"نريد أن نوصل صوتنا إلى الله"... شهادات من تحت القصف في إدلب

الأربعاء 8 يناير 202004:18 م

حين يصبح الإنسان تحت وطأة العدوان، ينتشله قدر من التضامن والتعاطف من بعض أهواله ويمنحه دعماً في قضاياه، لكن حين يُقتل بصمت، ويدير الكل ظهره بينما تنهال القذائف على رأسه، فربما حينها يكون التغاضي أشد وطأة من الطغيان.

في أقل من شهر اضطر نحو 284 ألف شخص للنزوح من جنوب إدلب، بحسب الأمم المتحدة، إثر اشتداد قصف الطيرانين الروسي والسوري على المدينة، في إطار محاولة انتزاع سيطرة المدينة من هيئة تحرير الشام، وفصائل أخرى أقل نفوذاً.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إنه في ظل موجة النزوح الأخيرة، يجري استخدام الجوامع والمرائب وصالات الأفراح والمدارس لإيواء العائلات، محذراً من أن الأماكن المتاحة قد لا تكفي، نظراً لحجم النزوح الضخم.

تلك الأزمة الإنسانية تطرح عدة تساؤلات مثل: كيف تبدو الحياة في إدلب وكيف يعيش أهلها وسط كل تلك الأهوال؟ فيم يفكرون والأهم ما شاهدوه؟

عن الحياة أو ما يشبهها، تحدثت مع ثلاثة من أهالي إدلب، ليمنحوا صورة عن حيواتهم بعيداً عن الأرقام، والتي وإن مثلت مؤشراً واضحاً عن الأزمة إلا أن لغة اللسان تظل أكثر بلاغة.

كيف تبدو الحياة في إدلب وكيف يعيش أهلها وسط كل تلك الأهوال؟ فيم يفكرون والأهم ما شاهدوه؟

"تغيّرت حياتنا"

في البداية حدثنا رياض فرحات، وهو شاب يبلغ 20 عاماً من قرية حاس بإدلب، نزح منها بعدما قصف الطيران الروسي منزله، ويمسك بزمام قصته قائلاً لرصيف22: "الثورة هي أمر الله ولكن عيشتنا قبلها أفضل من هلق، فقدنا الأمن والأمان. كانت بالبداية ثورة ولكن عندما دخلت الجهات الغربية خربوها وسرقوها".

ويشير إلى المعاناة المبكرة: "أبي كان مساعد أول بالأمن وانشق في 2011 وكانت عيشتنا طبيعية. حتى قبل رمضان الماضي بشهر ما كان في طيران أو قصف كان الدولار بـ500 ليرة سورية، ولتر المازوت بـ300 ولتر البنزين بـ400، وربطة الخبز بـ150 ليرة، ولكن بعد الهجمة صار كلشي غالي وتغيرت حياتنا".

يوضّح رياض: "القصف الأول بدأ قبل رمضان بشهر، وتحملنا حتى أتى الشهر، ووقتها صار القصف أكثر ولكن النزوح وقتها كان أمراً صعباً، وفي الثالث من رمضان تسبب القصف في استشهاد ابن عمي وإصابة أخيه. كانت أيام صعبة كتير".

ويتابع تفاصيل قصته: "وقت القصف كنا نروح على بيت عمي إذ يتكون من طابقين. حالة من الخوف والفزع اختبرناها لأول مرة، بتذكر أصوات بكاء الأطفال. كانت أياماً عصيبة جداً، ما كنا نقدر نروح نجيب خبز ومستلزمات البيت، وطبعاً ما في مدارس ولا أشغال... ضلينا هيك كل يوم قصف ونهرب نتخبى حتى جاء يوم 18 رمضان لما ضربت إحدى الطائرات بالقرب من بيتنا واخواتي الصغار عم يلعبوا بالخارج. أختي الصغيرة عمرها 3 سنوات استشهدت، وأخي عمره 10 سنوات أُصيب ولهلق ما بيحسن يمشي على أقدامه".

منزل رياض فرحات (الصورة بعدسته)

يواصل فرحات بإسهاب وكأنما أراد من يسمعه: "كلشي تغير معنا منذ تلك اللحظة، وهون نزحنا من ضيعتنا برمضان. ضل القصف مستمر لعيد الأضحى، ورجعنا للضيعة عالعيد. بقي الوضع هادئ وما في شي، ولكن من شهرين بلش القصف من جديد. قلنا ما بدنا ننزح بدنا نشتي في بيوتنا. بقيت صامد حتى انقصف منزلي، وأحمد الله إنه ما كان حدا من أهلي فيه".

على بعد عدة كيلو مترات من بلدة حاس، لا يبدو الوضع أفضل حالاً. مع بداية السنة الجديدة استمر الطيران الروسي في قصف إدلب، وفي الأول من كانون الثاني/ يناير تم استهداف مدرسة ببلدة سرمين، وتوفي 8 أشخاص منهم 4 أطفال.

"بدنا ننام بهدوء"

يعيش عبد الرحمن محمد، وهو إعلامي ميداني، كما يعرّف نفسه، على بعد كيلو متر واحد من بلدة سرمين، وفي حديث لرصيف22، قال: "من شهر وحتى اللحظة آلاف العائلات تنزح باتجاه الحدود السورية التركية ولم يرحموها من القصف الذي طال الطرق الدولية. الوضع سيئ جداً وآلاف العائلات لا مأوى لها في برد الشتاء، أحدثك بينما الطيران الروسي في الأجواء، ولا أعلم إن كان علينا أم على غيرنا".

ويتحدث عن أكثر الجوانب قتامة في القصة، مضيفاً: "حقيقة ما يحدث غيّرتنا كثيراً، صار موت الإنسان كأنه أمر عادي. الكل ساكت وما بيحكي، والله العظيم ملينا الموت والدم الذي بات أقل من العادي... أبي استشهد أمامي ووالله العظيم ما لقينا منه شقفة لحم بسبب قوة القصف".

ويتساءل: "وينه الضامن التركي؟ ما حدا عم يحكي، العالم عم بتموت، اللي ما بيموت من القصف بيموت من الجوع واللي ما بيموت من الجوع بيموت من البرد واللي ما بيموت من البرد بيموت على الطرقات… ليش هذا السكوت؟!".

ويتابع: "خلال هذا الأسبوع كدت أُقتل خمس مرات، بطلع وبروح عملي وما بعرف إذا بشوف عيالي تاني أم لا... حالة الخوف لا توصف والكل تعود على الدمار، إذا مرت نصف ساعة بدون قصف أصبحنا نستغرب، ونتساءل: ليش ما قصفوا؟! لا راح نسأل على مجتمع دولي ولا حكام العرب عملاء الغرب، بإذن لله باقين في إدلب وما راح نخرج إلا على جثثنا".

"ما حدا عم يحكي... العالم عم بتموت. اللي ما بيموت من القصف بيموت من الجوع واللي ما بيموت من الجوع بيموت من البرد واللي ما بيموت من البرد بيموت على الطرقات… ليش هذا السكوت؟!"... أصوات من إدلب تتحدث لرصيف22

"مخنا تعب من التفكير والحكي. ما يهمني أن نظهر للخارج شو الوضع في إدلب، بس بدنا نرتاح وننام مع أطفالنا نصف ساعة في هدوء"... شهادات من ريف إدلب الجنوبي 

يضعنا عبد الرحمن في الصورة أكثر شارحاً: "المناطق اللي ما نزحت حتى الآن مثل منطقتنا ما عندهم قدرة على النزوح. الحدود الشمالية السورية التركية إيجار البيت فيها 200 دولار في الشهر يعني تقريباً 150 ألف ليرة، والعامل اللي بيشتغل ما بيقضي حتى لقمة العيش لأولاده، كل شي غالي، المازوت صار اليوم بـ 800 ليرة، يعني العامل بيشتغل يوم كامل من أجل لترين مازوت لتدفئة أسرته".

ويتابع: "حتى اللي ما نزح ما بيقدر يعيش، العالم عم تستنى المعونة بالشهر من المنظمات بس لتقدر تعيش. أعرف ناس ما عندها خبز تاكل وأولادها بدون سترة في هذا البرد القاسي. إما القتل تحت القصف وإما النزوح بإيجار 200 دولار إن وجدت المنزل أساساً، إذ أعرف من يبحثون ولا يجدون، أما مدينة مثل معرة النعمان التي كان يقطنها أكثر من 300 ألف شخص فصار ما فيها حدا".

ويختم حديثه: "مخنا تعب من التفكير والحكي. ما يهمني أن نظهر للخارج شو الوضع في إدلب، بس بدنا نرتاح وننام مع أطفالنا نصف ساعة في هدوء".

 ريف إدلب الجنوبي | تصوير محمد عبد الرحمن

"عندما يريد الله سيتغيّر كل شيء"

مع إظهار رياض وعبد الرحمن رغبتهما في الحديث إما تنفيساً أو نقلاً للواقع، لا يبدو إبراهيم ناجي (اسم مستعار)، من ريف إدلب الجنوبي، متحمساً للحديث معي، ومع محاولاتي استكشاف السبب، جاءت كلماته التي حملت بين ثناياها حقيقة لا داعي لنكرانها.

وقال: "التقرير أو المقال يلي رح تبني عليه كلامي واضح للعالم ككل. أنا صحفي ولكن لا مكان للصحافة من كل ما يحدث، هذه سياسة دول كبرى بأقلام حكام ظلمة وبتوقيع مرتزقة. الوضع واضح بالشاشات وفي كل ساعة، ماذا تتوقع؟ شعب يقصف بالطائرات وكافة أنواع الأسلحة وعلى أعين الناس أجمعين؟ ولا يحدث شيء".

ويشير إلى كلماته التي اعتقد أنها من الصعب أن تجد مساحتها: "بصراحة يا صديقي، الصورة واضحة ولا أحد يريد أن يرى. بشكرك على تعاطفك ولكن عندما يريد الله سيتغير كل شيء، إذا كان هناك من نريد أن نوصل صوتنا له فهو الله".

ويختم إبراهيم: "عندما تُحل القضايا السياسية تُحل جميع القضايا. لا نريد إصلاحاً من قاعدة الهرم، فهناك ملايين الفيديوهات التي توضح الحال والمأساة. كتبت الكثير من المقالات ولكن استفدت فقط من ثمنها لا أكثر ولا أقل، ومنذ 3 سنوات توقفت عن الكتابة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard