هل يبرر الإبداع "وحشية" أدباء باستغلالهم الجنسي لأطفال؟

الثلاثاء 14 يناير 202004:40 م

أثارت الروائية والناشرة فانيسا سبرينغورا موجة تساؤلات في فرنسا، بعد أن كشفت في كتابها الصادر حديثاً عن دار "لوغراسيه"، والمعنون بـ"الموافقة"، عن علاقتها العاطفية حين كانت في الرابعة عشرة من عمرها، بالكاتب الفرنسي غابرييل ماتزنيف، حين كان في عمر الخمسين.

قد يظن القارئ أن الموافقة المبدئية على حب من هذا النوع قد لا تعنينا، فهو حب بين طرفين، إلا أن وعينا اللاحق، وغوصنا في طيّات الكتاب، تجعلنا نشعر بمرارة الأسى الذي عاشته وتعيشه الكاتبة، قبل أن تحاول الشفاء من هذا الاستدراج والاستغلال الجنسي والعاطفي والنفسي من كاتب خمسيني، وأصدقاء له من أمثال الشاعر سيوران، الذين أفهموها بأنها نالت شرف لمسه ومداعباته وهي طفلة.

هل سنقرأ في عالمنا العربي، شهادات حقة وجريئة من نساء أو رجال، تعرضوا وتعرضن لابتزاز جنسي من مفكرين أو أكاديميين أو مشتغلين في الفعل الثقافي والسياسي؟

مكاشفة لمعاناة شخصية

كاشفت الكاتبة القراء بصراحة ومن دون خوف من أي أحكام، بحكايتها مع الاستغلال الجنسي، وهي بذلك تضحي بحميميتها وألمها وتعرّيه أمام القراء، ربما هم عرضة لتجربة لما حدث معها، أو هم في الطريق إلى هذا، دون معرفة أو بدافع الخوف من سلطة جلاديهم، خصوصاً إذا كانوا أصحاب رأي ومكانة اجتماعية وأدبية وثقافية، ككتاب وفلاسفة وأكاديميين، يجد بعضهم حججاً دامغة على أن أفعالهم مرتبطة بسيرورة العمل الإبداعي ونتاجهم الفكري، وكأن اغتصاب الأطفال واستدراجهم في حالاتهم المرضية ما هو إلا جزئية تفصيلية في عملية توالد الأفكار وإنتاجها، وشكلاً من أشكال حريتهم وتحررهم من أحكام المجتمع وقيوده وسياقاته، متناسين أن هذا الفعل، قبل أي إدانة له، هو أذى فردي مؤلم وعميق والخروج منه يحتاج إلى سنوات طوال.

إن الاستغلال الجنسي هو مأساة كبيرة للنفس البشرية ولا تتضح معالم هذه المأساة بسرعة، فالتروما التي يوجدها هذا الاستدراج، وفهمها والتعامل معها والعلاج منها، يحتاجون إلى زمن طويل وشجاعة كبرى وقوة نفسية ووعي كاف. وكل هذا يظهره الكتاب في إدانته الواضحة لأفعال هذا الكاتب، الذي تفاخر في كتبه بهوسه الشديد بالفتيات والفتيان دون السادسة عشر من أعمارهم.

الآلة الثقافية وتبريرها البيدوفيليا

وهناك على الدوام من ينتج ويعيد إنتاج هذه الفكرة، في الأوساط العامة، خصوصاً في عالم الرجال من كتاب وناشرين، بأن البيدوفيليا لدى المفكرين ليست محرمة أو مدانة، فهؤلاء يخفون البيدوفيليا ويبررونها لبعض أصدقائهم أو من داخل أوساطهم، من خلال شعار أن الأدب أعلى من الأخلاق، ويأتي قبلها ولا يبشر بها.

وفرنسا عرفت خطاباً ثقافوياً ينادي بتبرير البيدوفيليا كنوع من التحرر، في بداية سبعينيات القرن الماضي، بعد ثورة 1968. إذ وُقعت عرائض وبيانات، أحدها كتبه ماتزييف بنفسه في العام 1977، ونشرته كل من "لوموند" و"ليبراسيون"، تساهم في دعم فكرة البيدوفيليا، من خلال تواقيع كتاب وفلاسفة ومفكرين كبار، من أمثال سيمون دو بوفوار وسارتر وأراغون وجيل دولوز، إلا أن مارغريت دوراس وميشال فوكو حينها لم يوقعا رفضاً لهذه الفكرة.

وباحت الكاتبة عبر صفحات الكتاب بسر خنقها لأعوام، كان بمثابة ألم شديد في حياتها الشخصية، لم تستطع إلا أن تكشفه بهذا الصدق كي تشفى منه ومن الآثار المدمرة التي تركها في شخصيتها وحياتها العاطفية والنفسية. وتصف الكاتبة العلاقة التي ربطتها بماتزييف بـ"الوحشية"، مسجلة بشجاعة، رغم الانتقاد الذي يطالها اليوم من بعض الكتاب والمثقفين المدافعين عن ماتزييف، شهادة واقعية عن السلطة التي يمارسها بعض الكتاب لاستدراج الأطفال واستغلالهم جنسياً من باب الأدب والإبداع.

وعلى الرغم من أن الكاتب الذي نال واحدة من أهم الجوائز الأدبية في فرنسا (رونودو)، ينكر بشدة أنه مارس أي تعد جنسي على فانيسا، فإن دار نشره "غاليمار" اتخذت قراراً (ربما متأخراً)، بسحب سلسلة اليوميات التي دونها ماتزييف، ويروي فيها تفاصيل مغامراته الجنسية مع قاصرين من الجنسين. ويعد كتابه المعنون بـ" Les moins de 16 ans" (من هم تحت السادسة عشرة سنة)، الصادر في العام 1974، أحد أبرز أعماله التي تحكي بصراحة تامة عن ولعه الجنسي بالقاصرين والقاصرات.

وفي الأوساط العامّة، هناك من ينتج ويعيد إنتاج فكرة، خصوصاً في عالم الرجال من كتاب وناشرين، بأن البيدوفيليا لدى المفكرين ليست محرمة أو مدانة، فهؤلاء يخفون البيدوفيليا ويبررونها لبعض أصدقائهم أو من داخل أوساطهم، من خلال شعار أن الأدب أعلى من الأخلاق

هل تتجرأ أي دار نشر عربية على اتخاذ مواقف مماثلة من كتاب وشعراء عرب ارتكبوا جرائم جنسية؟ أشك تماماً بهذا الأمر، طالما هناك على الدوام من يشكك في مكاشفات النساء والبنات عن التحرش الجنسي الذي يتعرضن له في الأوساط الثقافية العربية المحكومة بالسلطة الذكورية

الجرأة الأدبية والأخلاقية

ونشرت "غاليمار" في بيان لها، أن قرارها استثنائي، لكن ما يبرره أن المعاناة التي سردتها الكاتبة الفرنسية قد "وصلت إلينا جميعاً"، وفق البيان.

وعلى هذا الأثر أصدر وزير الثقافة الفرنسي، فرانك ريستر، قراراً بتجريد ماتزنيف من معاشه الحكومي، في وقت أوقفته مجلة "لو بوان" الأسبوعية عن الكتابة في صفحاتها.

وهنا السؤال: هل تتجرأ أي دار نشر عربية على اتخاذ مواقف مماثلة من كتاب وشعراء عرب ارتكبوا جرائم جنسية؟

أشك تماماً بهذا الأمر، طالما هناك على الدوام من يشكك في مكاشفات النساء والبنات عن التحرش الجنسي الذي يتعرضن له في الأوساط الثقافية العربية المحكومة بالسلطة الذكورية، وهذه السلطة التي تسيطر كل يوم بوفرة على عقلية وذهنية الأوساط الثقافية، في تهميشها المرأة والمثليين والمثليات والعابرين والعابرات جنسياً، لا بل وانتهاكهم/ن من دون خوف من أي ضجيج أو بلبلة، لأنهم يملكون الثقة التامة أن أصدقاءهم، والمنظومة الاجتماعية والثقافية والسياسية، سيسارعون إلى نصرتهم واعتبارهم ضحايا الغيرة من نجاحاتهم.

هل سنقرأ في عالمنا العربي، شهادات حقة وجريئة من نساء أو رجال، تعرضوا وتعرضن لابتزاز جنسي من مفكرين أو أكاديميين أو مشتغلين في الفعل الثقافي والسياسي، وأصحاب السلطة والنفوذ؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard