أبو خليل القباني من دمشق إلى شيكاغو

الخميس 9 يناير 202003:16 م

حاز تيسير خلف على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، لتحقيقه كتاب "من دمشق إلى شيكاغو-رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا 1893" والذي نتعرف فيه على رحلة القباني التي ظنّ كثيرون أنها وهمية، أو مجرد حكاية شعبية، ليقدم لنا خلف وثائق وصوراً تثبت حقيقة هذه الرحلة، فنكتشف عبرها شكل العرض المسرحي الذي تبناه القباني هناك، وعلاقته مع فنون الشرق، ما جعل منه ليس فقط رائداً سورياً عرّف المنطقة بالمسرح، بل أيضاً شخصية ثقافية عربية، تنقلت بين بيروت ومصر، وكانت إشكالية على المستويين الاجتماعي والسياسي.


يتابع تيسير خلف بحثه في الظاهرة المسرحية في بلاد الشام، إذ صدر له أيضاً عن دار المتوسط كتاب "وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1873-1883"، لندخل في رحلة آسرة في تاريخ دمشق في العهد العثماني، نتعرف فيها على بداية ظهور "فن التمثيل"، ودور أبو خليل القباني المفصلي في التأسيس لهذا الفن وجعله شعبياً وجماهيرياً، إذ يبدأ خلف الكتاب بسؤال: "هل يمكن إضافة جديد إلى الكتب والدراسات التي صدرت في أكثر من مكان عن حياة القباني في مرحلته الدمشقية ؟" هذا السؤال قاد خلف إلى البحث في أرشيفات الصحف والوثائق العثمانية والسورية والأوروبية، في محاولة للتصدي للكم الهائل من الحكايات الوهمية وغير الموثقة التي تحيط بالقباني، وتخفي الكثير مما شهده في حياته.

نقرأ في الكتاب عن المناخ السياسي في مدينة دمشق في نهايات القرن التاسع عشر، و طبيعة الفضاء الثقافي حينها وأشكال الترفيه والتسلية السائدة، ثم ظهور القباني ومسرحه وتشخصيه للمسرحيات، وكيف أثار أعجاب الدمشقيين الذين التفوا حول عروضه إلى جانب سخرية و تهافت "الكركوزاتية" و"المزعبرين" منه وموقفهم مما يقوم به، خصوصاً أنه قدم شكلاً فنياً أخلاقياً، حسب معايير تلك الفترة ، إذ كانت مسرحياته خالية من السباب والانحطاط، ووافق عليها الدمشقيون والسلطة والمشايخ في البداية، لما وجودوا فيها من تهذيب للنفوس وغيرها من المنافع، إلى حين ظهور أزمة الفتيان "المُرد" الذين أثاروا حفيظة الشيوخ، فعملوا على كتابة عريضة للباب العالي لمنع القباني من "التمثيل"، وهنا يكشف لنا خلف بدقة حيثيات هذا الخلاف وما يحيط به من متغيرات سياسية.

في وثائق وصور تنشر للمرة الأولى، يعرفنا تيسير خلف على رحلة أبي خليل القباني إلى الولايات المتحدة، التي ظنّ كثيرون أنها وهمية أو مجرد حكاية شعبية

كان لرحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا والعروض التي قدمها أثر كبير في الولايات المتحدة، بل أتهم الكتاب المسرحي جيمس ماثيو باريس، باقتباس حبكة مسرحيته "قصة حب البروفيسور" من حبكة مسرحية "الدراما القلمونية" التي أنجزها القباني

نكتشف أيضاً طبيعة المسرح، كفضاء اجتماعي يرتاده الرجال من مختلف الطبقات والطوائف وأحياناً النساء، كما نقرأ الآراء حول ما كان يدور فيه، وانطباعات من حضروا عروض القباني، سواء كانوا عرباً أو أجانب، ضمن الوثائق التي وصل إليها خلف، الذي قرأ تاريخ المسرح في تلك الفترة بوصفه حدثاً سياسياً وثقافياً لا مجرد شكل فني وجمالي، وتظهر جهود خلف البحثية في تناوله لمقالات الصحف التي كتبت عن القباني وعروضه والتي كانت مكبّلة بالسجع والطباق والبهرجات اللغوية، إذ قام خلف بـ"فك رموزها" مقارناً إياها مع الوثائق الرسمية والأحداث التاريخية، لفهم طبيعة الآراء حول القباني، إلى جانب تثبته من الكثير من التواريخ التي اختُلف عليها من قبل، كميلاد القباني وحريق المسرح و تواريخ خلافاته مع السلطة ومع من حوله .

نتلمس في الكتاب أيضاً تفنيداً للآراء التي كانت تقول إن القباني ليس إلا رجل سلطة مدعوم من الباب العالي، والتي يرى فيها خلف إجحافاً وتسرعاً بالحكم على القباني، فالسلطة منعته من العمل، وكان دخله من ريع التذاكر، أما الناس فأقبلوا على مسرحياته ولم يجدوها بعيدة عنهم، أما موقف الشيوخ منه فنكتشف الخفايا وراءه و الدسائس ذات الأبعاد السياسية، خصوصاً أن مسرحه شهد عدداً من الخلافات السياسية، بغض النظر عن توجهها إلا أنه كان فضاء للتغير الاجتماعي والتعبير عن الرأي، وبالرغم من منع القباني فقد كان متفانياً في عمله، ويسعى دوماً لتحسين صنعته المسرحية، سواء عبر تطوير شكل التمثيل والموسيقا، أو المناظر التي تجاوزت كونها مجرد رسومات لتتحول إلى مجسمات على الخشبة.

لا يمكن تناول كل ما في الكتاب، خصوصاً أنه يأخذنا في رحلة تاريخية غير معهودة في تاريخ دمشق والأشكال الفنية ضمنها، وكيفية تشكيل الهوية الوطنية والعربية، وكيف ساهم المسرح في بنائها، كونه يُؤدى باللغة العربية ويستعيد حكايات الماضي معيداً الاعتبار للعروبة، ولا نكرر هنا الكلام التقليدي، فالكتاب يعرّفنا على المسرح كوسيط ثقافي وفني جماهيري، غيّر من الطبيعة الاجتماعية للبلاد وموقف السكان من السلطة وشكل الحكم القائم.

 "اللعبة المتكاملة"

من أكثر ما يثير الاهتمام في الكتاب هو تعرفنا على مسرح القباني من الناحية الفنية، أي نظرية القباني في "فن المسرح"، إذ كان يعتمد كسر الإيهام أثناء اللعب، أي هناك اتفاق بين الممثل والحاضرين على أن ما يحصل أمامهم هو لعبة، ويمكن للممثل أن يخاطب الجمهور ويستشيره و يطرح عليه آراءه بوصفه يؤدي دوراً فقط، لا يهدف إلى التصديق الكامل، كذلك هناك "اللعبة المتكاملة"، أي أن العرض يقوم على أساس تكامل الحوار مع الرقص والغناء التي لا تقوم المسرحية دونهما، والأهم، هناك "الاعتبار" و هي رسالة المسرح الأخيرة، فهدف المسرحية هو "التغيير النابع من القناعة الذاتية"، هذا المفهوم مرتبط بالـ"تخريجة" الفقهية التي أوجدها القباني لمسرحه، بوصفه يحوي عبرة للاستفادة منها، ما جعله يركز على عرض أخبار الأولين والخبرات البشرية لتكون دليلاً أخلاقياً للمشاهدين.

بروشور معرض شيكاغو وفرقة مرسح العادات الشرقية 

يكشف لنا خلف تفاصيل تنشر لأول مرة عن فرقة "مرسح العادات الشرقية" ورحلة أبو خليل مع 50 ممثلاً من سوريا العثمانية، وبالرغم من أن الدعوة جاءت في إطار دراسة أثنولوجية يقوم بها فريدريك وارد بوتنامي، من جامعة هارفرد، إلا أنها كانت فرصة للاستعراض خارجاً، بالرغم من تسميات "القرية التركية" و"المسرح التركي" التي اشترطها القائمون على المعرض.

كان للرحلة والعروض التي قدمها القباني أثر كبير في الولايات المتحدة، بل أتهم الكتاب المسرحي جيمس ماثيو باريس، باقتباس حبكة مسرحيته "قصة حب البروفيسور" من حبكة مسرحية "الدراما القلمونية" التي أنجزها القباني، وتأتي أهمية بحث خلف بأنه يرسخ حقيقة حصول هذه الرحلة التي أنكرها الكثيرون ولم يصدقوا أنها حصلت، بسبب تكتم عائلة القباني عن الموضوع والملاحقات التي كان يتعرض لها.

ممثل بزي مقاتل

نقرأ في الكتاب كيف تم التخطيط للرحلة وبناء القرية من قبل السلطنة العثمانية والسلطان عبد الحميد، وكان شرط الإنجاز يقوم على أساس بناء سوق عثماني ومسجد وأبنية للمسارح بجوار السوق، تجري بداخلها العروض، بشرط عدم تضمن "ما يخل بذوات الخدور والمسلمات والآداب الملية والعمومية وشرف وآداب المملكة"، عمل القباني مع الشركة المنتجة في سبيل شراء الملابس والمعدات اللازمة من أجل الإنتاج، الذي تولته شركة بطرس أنطونيوس وشركاه من بيروت.

الممثلة ملكة سرور

بالإمكان الاقتباس من كل صفحات الكتاب، فهي تحوي معلومات ووصف لمرحلة تاريخية بقيت مجهولة لفتر طويلة، سواء أردنا التحدث عن عمليات التجهيز أو الرحلة البحرية على متن "إس إس ويرا"، ثم الوصول إلى نيويورك، وتفاصيل عمل الفرقة وأزيائها، إذ يعرفنا خلف على العروض التي ألفها القباني وقدمت، والتي تعكس أشكال الفرجة والحكايات التي تنتمي للمنطقة، والتنوع البشري الذي كان في سوريا والذي انعكس في الحكايات، كالدراما الكردية والقلمونية وحكايات المروءة والوفاء والعرس الدمشقي وعنترة بن شداد.

صور المقال من كتابي "من دمشق إلى شيكاغو-رحلة أبي خليل القباني إلى أمريكا 1893" و"وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق 1873-1883"،  بإذن من مؤلفهما/محققهما تيسير خلف. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard