"الزربية"... نساء قرويات ينسجن السجاد على إيقاع الأغاني الشعبية في الجزائر

الخميس 9 يناير 202004:35 م

كانت الساعة تُشير إلى العاشرة صباحا, فضلنا أن تكون جولتنا بأعالي العاصمة الجزائر, وبالضبط في منطقة " حيدرة " التي تضم أرقى الأحياء بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي, سألنا أحد سكان المنطقة عن المحلات، والورشات المتخصصة في بيع الصناعات التقليدية, قادنا حسين، شاب جزائري في بداية العشرينات من عمره, إلى محل صغير, متخصّص في بيع تُحف تقليدية رائعة، تشهد على جمال تراث البلاد، برز ينها السجاد الجزائري التقليدي الذي كان يغطي جميع أسوار المحل.

الخوف من الاندثار

استقبلنا صاحب المحل، مصطفى شورم، وهو الذي امتهن هذه المهنة منذ الصبا, وقال إنّ بدايته في بيع كل ما هو تقليدي كان منذ 35 عاماً.

يقوم مصطفى بجمع التحف التقليدية، بينها "الزربية" أو  السجاد الجزائري، الذي يعود تاريخ تواجده إلى آلاف السنين, فهو تُراث ضارب في عمق التاريخ.

قصّ مُصطفى لرصيف22 حكايته مع جمع هذه التحف التقليدية، وتجربته التي تجاوزت الـ35 عاماً, كان يتكلّم، ويدفعه حنين جارف لتلك الأيام التي احتك فيها مع حرفيين من محافظة غرداية شمالي صحراء الجزائر، تقع على بعد 600 كلم جنوب الجزائر العاصمة, تضمّ عدداً من القصور التاريخية، ومصنفة ضمن التراث العالمي, معظم هؤلاء الحرفيين نساء.

وبالفعل تخطت الزرابي التي يجمعها مصطفى الحدود، لدرجة أنها أصبحت مطلوبة بدرجة كبيرة من الأوروبيين، ويقول أنه شارك في العديد من المعارض التي أقيمت في أمريكا ودول أوروبية أخرى وحتى عربية، ونجح في استقطاب أنظار السياح الأجانب.

يتحدث مصطفى بحب أكثر عن زبائنه الأجانب، منتقدا الجزائريين، الذي غالبا ما يتجاهلون مثل تلك الصناعات التقليدية، يقول مصطفى عن زبائنه الغربيين: "يعيرون اهتماماً لروح الإنسان المجسدة في هذه الأشغال، أكثر من قيمتها المادية، عكس السائح المحلي، فهذه الحرفة بدأت تندثر أمام تخلي الجزائريين عنها".

"الأجيال الجديدة لا تهتم بصناعاتنا"

وتحدث مصطفى لرصيف22، بحسرة كبيرة، ونبرة الألم تطغى على صوته، وعلامات الانفعال بادية على وجهه، عن المصاعب التي تواجهها هذه الحرفة، أبرزها عدم اهتمام الجيل الجديد والسلطات المحلية بهذا الفن، بالإضافة إلى ظهور منافس جديد في السوق المحلية، والمتمثل في المنتوج التركي والصيني.

ورُغم ذلك يبقى الأمل قائماً بالنسبة لمصطفى، الذي يحاول دائماً جمع هذه التحف، فدراية قطاع من زبائنه الذين يقصدونه من كل جهات البلد، بالإضافة إلى السياح الأجانب، وممثلي السفارات الأجنبية، بجودة المنتوج المحلي، يدفعه إلى مواصلة المشوار الذي بدأه وهو في شبابه.


وعن كيفية نسج هذه الزرابي، يشرح مصطفى أن الصوف يُمثّل المادة الأولية لصناعتها، وتبدأ عملية تحضيرها عن طريق الجزّ ثم التنظيف والتمشيط، الذي يستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً، ثم تحول الصوف إلى كويكبات، ثم تغزل هذه الأخيرة وتحول إلى كويكبات مرة أخرى، وتصبغ بعدها، ليتم تكوين السجاد الذي يتم عقده عُقداً صغيرة وجميلة، وتُستعمل عدة آلات لتشكيلها، أهمها "القرداش" و"آمشط" وهما آلتان لتسريح الصوف، ثم "آزدي" وهي آلة تقوم عموماً بعزل الخصلات الطويلة التي يُتحصَّل عليها أثناء عملية المشط و"القردشة".

يقول مصطفى، معبراً عن الحالة النفسية لصناعة "الزرابي": "إن النسوة قديماً كن يستعملن رموزاً وألواناً توحي بحالتهن النفسية، وأيضاً يجسدن رموزاً أخرى ترمز إلى الأدوات التي يستعملنها في المطبخ، والبيت بصفة عامة".

ويُشير مصطفى إلى أن الرموز لها علاقة أيضاً ببعض الحُبوب والفواكه التي تشتهر بها البلاد، كالقمح والشعير والرمان.


سيدتان حافظتا على "صناعة السجاد"

 شغف اكتشاف المزيد عن هذا الموروث العريق المتخفي في قرى جزائرية، دفعنا إلى مواصلة البحث، لكن هذه المرة انتقلنا من أقصى جنوب البلاد، إلى أعالي القرى الواقعة في منطقة "عين الحمام" ،المعروفة بالتسمية الفرنسية "ميشلي"، التابعة لمُحافظة تيزي وزو، والتي تمتاز بالطبيعة الساحرة.
"النساء قديماً كنّ يستعملن رموزاً وألواناً توحي بحالتهن النفسية، وأيضاً يجسدن رموزاً أخرى ترمز إلى الأدوات التي يستعملنها في المطبخ، والبيت بصفة عامة"
"ترافق المرأة التي تحيك السجاجيد سكان القرية في أفراحهم وأحزانهم، وهي دائمة التواجد في البيوت، فلا مكان للسجاد المستورد هنا، وتؤدي عملها على إيقاع الأغاني"
صادفنا روزة، في الستينيات من العمر، ترتدي "تقندورت القبايل" أي "الجبة القبائلية"، وتلف خصرها بـ "فوطة" حمراء اللون، ممزوجة بأشرطة ملونة، وتضع منديلاً أسود فوق رأسها، سألناها عن "زربية آث هشام"، التي تشتهر بها، وما الذي تُمثله بالنسبة لسكان المنطقة، فقالت لـرصيف22، معبرة عن الوضع الاجتماعي لحائكة السجاد في قريتها: "إنها ترافق سكان المنطقة في أفراحهم وأحزانهم، وهي دائمة التواجد في بيوت قاطني القرية، فلا مكان للسجاد المستورد هنا".

وتضيف: "إن حياكة الزرابي في هذه القرية الصغيرة اقترن بسيدتين، تسمى الأولى بطاوس عبد السلام، والتي فارقت الحياة عن عمر يزيد عن قرن، أما الثانية فتسمى غنيمة آيت أسعد، وتلقب بعميدة الزربية".

وتقول روزة إن هاتين السيدتين لعبتا دوراً كبيراً في نقل هذا الموروث من جيل إلى آخر.

وبحسب روزة، فإن حياكة هذه الزرابي تتم في جلسات تطغى عليها الأغاني الشعبية القبائلية والأشعار، كشعر "إيشويقان"، مع ترديد أغنية "ثيسقرا ثيسعذيين"، وتُجسد المرأة القبائلية في "السجاد" ألواناً، وأشكالاً، ورموزاً ثقافية مختلفة، تعبر من خلالها عن آمالها ومعاناتها، ترفق بألوان متنوعة كالأخضر والأصفر والأحمر، مع مزيج من الألوان الأخرى، وتختار هذه الألوان تماشياً مع الرسوم والرموز.


من جهة أخرى، يحذِّر عبد الغني شليق، الأمين الوطني للنقابة الوطنية للحرفيين الجزائريين، من تهديدات تطال حرفة حياكة السجاد العتيقة، يقول لرصيف22: "إن حرفة صناعة السجاد التقليدي الجزائري تواجه الاندثار بسبب غزو المنتوجات المستورد من الخارج للسوق الجزائرية".

ويضيف شليق، مبررا عدم إقبال الجزائرين على شراء السجاد التقليدي: "إن قطاعاً عريضاً من الجزائريين أصبحوا يفضلون اقتناء السجاد المستورد لعدة أسباب، أبرزها الديكور الذي تتميز به، وسعرها المُنخفض مقارنة بالتقليدي، بسبب غلاء المادة الأولية التي تدخل في صناعة السجاد الجزائري، مثل الصوف والصوف الصناعي، إضافة إلى صعوبة صناعته".


ويرى عبد الغني شليق أن انتعاش صناعة "الزربية" له علاقة وطيدة بتحسن أداء القطاع السياحي، واستدل بتونس والمغرب، فالسجاد التقليدي في هذين البلدين يلقى رواجاً كبيراً بسبب التوافد الكبير للسياح الأجانب.

وعن أنواع السجاد الجزائري، يقول عبد الغني شليق: "الجزائر تتميز بستة أنواع رئيسية من الزرابي، أشهرها زربية بابار الأمازيغية بالرشق الجزائري، وزربية النمامشة والحراكتة بالشرق أيضاً، وزربية العمور تنتجه سيدات الغرب الجزائري، وزربية غرداية أقصى جنوب البلاد، وأخيراً زربية منطقة سيدي بلعباس والتي تُعرفُ بـ "الحنبل".

واشتكى الأمين الوطني للنقابة الوطنية للحرفيين الجزائريين من مُشكلة التسويق، فالحرفيون لا يملكون محلات متخصصة وأسواقاً وطنية للترويج للمنتجات التقليدية على مدار السنة، واقترح لإنقاذ قطاع إنتاج السجاد تصديره نحو الخارج، والترويج له بشكل أفضل في الأسواق العالمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard