حربٌ تذكّرنا بحربٍ... أين أنت أيها النفّري؟ أين أنت يا جلال الدين الروميّ؟

الجمعة 10 يناير 202005:25 م

-"ما أخبارك؟" -"اخباري سيئة!" -"أه، لماذا؟ ماذا حصل؟" -"لا يُستبعد أن تحدث الليلة حرب". كلمات تبادلناها أنا وصديقي القادم إلى سهرتنا الصغيرة؛ مجموعة صغيرة تضمّ أصحابَ فنّ وفلسفة وأدب في قلب طهران. واحد منهم سيغادر البلد بعد يومين إلى أوروبا، حيث يقيم، ومن أجل سهرة سابقة مليئة بالأحاديث الممزوجة بالفلسفة والفكاهة والأدب والذكريات، أُعدّت هذه السهرة قبل سفرِه.

في المرّة السابقة قرأتُ لهم نصوصاً صوفية وترجمات لها، وقالوا إنهم مشتاقون لسماع المزيد. قرّرنا أن تكون ليلتنا مصحوبة بالشّعر ووجدِه هذه المرّة أيضاً.

قال أحدهم: "تخيّلوا أن حرباً قد تُشنّ، لكننا جالسون الآن هنا، نتبادل الأحاديث ونضحك على ذكرياتنا الفلسفية!". ردّ الآخر: "هكذا كان الوضع خلال الحرب في الثمانينيات"، وكان يقصد السنوات الثماني للحرب العراقية-الإيرانية، مواصلاً: "أتذكر كثيراً من الليالي التي كان يجلس فيها أبي وأصدقاؤه، في نشوة وموسيقى، ونسمع صوت صفارة الإنذار بين حين وآخر."؛ فانتقل الحديث إلى ذكرياتهم عن تلك السنوات.

لم أقل أن عائلتي كانت تنتقل في المنطقة المحاذية للعراق من مدينة إلى أخرى هرباً من الحرب، فولدتُ هناك، ولا أتذكر من تلك السنوات إلا أن واحداً منهم كان يحملني ويركض هارباً إثر قصف في مدينة "الخفاجية"، حيث تكوّنت أولى ذكرياتي وأنا على مشارف سنواتي الثلاث من العمر. هل كان من يحملني أخي الأكبر أم أختي الكبرى؟ لا أعرف. ثمّ كانت تعني لي الحرب أن أمي فقدت ابنها الأكبر فيها دون أن يُعثر على جثمانه. وقضت سنوات حياتها باحثة عن حقيقة تريد أن تعرفها وحسب: هل هو حيّ أم لا؟ "وزنُ معرفتِك، كوزنِ ندمِك". هكذا قال النفريُّ قبل قرون، وكان من المفترض أن أتلو لهم تلك الليلة، ولم أتلُ.

خلال تلك الساعات الغامضة التي كانت لم تنكشفْ بعد أخبارٌ عن خسائر الطائرة، كان قد كتب أحدهم في "تويتر": "هل سأراهما ثانية؟". وزنُ معرفتِنا أثقلُ وأشدّ وطأة من وزن الندمِ أيها النفّري!

بعد بضع ساعات بدأ الضيوف بالمغادرة، فبقي في النهاية خمسة منهم. قبل أن يغادروا، باغتنا صديقنا الهادئ الذي أصفه بالفضل والتهذيب كلّما عرّفته إلى جُدد: "هل تظنّون أن حرباً ستقع قريباً؟". قالت إحدى الصديقتين الباقيتين: "أستبعد أن تُشنّ حربٌ"، فردّ صاحب السؤال: "ولكن ماذا عن (الثأر الشديد) الذي تحدّثوا عنه؟". جرى حديث لم أبدِ فيه أيّ رأي، ولم يصلوا أنفسهم إلى اتفاق، ثمّ رحلوا.

بيديها المغطّيتين بالكفّين البرتقاليين وهي تكفّ عن غسل الأواني قالت صديقتي: "يا له من وضع اعترى العالم كلّه!"

لم نقرأ لا النفّري ولا قصائد لي ولا قصائد حبّ وحرب ترجمناها حديثا أنا وصديقي إلى الفارسية والإنكليزية، ولا ترجمات لي لجلال الدين الرّومي إلى العربية للضيوف الذين غادروا الآن، وكانوا قد قالوا إنهم يجدون في العربية سحراً أخّاذاً، لاسيّما عند الاستماع إليها.

بقيت صديقتي التي عادة ما تكون الضيفة الأخيرة من أجل مساعدتي. أصرّت أن تغسل الأواني. منعتُها، مقنعة إياها ومكرّرة مرة أخرى أنني أحبّ غسل الأواني، وسأغسلها غداً. "دعينا نجلس قليلاً، نستمع إلى الموسيقى، ونودّع هذه الليلة، لنستقبل الصباحَ بالنوم" وكانت الساعة قد تجاوزت الثالثة.

جلسْنا، وإذا بصديقنا صاحب السؤال في نهاية السهرة أرسل لي خبراً مُعلَنٌ فيه أنه تمّ هجوم من قبل إيران على قاعدة القوات الأمريكية في العراق. وبعد قليل خبر آخر عن هجوم آخر. ثمّ مرّت ساعتان لي ولصديقتي في البحث في المواقع الإلكترونية والحديث مع كثير من الصديقات والأصدقاء من داخل إيران وخارجها.

كان الفجر سيبزغ حين نمنا، مصرّة كلّ واحدة على الأخرى: من أين يأتي النوم؟ ولكن دعينا ننام." كنت قد طلبت لصديقنا أن يشتري لي ترجمة "تفسير الكشّاف" إلى الفارسية، ويجلبه حين يأتي. كان قد أخبرهم: "شاهدوا ما طلبت صديقتكم! فضحكنا كلّنا، وسألوه: كم وزنه؟. قال: ستة كيلوات". قلت: "بدأت أبتاع الكتب بالكيلوات، كما تصلنا الأخبار هذه الأيام!". حملتُ حوالي كيلواً ونصفاً منه نحو الفراش، وقرأت بعض السطور المتعلقة بسورة الواقعة إلى أن قدِم النوم.

استيقظت صباحاً بصوت غسل صديقتي للأواني. أعدتُ ردعي لها، داعية إلى القهوة و"ماذا حدث؟". قالت باستغراب يطغى عليه الأسى: "سقطت طائرة أوكرانية بالقرب من مطار طهران."، عرفتُ أن الكثير من المسافرين الأبرياء ماتوا فيها.

علمتُ قبل أن أنام أن ترامب قال انتظروا كلمتي في الصباح (وصباحه يعني مساءنا). بيديها المغطّيتين بالكفّين البرتقاليين وهي تكفّ عن غسل الأواني قالت صديقتي: "يا له من وضع اعترى العالم كلّه!". أعدتُ الجملة التي كنتُ كتبتها لأحد الأصدقاء في الليلة البارحة ونحن نتبادل الأخبار والأسف: "وضعُنا مزيج من فيلميْ (ألمانيا في السنة الصفر) و(سِحر البورجوازية الخفيّ). ذهبت صديقتي بعد ساعة: "نبقى على تواصل".

اتصلت صديقتي من أستراليا، وقالت قلِقة: "لا تبقي في البلد إن وقعتْ حرب". قلت: "وهل دَمي أكثر احمراراً من الآخرين؟". وأضفت مازحة: "أنا أيضاً أعرف مثل هذه الأقوال السامية".

حاولتُ أن أركّز على ما عليّ فعله اليوم. طومارٌ من الأمور اليومية وغير اليومية! ولفرطِ زحمتها وتصوّري أن لا اليوم يكفي لها ولا حالتي الدائخة والمترنّحة إثرانتظار الحرب أو عدمها، وبعض الصّداع الناجم عن السهر والأرق. اخترتُ أبعد أمر يمكن أن يخطر ببال واحدة في مثل هذا اليوم: اتّصلت بصالون التجميل، وطلبتُ موعداً لمسح طلاء الأظافر اللاصق بأظافري، والذي لا يمكن مسحه إلا عندهنّ. قالت: "أوكي. تعالي الساعة الثالثة."

الساعة الثالثة أتت. كنتُ في المقهى، مشرفة على الإغماء من فرط النعاس. اتصلتُ بالصالون، واعتذرت لعدم استطاعتي المجيء. كان قد اتصل صديقي وأخبرني أنه قريب من بيتي، وعليه أن يذهب سريعاً ويكتب. من أجل لقاء قصير جلسنا في المقهى أنا وصديقي الحائر بدوره أكثر مني، والحزين بدوره أكثر مني، والأكثر مني اضطراباً أيضاً. هل كنت مضطربة ذلك اليوم؟ -أنا التي يعرفونني بالمسافات الكبيرة بيني وبين الاضطراب.- كان عليه أن يكتب مقالاً لإحدى أهمّ الصحف العالمية عن الوضع العام في البلد هذه الأيام، وكان يدور في المدينة منذ الصباح لرصدِ الوضع. قلتُ له مازحة أيضاً: "هناك عالم افتراضي يمكنك فيه رصد ما يقول الناس أيضاً. لا يحتاج الأمرُ أن تجوبَ المدينة من شمالها إلى جنوبها كي تعرف ما يحدث وما يقال.

عدتُ إلى البيت. كتبتُ فقرة من هذا المقال، وغلب عليّ التعب والنوم. نمت مساء. حين استيقظت، قال صوت صديقتي من خلف الهاتف المحمول: "ترامب قد تحدّث حين كنتِ نائمة، ويبدو أن ورقة الحرب انطوت".

في اليوم التالي تحدّثت الأخبار عن القتلى في الطائرة. سمعتُ أن أحد الكتّاب وهو صديقٌ لأصدقائنا فقد زوجته وابنته في الطائرة ذاهبتين من طهران إلى كندا، ليلتحق بهما بعد بضعة أيام هناك. خلال تلك الساعات الغامضة التي كانت لم تنكشفْ بعد أخبارٌ عن خسائر الطائرة، كان قد كتب في "تويتر": "هل سأراهما ثانية؟". وزنُ معرفتِنا أثقلُ وأشدّ وطأة من وزن الندمِ أيها النفّري! و"ماءُ حياة الحبّ، اسكبْه على عروقِنا" إن استطعتَ يا مولانا الرّومي!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard