سلطان عُمان الجديد… الداخل يشكّل تحدّياً أكبر من الخارج على حكمه

الثلاثاء 14 يناير 202007:42 م

ما إن أُعلن في سلطنة عُمان أن هيثم بن طارق بن تيمور آل سعيد سيكون السلطان الجديد حتى بدأت التكهنات بشأن شكل حكمه، ورؤيته داخلياً وخارجياً، ولم يمر وقت طويل حتى خرج الحاكم الجديد يعلن في خطابه أنه سيسير على نهج سلفه قابوس بن سعيد. ولكن ماذا يعني هذا؟

في خطاب بثه التلفزيون العُماني، قال السلطان بن طارق: "سنسير على نهج قابوس ولن نتدخل في شؤون الدول الداخلية".

ووصل بن طارق إلى السلطة في وقت تتصاعد التوترات الطائفية والسياسية والعسكرية في منطقة الخليج حيث الصراع على أشده بين إيران وأمريكا وبين قطر والتحالف الثلاثي الإماراتي السعودي البحريني.

حافظت عُمان خلال حكم قابوس على علاقات جيدة مع جميع الدول والجماعات، حتى تلك التي تنأى بنفسها عن جيرانها العرب، مثل إسرائيل وإيران. وفي الخلافات العربية-العربية لم تتخذ موقفاً معادياً لأي طرف.

لم تقطع علاقاتها، على سبيل المثال، مع مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وكذلك حافظت على علاقتها مع النظام السوري والمعارضة في آن واحد، ومع جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

تقول صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية: "جعلت هذه الروابط في بعض الأحيان قابوس صديقاً مفيداً للولايات المتحدة. مثالاً، نجاح عمان في إطلاق سراح ثلاثة أمريكيين مسجونين في إيران عام 2011. وبعد بضع سنوات، استضافت المحادثات السرية بين الولايات المتحدة وإيران والتي مهدت الطريق لاتفاق دولي على البرنامج النووي الإيراني".

لا تغريد خارج السرب

يقول الكاتب والإعلامي العُماني زاهر بن حارث المحروقي: "الوضع الجغرافي لعُمان يفرض على الحكومة العُمانية أن تقيم علاقات جيدة مع كل دول المنطقة، وأن تعمل على تجنيب المنطقة ويلات الحروب".

من هذا المنطلق، يضيف المحروقي أنه في عهد بن طارق: "ستكون عُمان عضواً فاعلاً في مجلس التعاون الخليجي ولن تغرد خارج السرب، مع المحافظة في الوقت نفسه على العلاقات المميزة مع إيران، الشريك الأساسي لعُمان في حماية مضيق هرمز".

ويردف: "اللافت أن السلطان حرص على تأكيد سياسة النأي عن العداوات، في كل لقاءاته مع المعزين من قادة دول مجلس التعاون، ومع القيادات اليمنية بجميع أطيافها، وكذلك مع وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف".

ويتابع: "كانت فترة العزاء مناسبة مهمة للسلطان الجديد لمقابلة زعماء العالم ليستمع منهم ويسمعوا له، وكان المثير أن يستقبل كل الأطياف حتى تلك التي تختلف فيما بينها، إذ استقبل أبو مازن وإسماعيل هنية والرئيس اليمني والحوثيين".

ويضيف: "عُمان تؤمن بسياسة الأمر الواقع، لذا تقيم علاقات جيدة مع السلطة سواء كانت السلطة في يد إخوان مسلمين أم  في يد غيرهم".

"عُمان تنجو بالهدوء"

ويقول المدير التنفيذي لمعهد دراسات دول الخليج في واشنطن جورجيو كافييرو لرصيف22: "لا ينبغي لنا أن نتوقع تغييرات جوهرية في مواقف عُمان في ما يتعلق بحرب اليمن، أو المشكلة الأمريكية الإيرانية، أو الأزمات السورية أو الليبية، أوالحصار المفروض على قطر".

ويضيف: "هذا النهج الدبلوماسي المحايد جزء من الهوية العُمانية. ومن المتوقع أن تستمر مشاركة عُمان البناءة مع جميع الجهات الفاعلة الرئيسية في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد قابوس".

يقول موقع المونيتور الأمريكي إن سلطان عُمان هيثم بن طارق: "سوف يسعى إلى ختم بصمته على بلد أصبح مترادفاً لإسم قابوس، ومجتمع لم يعرف حاكماً سواه... وسيجد حتماً أنه من الصعب تكرار السلطة السياسية الكاريزمية التي تمتع بها قابوس كأب لكل العُمانيين"
محللون يقولون إن عُمان تؤمن بسياسة الأمر الواقع، لذا تقيم علاقات جيدة مع السلطة سواء كانت في يد إخوان مسلمين أم في يد غيرهم، وليس ثمة سبب يدفع بالسلطان الجديد الى تمزيق معادلة الحياد

ويقول مايكل ستيفنز، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة: "عُمان موجودة في وعاء لا يمكن أن تتكئ فيه على أي من الاتجاهين بسبب علاقاتها التاريخية وموقعها الجغرافي".

ويتابع: "عُمان تنجو بالهدوء، لا بالضجيج، ولا أرى سبباً يدفع السلطان الجديد الى تمزيق هذه المعادلة".

ويقول المحلل السياسي السعودي عادل الحميدان لرصيف22 إنه لا يُتوقع أن تغير عُمان سياستها لتتفق مع الرياض في الملفات الخارجية، مشيراً إلى أن السلطان الجديد شأنه شأن السياسيين العُمانيين يعملون بصمت، وهدفهم النأي بالنفس وعدم الدخول في أي صراعات.

مستقبل السلطنة داخلياً

لكن يبدو أن التحديات الداخلية قد تكون أكبر من الخارجية.

ربما لم يُفاجأ المتابعون للمشهد العُماني بالسلطان الجديد، لأنهم كانوا يعرفونه منذ أن ارتفع ملفه الشخصي عام 2013 عندما عيّنه قابوس رئيساً للجنة المكلفة تطوير رؤية عُمان 2040.

وفي كلمة له عام 2017 قال السلطان الجديد في مؤتمر إعداد هذه الرؤية: "نلتقي شركاء في صنع مستقبل السلطنة"، في إشارة اعتبرها البعض أن الرجل تولى رسم ما هو قادم على البلاد في غياب سلفه المريض.

وتعدّ السياسات الإقتصادية التحدي الفعلي للسلطان الجديد، لأنها تهدد استقرار حكمه.

يقول الكاتب والإعلامي العُماني زاهر بن حارث المحروقي: "تبقى المسألة الداخلية، هي التحدي. هناك ملفات كثيرة تنتظره، ربما أهمها تقوية الاقتصاد العُماني في ظل انهيار أسعار النفط الذي تسبب بعجز الموازنة، ومسألة إيجاد حلول لمشكلة الباحثين عن العمل".

يعلم السلطان هذا التحدي وخطورته جيداً لأنه رأى بأم العين الغضب العام والاحتجاجات التي شهدتها البلاد عام 2011 بسبب الأداء الاقتصادي البطيء  وملفات الفساد التي سادت في السلطنة التي يبلغ عدد سكانها 4.6 مليون نسمة.

تقول إيلانا ديلوزير، زميلة أبحاث في برنامج بيرنشتاين في شؤون الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن: "سيحتاج السلطان هيثم الآن إلى إصلاح هذا الاقتصاد من أجل إنقاذ السفينة".

السلطان هيثم الذي يعد رجل أعمال نشيطاً، ووكيلاً لعدة شركات عالمية في عُمان، ارتبط اسمه لدى العُمانيين المعنيين بالاقتصاد، بمشروع "المدينة الزرقاء" الذي فشل وتوقف، فأثار ذلك جدلاً كبيراً، إذ كانت قيمته 20 مليار دولار أمريكي، وبمقدوره أن يستوعب 200 ألف عامل.

تغييرات داخلية

يذكر المحلل العُماني أن السلطان الجديد يحب الرياضة والثقافة وهما مجالان يجذبان الشباب. لذا ترأس اتحاد الكرة بين عامي 1983 و1986، واللجنة المنظمة لدورة الألعاب الآسيوية الشاطئية الثانية التي أقيمت في مسقط عام 2010، وقبل توليه الحكم كان وزيراً للتراث والثقافة منذ عام 2002.

وبينما لم يظهر أي تلميح لخلافات على توليه السلطة، سيواجه حسابات تتعلق بالتوازنات الداخلية في عُمان، تضمن له الاستقرار وتثبيت عرشه خلال المرحلة المقبلة، فلا أحد يعرف هل يواصل السلطان الجديد الحكم على غرار سلفه أم ينتهج أسلوباً مغايراً.

علماً أن قابوس استأثر بمعظم السلطات كحاكم مطلق، فاحتفظ بمناصب السلطان ورئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير المال وقائد القوات المسلحة، وقد منح من يدير هذه المؤسسات لقب "الوزير المسؤول عن شؤون الدفاع أو الخارجية.".

يقول موقع المونيتور الأمريكي عن التحديات الداخلية للسلطان الجديد: "سوف يسعى هيثم إلى ختم بصمته على بلد أصبح مترادفاً لإسم قابوس، ومجتمع لم يعرف حاكماً سواه.. سيجد حتماً أنه من الصعب تكرار السلطة السياسية الكاريزمية التي تمتع بها قابوس كأب لكل العُمانيين".

ويقول المحروقي: "لا يعرف أحد حتى الآن كيف ومتى ستتم التغييرات الداخلية، وهل يحتفظ السلطان الجديد بالمناصب الرئيسية التي شغلها السلطان قابوس أم أنه سيعين فيها إخوانه".

وتابع المحروقي لرصيف22: "لا يعرف أحد توجهات السلطان هيثم في التغييرات الداخلية، وهل تشمل، إذا تمت، وزير الشؤون الخارجية يوسف بن علوي أم لا. وقد كان السلطان الجديد وكيلاً ثم أميناً لوزارة الخارجية، تحت رئاسة بن علوي".

يذكر أن يوسف بن علوي يُعدّ صانع السياسة الخارجية لعُمان وعقلها خلال العقد الأخير الذي شهد غياباً واضحاً لقابوس بسبب مرضه.

ومعروف أن السلطان قابوس لم يكن لديه أبناء، ولا وارث. أما السلطان الجديد فلديه أربعة أبناء، أحدهم ذي يزن بن هيثم بن طارق، وهو فاعل في المشهد العام العُماني، وكان راعياً لحفل يوم الشباب العُماني ولكأس السلطان لكرة القدم في تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

وشقيق السطان أسعد بن طارق هو النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء، وكان مرشحاً لتولي مقاليد الحكم بعد قابوس، الذي تولى السلطة عام 1970 بعد انقلاب أبيض على أبيه.

لدى الحديث عن الاستقرار الداخلي، كثيراً ما يلفت الباحثون إلى أن سلطنة عُمان تدين بالمذهب الإباضي الذي، خلافاً لأهل السنّة، يجيز الخروج على الحاكم وخلعه إذا ارتكب خطأ حتى لو كان عادلاً، لذا تصفهم صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بأنهم أول مذهب ديمقراطي في الإسلام. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard