الخداع في الفراش... دورة اللذة والهلاك

السبت 11 يناير 202003:53 م

تقول الحكاية اليونانية إن زيوس كان يتنكر أو يغير هيئته لينال من أحب، لا داعي لأن تعرف "ضحيته" هويته، ما يهم هو اللبس وسوء الفهم الحاصل لينال إله الصواعق ما يريد، إذ كان صقراً يراقب راهبة معبده "سميلي" من السماء، فوقع في حبها، وبادلها السوائل والأنفاس فأنجبت منه داينوسيس، ذات الأمر واللبس حدث في قصة مريم والدة يسوع الناصري، إن جردناها من القدسية، إذ تمثل لها الملاك "بشراً سوياً"، أي هنا تنكر يخفي حقيقة ما ورائه، ومفاجأة بعد اكتشاف (أو عدم اكتشاف) ما وراء هذا التنكر.

الشكل السابق من المعرفة بعد اللبس في سياق جنسي، يسمى بـ"الخداع في الفراش"، وهي حيلة يقوم بها واحد من اثنين لغواية الآخر وجرّه نحو السرير ومضاجعته، لينتهي الأمر بمفاجأة بسبب انكشاف شخصية المتنكر الحقيقية، أي أن يدعي أحدهم أنه شخص آخر ليكون في المخدع مع شخص ما، وحسب تعبير ويندي دونيغر: "خداع الفراش يعني أن تتشارك فراشك مع من تعتقد أنك تعرفه حق المعرفة، ثم تستيقظ لترى شخصاً آخر، سواء كان رجلاً آخر أو امرأة أخرى، أو رجلاً بدلاً من امرأة، أو امرأة بدلاً من رجل، أو إلهاً أو ثعباناً أو أجنبياً أو كائناً غريباً أو شخصاً غريباً عنك كلياً، أو زوجتك أو زوجك أو والدتك أو والدك".

لا يستفيض تعريف دونيغر في السياسات التي تتعلق بخداع الفراش واستخداماته كأداة سردية أو سياسية، فعادة ما تكون نهاية الخدعة تراجيدية، فوالدة داينوسيس تموت حين تكتشف الحقيقة، أي تحترق حين تشاهد شكل زيوس الحقيقي، كذلك في المسرح، أوديب يفقأ عينيه حين يكتشف حقيقة من اختلى معها بالسرير، وكأن هناك دورة تراجيدية لخدعة السرير، تبدأ بجنس بالتراضي وتنتهي بهلاك أو تعرض أحد الطرفين للخطر، وعادة ما يكون الطرف الغافل عن الموضوع، فمريم لم يصدقها أحد حين قالت إنها بلا دنس، وبقيت في الكهف معرضة للخطر وولدت لوحدها.

كل لقاء جنسي يمثل حفلة تنكرية... هنا القصص الأشهر لخداع السرير من التاريخ الإسلامي

الخداع في الفراش هو حيلة لغواية الآخر... وعادة ما تكون نهاية الخدعة تراجيدية

تراجيديا المخدع وسياسات البلاط

القصة الأشهر في التراث الإسلامي والتي ترتبط بخداع السرير، نراها في حكاية وصول البرامكة إلى أعلى درجات السلطة، ونهايتهم المأساوية، إذ يذكر الطبري في تاريخه، قصة جعفر البرمكي مع العبّاسة، أخت الخليفة هارون الرشيد، الذي زوّج العبّاسة وجعفر صورياً، لأنه يحب مجلسهما لما فيه من خمر ومرح، وتم الزواج كي يتمكن جعفر من التواجد مع العبّاسة والرشيد في ذات المكان على راحتهما دون قيد أو رقيب، وكان شرط الزواج ألا يجتمعا إلا والرشيد ثالثهما، أي أن لا يدخل جعفر بالعبّاسة، لكن أخت الرشيد هامت حباً بجعفر، واتفقت مع أم جعفر على خداع زوجها، وما حدث، أن أم جعفر أخبرت ابنها أنها اشترت له جارية جميلة حسناء، وزرعت في قلب ابنها الشوق لرؤيتها وأشعلت فيه نار الشهوة، قبل أن تسمح له برؤيتها، وحين حددت يوم اللقاء، ترك جعفر مجلس الرشيد، واتجه إلى بيته سكراناً، هناك دلوه على الجارية، فدخل بها حتى أغرقها بمائه، وبعد أن عاد عقله، قالت: "كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال لها ساخراً: وأي بنت ملك أنت؟ قالت أنا سيدتك العبّاسة، وعندها طارت ذكريات اللذة وهب جعفر واقفاً وهرع إلى أمه صارخاً يقول: يا أماه بعتني رخيصاً".

تنتهي الحكاية بحبل العبّاسة وأرسالها ابنها من جعفر إلى مكة، وحين اكتشف الرشيد ما حدث: "أتاه خادمه برأس جعفر، وقام بوضع الرأس على الجسر الأوسط في بغداد، ثم قام بتقطيع الجثة إلى أشلاء ووضعها على الجسرين الأعلى والأسفل".

لن نناقش الحكاية ومدى صحتها، لكن يمكن أن ننظر إلى خدع السرير كأداة سردية وأسطورية، يتحول إثرها ما هو شبقي وحميمي "داخلي" إلى أداة سياسية تهدد المخدوع ومكانته في السياق الجدي "الخارجي"، هذه الأداة والحقيقة المرتبطة بها تعمل على مستويين، معرفي وسياسي، يمكن أن يعاد إلى مفاهيم أرسطو التراجيدية التي تتمثل بالـ"التحول والتعرف"، وهما الحالتان النفسيتان اللتان يمر بهما البطل التراجيدي حين يدرك الخطأ التراجيدي، وقد تكونان في ذات اللحظة أو هناك فاصل بينهما، وفي هذه القصة يتطابقان في الزمان والمكان، أي بعد ضرب العانة بالعانة، و عودة العقل من سراب الشهوة، إذ تنكشف الحقيقة و يَبطُل التنكّر، حين "يتعرف" البطل جعفر على الحقيقة، ثم "يتحول" موقفه مما حدث وما سيحدث لاحقاً، كونه أدرك هلاكه، كذلك هناك سؤال يرتبط بمعرفة جعفر نفسها: كيف لم يعلم مع من هو؟ كيف مر الأمر عليه هكذا؟ ما الذي اذهب عقله؟

القدر يلعب بين الملاءات

تظهر خدع السرير أحياناً بوصفها أداة بيد القدر الذي لا يمكن الفكاك منه، أشبه بأسلوب للتأكيد على أن هناك قوى خفية ترسم الأقدار لجمع المحكوم عليهم باللقاء مهما حاولوا التباعد، وهذا ما نراه في حكاية الأخين، شمس الدين ونور الدين في ألف ليلة وليلة، فابنا الوزير ثم الوزيران لمصر، اتفقا ليحفظا جاههما لدى السلطان في مصر، على تزويج أبنائهما لبعض: "إذ قال الكبير، يا أخي قصدي أن أتزوج أنا وأنت في ليلة واحدة، فقال الصغير افعل يا أخي ما تريد فإني موافقك على ما تقول، واتفقا على ذلك. ثم أن الكبير قال لأخيه إن قدر الله وخطبنا بنتين ودخلنا في ليلة واحدة ووضعنا في يوم واحد وأراد الله وجاءت زوجتك بغلام وجاءت زوجتي ببنت نزوجهما لبعضهما لأنهما أولاد عم..".

اختلف الأخان على المهر، ورحل نور الدين بعيداً وتزوج وأنجب طفلاً اسمه حسن، ذات الأمر مع شمس الدين، الذي تزوج وأنجب بنتاً اسمها ست الحسن، وبينما كل واحد منهما في بلد مختلف، يحاول السلطان تزويج ست الحسن من أحدب كون والدها رفض تزويجها للسلطان، لكن عفريتة في السماء تجد حسن وبالتعاون مع عفريت آخر، يخادعون الناس يوم عرس ست الحسن ليدخل حسن عليها عوضاً عن الأحدب، كما أن حسن يقنع ست الحسن بأنه زوجها الحقيقي لا الأحدب الذي استخدمه والدها لصد العين عنهما، وبينما وهما في المخدع "قامت إليه ست الحسن وجذبته إليها وجذبها بدر الدين وعانقها وأخذ رجليها في وسطه ثم ركب المدفع وحرره على القلعة وأطلقه فهدم البرج فوجدها درة ما ثقبت ومطية لغيره ما ركبت، فأزال بكارتها، وتملى بشبابها ولم يزل يركب المدفع ويرد إلى غاية خمس عشرة مرة، فعلقت منه، فلما فرغ حسن بدر الدين وضع يده تحت رأسها وكذلك الأخرى وضعت يدها تحت رأسه"، ثم حملت الجنية حسن بعيداً، ووضعته في دمشق بعد أن كان في مصر، يكتشف والد ست الحسن الحكاية، وتحبل ويأتيها ولد من حسن، الذي يبحث عنه شمس الدين، ويتم اللقاء لاحقاً.

الحكاية تكشف عن خدعة ضحيتها كل من حسن وست الحسن، لم يعرفا حتى النهاية ما حصل، تغيرت مراتب حسن من ابن وزير إلى مجنون ثم طباخ، ليعود بالنهاية إلى عمه، وينجب من ابنة عمه، وكأن الوعد الذي قدمه الوزراء للحفاظ على الجاه لا يمكن كسره، بل يتدخل القدر لإنجازه، مهما اختلفت الهويّات وأشكال التنكر، ورطة لا بد من حلّ لها. ويمكن استعادة قول الأنثروبولوجي الفرنسي ليفي شتراوس، الذي يرى أن مهمة الأسطورة هي التعبير عن رؤى متناقضة في وقت واحد، ولكن بطريقة متجانسة: الإله والشيطان، الإنسان والحيوان، الخير والشر، الخضوع والاستبداد. وهذا بالضبط ما يحصل في حبكة خداع الفراش. في الجنس، يمتزج كيانان ليصبحا كلاً واحداً، ولكن في خداع الفراش، ينشطر الكل إلى اثنين، شريك بهويتين متناقضتين تربكان التوقعات. ولهذا التناقض بعد فلسفي، إذ كيف تدرك الحقائق حسية كانت أم روحية؟ فمع التجرد من الملابس قد تعتقد أن شريكك يتجرد من الخداع، ففي العري حقيقة. لكن في الواقع هذا ما يفسح المجال لانطلاء الخدعة، فعند التجرد من القناع لن يشك أحد في وجود آخر تحته، ففي الغواية خداع وكل لقاء جنسي يمثل حفلة تنكرية، حتى لو لم يكن العكس صحيحاً.

الخداع لأجل الحقيقة

تدخل ألعاب وخدع السرير ضمن كوميديا الموقف والأخطاء، اللبس الذي يتم إثره تبادل الأدوار مُضحك، بسبب اختلاف الطباع والمفارقات التي قد يقع فيها المتورطان في الخدعة، لكن غالباً ما يكون خداع الفراش مُحرماً ضمن أفراد العائلة الواحدة، وإن حصل فيكون دون قصد، إما عن طريق الخطأ أو بسبب التشابه الكبير بين الأشخاص، مثل حالة التوائم في مسرحية شيكسبير "كوميديا الأخطاء" التي تخطئ فيها الزوجة بين زوجها وأخيه. وقد يكون تراجيدياً وهي الحالة الأشد خطورة، كما في حالة أوديب وأمه/ زوجته جوكاتسا، لكن في كلا الحالتين، يكشف اللبس الناتج عن خداع السرير، إما عن صفاء نية واحد من العشيقين أو جهلهما بالآخر، هذا الجهل الذي قد يكشف أن "الزواج" تم لأسباب سياسية أو إلهية، كحالة أوديب وجوكاستا التي تزوجت من حلّ لغز السفينكس وعُيّن ملكاً، دون أن يكون هناك حب مسبق بين الاثنين، فالخدعة التي يحصل أثناءها التنكر، تكشف عن حقيقة الواقعين فيها ومدى جهلهم أو معرفتهم.

تذكر بعض القصص أن الزوجات غالباً هن من يلجأن لمثل هذه الخدع للحفاظ على زواجهن، إذ يتم خداع زير النساء من قبل زوجته التي تتنكر لتكشف مدى إخلاصه لها، وقد تورطه بالجنس معها ظناً منه أنها أخرى، كما حكاية في كتاب "كشف أسرار المحتالين ونواميس الحيالين"، لعبد الرحيم بن عمر الدمشقي الحرّاني، إذ تتنكر الزوجة كجارية لتدخل على زوجها في واحدة من جلسات مجونه، لتكشف سلوكه بأم عينيها و تواجهه بالحقيقة، غير أن خداع الفراش الذي يعمد إليه الرجل قد يضعه وجهاً لوجه مع رغبة زوجته برجال آخرين، أو عدم قدرته هو على إرضائها جنسياً، كما في القصة الإنكليزية القصيرة "التبديل الكبير"، التي يشتهي فيها رجل زوجة أعز أصدقائه وجاره. ولأنه متأكد من إخلاصها لزوجها أدرك أن فرصته الوحيدة في الحصول عليها هي في أن يقنع صديقه بأن يتبادلا الزوجات لليلة واحدة دون معرفتهما، وفعلاً قام الرجلان بالتبديل، ومارس كل واحد منهما الجنس مع زوجة الآخر، ليصدم صاحب الفكرة في صباح اليوم التالي، عندما تعترف زوجته بأنها لم تستمتع مطلقاً بممارسة الجنس معه قبل الليلة الماضية.

قناع الحب من طرف واحد

لا تقتصر خدع السرير على الحكايات الأسطورية، إذ قام الجاسوس الصيني السيد فراشة بـ"دفع خصيتيه إلى أعلى في تجويف جسمه، فتدلى جلد الخصيتين كشقي ستارة ليشبه شفري المهبل وأسفله شعر العانة على شكل مثلث، ثم أخفى قضيبه بين ساقيه باتجاه الخلف وضغط ساقيه بإحكام فأخفى قضيبه تماماً وأحدث تجويفاً قليل العمق يمكن اختراقه. أي رجل معدوم الخبرة سيعتقد أنه ينظر إلى فرج امرأة"، يأتي هذا الوصف على لسانه عام 1983 حين وقف أمام للجنة الطبية الفرنسية التي فحصته للتأكد من جنسه، ومعرفة كيف خدع الدبلوماسي الفرنسي برنار بورسيكو الذي أحبه طيلة عشرين عاماً وأنجب منه ابنهما المزعوم، دون أن يعرف الفرنسيّ أنه تزوج رجلاً، وهذا ما أسماه محامي بوريسكو "جريمة شغف" في معرض دفاعه عن موكله، الذي اتّهمه بتسريب معلومات لجهات أجنبية، وأكدت التحقيقات والطب النفسي لاحقاً أن بوريسكو كان صادقاً باعتقاده أن الجاسوس امرأة وأنها أم ابنه.

التخفي للخداع في السرير قد يصل حد تغيير الجنس بالكامل، كما في قصة الشاب الأسترالي أليكس، البالغ من العمر 20 عاماً، إذ أحب امرأة تبلغ 25 عاماً وأقاما علاقة حميمة لتسعة أشهر، قبل أن يخبره أحد الأصدقاء المشتركين أنها ولدت رجلاً، وأجرت عمليه لتحويل الجنس في الثامنة عشرة، في البداية لم يصدقه لكنه أصيب بالصدمة عندما اكتشف أقراص الإستروجين التي كانت تستعملها، ليتركها بعدها، لكن هنا لا يمكن أن نسميها خدعة سرير بالمعنى السابق، صحيح هي لم تقم على الصدق بداية، لكنها أيضاً تكشف عن مدى الانفتاح الذي يتمتع به كل الشريكين ومدى تقبل الآخر، سواء كان ذكراً أو أنثى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard