رحلة كونية من التصوف إلى الحياة... الفن في ذكريات شد الرحال

السبت 11 يناير 202004:20 م

الخلاص ليس هنا! أي مأوى تأمل أن تجده في كتبك؟ هل تبحث عن ملجأ بين أحضان الحبر العتيق؟ بعضنا يبحث عن نوع من الدفء أو الاستقرار بين أحضان هياكل المعاني، الموسومة للانتقام من قهر طوفان المشاعر الذي يحملنا بعيداً عن جلال البحر، لكن ما نحتاجه حقاً أن نتجاوز أمواج الكلمات إلى شاطئ المشاهدة والذوق، ليس شاطئ البحر فحسب، بل الماء بحد ذاته وهو في حرية كاملة.

هذه إحدى رسائل علي حسين في كتابه التأملي "الفن في ذكريات شد الرحال" الذي استفاد فيه من الحياة الصوفية، يبدو ذلك واضحاً من بداية الكتاب حتى آخر سطر مفتوح فيه على العالم، فإهداء الكتاب فيه نفس أكبري، يذكرنا بنصوص الشيخ الأكبر ابن عربي، عن دور النساء في حياة المتصوفة القدامى، والصفات التي يحرص حسين على ذكرها للنبي بمثابة العقيدة الصوفية التي لا يمكن التنازل عنها، بل المبالغة فيها دليل عشق ومحبة، والشيخ الصوفي الذي يوصف بالغوث والبدل والقطب قديماً، يهديه حسين جزءاً من تأملاته التي تعبّر عن صدق توجهه في طريق القوم الصوفية: "إلى أمهاتي الروحيتين، الحاجّة آمنة والحاجّة نزيهة. أمانتكم ونزاهتكم يغمرونني بصفاء الزهراء".

علي حسين باحث أكاديمي وصوفي سالك، يُظهر نشاطه العلمي والاجتماعي في الغرب إيمانه بروحانية الإسلام وجمالياته التي تستحق أن يكتشفها الإنسان المعاصر، ويظهرها لمن غابت عنه من جماهير اليوم، حصل علي حسين على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة ميشغن في الولايات المتحدة الأمريكية. كتب أطروحته تحت عنوان: "الولاية بين المبهم والتفاعل الاجتماعي، عيسى بن مريم في كتابات محيي الدين بن عربي والتصوف اللاحق. وإلى جانب اهتمامات الباحث الأكاديمية، له اهتمامات أخرى يصفها هو بالفنية، من أهمها دور التصوف الهام في التلاؤم الثقافي والاجتماعي بين المسلمين وغير المسلمين في الغرب. كرّس قلمه لهذه المهمة في مقالات أكاديمية وكتابات ذات أسلوب انطباعي، من أهمها: "ابن عربي وجوزيف كامبل: الميتافيزيقية المعاصرة والميثولوجيا الأكبرية"، "تأملات صوفية لدى درويش معاصر"، "سوق الحنين"، "فن ابن عربي"، وأخيراً كتابه: "الفن في ذكريات شد الرحال".

الفن في ذكريات شد الرحال

رحلة كونية من التصوف إلى الحياة، يحوي الكتاب أربعين تأملاً شعرياً كتبهم باللغتين العربية والإنكليزية، كل نص فيه جزء من حياته وتأملاته، ليس الكتاب هو الأصل والأساس الذي يعتمد عليه فحسب، ليس دفتر الصوفي هو السواد والحرف فما هو إلا قلب أبيض كالثلج، كما يقول جلال الدين الرومي.

يبدأ حسين كتابه بسؤال عن قدرة اللغة عن التعبير، لطالما تردد هذا السؤال في كتابات الصوفية والأدباء، فقديماً قال أحدهم: "يا الله! أيها الصديق المحالف والصاحب المكانف، أما ترى انتثاري في كلامي، ووقوعي دون مقصدي ومرامي، وتلعثمي في عبارتي، وتعثّري في إشارتي، حتى كأني أجنبي من حالي، أو غريب فيما لي؟ هذا والله شعار المرحومين، وحيلة المقصّرين. ولا عجب من عِيّ العبد في وصف سيده، فمن كان وَجْدُه كوجدي، وكنايته كنايتي، ولإيمائه إيمائي، يحصر وإن كان بليغاً، ويتبلّد وإن كان متحفظاً، ويغيب وإن كان حاضراً، ويعجز وإن كان قادراً، ويحار وإن كان ناظراً، ويكل وإن كان سائراً".

يسأل حسين ما هو دور اللغة في التعبير عن الإلهام الفني والحالة الإبداعية؟ هل يستطيع كلام البشر أن يومئ بحروف محدودة وكلمات مسجونة وجمل ضيّقة عن جنون الفنان، وهو يعيش في مكانة خارج حيّز المكان، وفي وقت بعيد عن إطار الدهر، لكن حسين رغم تساؤله الفلسفي ينطق بتأملاته الشعرية في صورة نثرية تشبه إشارات الصوفية ومقالاتهم، بداية نطقه استماع، ونهايته إنصات، وكما أن كثيراً من النصوص الصوفية أُلقيت على قلب الصوفي ذوقاً وإشارة ورمزاً، يعد حسين نصوصه الإلهامية (قد يأتي الإلهام مرة على صورة فكرة، ومرة على فكرة في صورة الصوت وتناغم الحروف، وما على الكاتب حينئذ سوى نقل المعنى في صور حتى نهاية المطاف).

الكاتب فنان، والفنان، بحسب رؤية حسين، لا يموت أبداً، بل تبقى آثاره طاقة لا تمحى، فكم هو عجيب أمر ترحال الفن، فمن جانب الحالة الإبداعية تفني جزءاً من ذاتك في كل عمل تنتجه، ومن جانب آخر ذلك الفناء هو عين خلودك، فتلك البصمة التي يتركها الفنان في نفس المحب هي ذكراه وذكره المقدس.

للإبداع طرق عجيبة يوصلك من خلالها إلى ساحل الصفاء الفني المطلق، كثير من هذه الطرق تنتصر ضد عواصف المجهول، فكما أن الألوان تظهر نفسها في مرائي من الاختلافات، والنغمات تتكلم من خلال علاقات محيّرة، أنت أيضاً عليك أن تجد نفسك في خضم المتضادات.

وهنا يمكنك أن تقرأ نص إعتاق الماضي: لا تتجاهل حركات الأماكن من ماضيك وهي تحرر نفسها في الحلم والخيال من سجن الصور. لا تستخف مجدداً بالعلاقات الغريبة التي تفرض نفسها في نسيج ذاكرتك والتي تباغت نواميس العالم الملموس، ربما هذه هي الطريق التي تعلمك من خلالها الروح أنها هي المتحكمة بزمام الأمور، وربما هي الوسيلة التي من خلالها تستطيع المعاني أن تحرك الملموسات، ربما عالمنا المشهود بتنوعاته، ما هو إلا مجموعة أدلة تشهد على وحدة متجانسة ومخفية تكمن خلف ستار من البصيرة المبهمة من شدة النور.

من كلام شمس: "طالما أنك لا تهب نفسك لأمر ما بشكل كامل، سيكون وصاله صعباً وشاقاً، ولكن عندما تفوض أمرك إليه بالتمام لن يكون صعباً عليك الوصول إليه"

صوفي يدعى الشيخ سيد ظريف يرى أن "سبب الخلق هو تجلّي جماله، وأول الخلق كان العشق"

الولاية في سن كبير

للولاية صورة مختلفة عما هو شائع في تصوراتنا اليوم عند شمس تبريزي، نتعرف على جزء من تلك الصورة حينما نطالع كتابه "المقالات"، فمن كلام شمس: "طالما أنك لا تهب نفسك لأمر ما بشكل كامل، سيكون وصاله صعباً وشاقاً، ولكن عندما تفوض أمرك إليه بالتمام لن يكون صعباً عليك الوصول إليه". الولاية لا تعني أن تملك الجيوش والمدن والقرى، بل الولاية هي أن يكون المرء والياً على نفسه وكلامه وصمته.

الولاية عند حسين الذي يكتب تأملاته بريشة فنان هي القدرة على التعبير في سكون لا تستطيع الكلمة المكتوبة أن تمحي عنه ستار الظلمة إلا في سن هرم، فإذا كانت الكلمة المكتوبة هي البحر، فالولاية هي الماء الذي تحرّر من سجن الأجساد.

شلال العشق

الكل يُبنى حول العشق، كما تقول إيفا دوفيتري ميروفيتش (Eva De Vitray-Meyerovitch) في كتابها الرومي والتصوف  RUMI AND SUFISM وتروي لنا قول جلال الدين الرومي: "العشق هو تلك الشعلة، التي عندما ترتفع، تحرق الكل، ويبقى الله وحده". وفريد الدين العطار القائل: "ليس للعشق إلا ثلاثة سبل، النار والدموع والدم". صوفي آخر يدعى الشيخ سيد ظريف يرى أن "سبب الخلق هو تجلّي جماله، وأول الخلق كان العشق".

العشق هو روح الكون على الحقيقة بالنسبة للتصوف، فبفضله يميل الإنسان إلى العودة إلى أصله. الرقص والموسيقى ودوران النجوم وحركة الذرات، ومعراج الحياة على سلم الكائنات، من الحجر إلى النبات ومن الحيوان إلى الإنسان، وصولاً إلى الملائكة وما فوقها، كل ذلك عائد إلى العشق، ذلك الإسطرلاب الذي يكشف الأسرار.

ربما استفاد حسين من شلال العشق الجارف عند الصوفية، فاستحثه على كتابة إحدى تأملاته تحت هذا العنوان، فعندما يكون المرء عاشقاً تبدأ رحلة مشاهدة الجمال، وكأنه شلال يتراقص في طريقه إلى السكون في قلب المعشوق. وبعدها كما يقول حسين يقوم مرة ثانية في نور، في مولد جديد يصبح فيه قصيدة لا تنتهي، تمطر قطرات من الرؤى الوجدية آتية من سماء الإبداع الإلهي!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard