأول عُرف بـ"عقوبات الحدود" أي تلك المذكورة في القرآن، ولها عقوبات محددة كتلك التي أعلنها في حلب مثلاً، عام 2014، وتراوحت بين الرجم والجلد والبتر وعقوبة الإعدام، كما يوضح الجدول التالي.

أما النوع الثاني، فهو المعروف بـ"عقوبات التعزير" لجرائم لم يذكرها القرآن، وتُرك للقضاة وغيرهم من مسؤولي التنظيم سلطة تقديرية لتحديدها.

من الأمثلة التي يسوقها التقرير، استمارة موحدة تفرض عقوبة الإعدام على رجل متهم بشتم الذات الإلهية أثناء مشادة مع زوجته، وخُتمت بختم المحكمة الإسلامية في ولاية الرقة.

وتُظهر وثيقة أن الديوان فرض عقوبة الإعدام بسبب سبّ الله أو النبي محمد، فأُعدم المدعى عليه، أبو أحمد اللبناني، على يد ابنه، العضو في التنظيم.

كما فرضت استمارة حكم موحدة عقوبة 50 جلدة علانية (إلى جانب تعليمات لإعادة البضائع إلى مالكها الشرعي، ودفع غرامة، والسجن شهراً ونصف الشهر) على ثلاثة أفراد متهمين بالسرقة في الطبقة.

وفي حين أن عقوبة السرقة هي قطع اليد، قد تُفرض عقوبة بديلة كالجلد إذا كانت الأدلة غير كافية لإثبات الجريمة، بينما يلفت التقرير إلى أن الجلد بدل بتر اليد لا يعني بالضرورة وجود رأفة لدى التنظيم، مستحضراً شهادة أحد الجلادين السابقين لدى التنظيم تُبيِّن أن الجلد كان يتم بحزام جلدي مرصّع بالمعادن يترك الضحية مغطاة بالدماء والجلاد منهكاً من قوة الجهد المبذول.

وفيما عُرف التنظيم بوحشيته، لعب "ديوان القضاء والمظالم دوراً رئيسياً في إضفاء الشرعية على العنف من خلال فرض هذه العقوبات"، بحسب التقرير.

أهمية الديوان في صنع القرار

يعود استخدام مصطلح "ديوان" إلى عصر الخلافة الأموية، حين أنشأ الخليفة عبد الملك بن مروان "ديوان المظالم" ليكون محكمة إدارية تحت ولاية الخليفة.

بناءً على الوثائق، يُظهر التقرير أن "ديوان القضاء والمظالم" احتفظ باختصاص واسع لتقرير مصير الأفراد الذين كانوا يعيشون تحت حكمه.

كان الخصم والجلاد وكان الحَكَم في آن واحد. هو "ديوان القضاء والمظالم" في تنظيم داعش الذي برّر وحشيته بتفسيرات من الشريعة الإسلامية... 277 وثيقة تكشف آليات عمل الديوان وكيف أضفى شرعية على أساليبه وأحكامه 

تراوحت مهام "ديوان القضاء والمظالم" لدى داعش من مسائل عادية كتنظيم استخدام الهاتف إلى أحكام الإعدام... وثائق جديدة توضح أولوية التحقيق مع أعضائه وملاحقتهم قضائياً بسبب دورهم الأساسي في منظومة الانتهاكات الخاصة

توضح المجموعة الواسعة من الوثائق والقرارات موقع "ديوان القضاء والمظالم" الفعلي خارج نطاق المهام القانونية المفهومة سابقاً، بحيث يقع في مكان ما تحت المجلس الشرعي، ولكن فوق بقية أجهزة السلطة القضائية.

ومن الأمثلة على وثائق ورد فيها اسم الديوان، كانت هناك أوامر وبلاغات توقيف مختلفة ووثائق إصدار أحكام، بما في ذلك أحكام الإعدام، وإفادات اعتراف، وشهادات زواج، ومحاضر قضايا واتهامات، ومعلومات عن محتجزين…



ويظهر اسم الديوان في بعض الوثائق فوق اسمي المحكمة الشرعية والمحكمة الإسلامية، وكذلك فوق اسم الشرطة الإسلامية، وهذا ما يشير إلى أنه كان يحظى بموقع أعلى في التسلسل الهرمي من محاكم التنظيم.

وفيما لم تتضمن السابقة التاريخية أيام الأمويين الاختصاص الجنائي أو الرقابة الإدارية على حياة المواطنين، فإن "إعادة إحياء هذا الديوان في يومنا هذا في ظل تنظيم داعش توضح قطيعة نهائية مع التقاليد عندما وسّع اسمه من ديوان المظالم إلى ديوان القضاء والمظالم، وهو اسم يدل على زيادة سلطته وسيطرته"، وفق التقرير.

ماذا عن عمليات التطهير الداخلية؟

تشير عدة تقارير إلى أن الديوان عاقب أعضاء في التنظيم كذلك. ثمة مقطع فيديو أنتجه الأخير يُظهر الاستماع إلى شكوى مدنية ضد مسؤول لديه، قام بسجنه لاحقاً. 

في المقابل، يزعم البعض أنه لم يتم فرض عقوبات استجابة لمظالم مدنية حول استخدام عناصر من التنطيم للسلطة، وفي حال حصلت كانت العقوبة تقتصر على نقل المذنبين من عناصر التنظيم إلى مناطق عمل أخرى. 

وبحسب التقرير، هناك بعض الأدلة على أن الديوان استخدم آلية التظلم وسيلة للقضاء على تهديدات محتملة. على سبيل المثال، قام التنظيم بإعدام قضاة اعتبرهم "متطرفين جداً" كما حدث في حالة نشر أحد القضاة الفتنة والشقاق.

وفي رواية أخرى، أفاد أسير يمني من التنظيم بأنه تم اعتقال العديد من الأعضاء أثناء فترة احتجازه بسبب تقديمهم شكاوى حول فساد أو إساءة استخدام للسلطة من قبل زملائهم من قادة التنظيم.

"تشبه ممارسات الحكومة"

في إحدى الوثائق، يظهر اسم الديوان على شهادة وفاة بثينة إبراهيم فوق اسم المحكمة الإسلامية لولاية نينوى. اعتُقلت بثينة بسبب ما قيل إنه "علاقات لها مع الحكومة"، وحين سعى زوجها للتواصل مع عضو محلي في التنظيم بهدف إطلاق سراحها، تم إعطاؤه شهادة تزعم وفاتها، ولكنها لا تقدم أي تفسير إضافي، وهي ظاهرة، كما وصفها التقرير، تشبه إلى حد بعيد ممارسات الحكومة السورية.

ويعطي مثالاً على ذلك بالقول: "عملت أجهزة الأمن السورية فوق العديد من الوزارات والقطاعات الأخرى في الحكومة السورية لتعزيز سيطرة جهاز الأمن وصلاحياته. وبناءً على مراجعة المركز السوري للعدالة والمساءلة لهذه الوثائق، يبدو أن التنظيم، سواء عن قصد أو من دونه، قام بمحاكاة هذا التعزيز للصلاحيات داخل ديوان القضاء والمظالم". يشير التقرير كذلك إلى أن "مركزية الصلاحيات المتعلقة بالحكم في ديوان القضاء والمظالم توضح أن تنظيم داعش ربما تبنى نظام الاضطهاد والسيطرة الأمنية الذي تتبعه الحكومة السورية والذي ادعى أنه يرفضه".

بالعودة إلى الهدف من تقارير مماثلة، يشير المركز إلى أولوية التحقيق مع أعضاء ديوان القضاء والمظالم وملاحقتهم قضائياً بسبب الدور الكبير الذي لعبوه في منظومة الانتهاكات الخاصة.

ويلفت كذلك إلى أهمية التحرّي والبحث عن الأجهزة التي نفّذت الأوامر الصادرة عن الديوان، وما إذا كانت شرطة الحسبة، أم مقاتلو التنظيم، أم مجموعة أخرى مسؤولة عن تنفيذ توجيهات الديوان... بهدف تحديد الأفراد الذين شغلوا مناصب داخل هذه الكيانات، سعياً للتأكد من المسؤولية الجنائية عن الانتهاكات.

في نقاشات المساءلة عن الجرائم الدولية في سوريا، يأتي قادة التنظيم رفيعي المستوى بدءاً من الخليفة إلى المجلس الشرعي إلى القادة العسكريين في الصدارة. يعتبر المركز أن ديوان القضاء والمظالم تربّع في قلب التسلسل الإداري للتنظيم، حيث أشرف على، ووحّد، الجوانب الرئيسية للقضاء وانتهاكه لحقوق الإنسان للمواطنين السوريين الذين عاشوا في جميع أنحاء الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم.

ومع عودة مقاتلي تنظيم داعش الأجانب إلى أوطانهم، يشير المركز إلى ضرورة أن تعطى وحدات جرائم الحرب في النيابات العامة الأولوية، كجزء من إستراتيجية الادعاء العام الخاصة بها، للتحقيق مع الأفراد الذين عملوا مع ديوان القضاء والمظالم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard