كيف تحررت المثلية من كونها "جريمة"

الثلاثاء 7 يناير 202007:26 م

كان مكتب المباحث الفيدرالية خلال الحرب الباردة، يطارد المثليين بوصفهم تهديداً للأمن القومي، وبسبب تخفيهم وعدم وجود مبرر لاعتقالهم، كانت تستخدم تهمة "الشيوعية" لتفتيش بيوتهم ومطاردتهم، كما قام الرئيس الأمريكي إيزنهاور عام 1953، بتوقيع قرار يمنع المثليين من العمل في وظائف الدولة، وبقيت آثار هذا القرار قائمة إلى عام 1993، حين وقعت إدارة كلينتون قرار: " لا تسأل، لا تقول"، الذي يبيح للمثليين العمل في الجيش دون تسريحهم، بشرط ألا يظهروا ميولهم الجنسية علناً، هذا القمع السياسي والعسكري يوازيه آخر طبي، يمكن اعتباره المحرك "العقلاني" لقرارات هذه المؤسسات السيادية، يتمثل بتعريف الجمعية الأمريكية للطب النفسي، الشذوذ الجنسي بأنه مرض لا بدّ من علاجه، هذا التعريف بقي نافذاً إلى عام 1973، حين شُطبت "المثلية" من لائحة الأمراض النفسية، وقامت الجمعيّة بتغيير التعريف المؤلف من 81 كلمة.

سلطة المؤسسة الطبية ورواجها ضمن الثقافة الشعبية، يُساهم في ترسيخ جرم المثلية، سواء عبر النكات أو الاختبارات العلمية الوهمية، أو الفزع الذي تروج له وسائل الإعلام، إذ صنفت التقارير الطبية والخطابات العامة المغتصبين والبيدوفيليين والمثليين جنسياً، في المكانة نفسها كمجرمين جنسيين خطرين يتطلبون مراقبة الدولة والعلاج النفسي، بل أن الطبيب التشيكوسلوفاكي كورت فرويند، أحد الباحثين النفسيين الذين عملوا على تصنيف وتشخيص الاضطرابات الجنسية الذكرية في تشيكوسلوفاكيا وكندا، أحال العديد من مرضاه المثليين للعلاج من قبل المجالس القضائية التي أدانتهم.

جهاز الرغبة الميكانيكي

شكك فرويند في التقارير التي قدمها المرضى عن ميولهم الجنسية والتي ادعوا فيها أنهم تماثلوا للشفاء كي يتجنبوا مراحل العلاج، فقام بتطوير جهاز تخطيط للقضيب الذكري لقياس الحجم والانتصاب، لعب دوراً بارزاً في عمل فرويند العلمي لتحديد الرغبة الجنسية الذكرية بحيث تصبح الميول الجنسية المحرمة مقروءة بواسطة الجهاز، للتمييز بين الرجال الذين يعانون من شذوذ جنسي حقيقة عن الذين ادعوا "المرض" للتهرب من الخدمة العسكرية في تشيكوسلوفاكيا.

لا يمتلك الجهاز السابق أي مرجعية علمية، ولم يعد يستخدم في المحاكم في الولايات المتحدة، بل يمكن القول إنه يشابه الأجهزة الطبية النازية، أو تلك النابعة عن علوم متخيلة، كجهاز قياس الرغبة الجنسية الذي اخترعه الطبيب فيلهم رايخ في الأربعينيات. لكن المثير للاهتمام، أن هذا النشاط الطبي/ القضائي، رافقته صورة مخزية لتمثيل المثليين ضمن الثقافة الشعبية، تجلت بإدانة السلوك المؤنث، والاختفاء الدائم من الأدوار الجدّية، والانحلال الجنسي، بل أن الرقابة سمحت بتمثيلهم بشرط إدانتهم، وبقي الأمر كذلك حتى فيلم "لورانس العرب" الذي يشير بوضوح إلى علاقة جنسية بين الشيخ ولورانس، في ذات الوقت، صعود الـPop Culture وأعلامها المثليين علناً، كأندي وارهول وجون جيرانمو، ساهمت بإشهارها والوقوف بوجه الصورة المنحلّة والمهووسة التي يُروج لها عن المثلية، بل أن الناشطين تملكوا هذه الصورة وقدموا مفاهيم الذكورة الفائقة، لتغيير الرأي العام تجاه "المختلف" و"المغاير"، وتحويل "الأدوات" و"الأجهزة" الجنسانية الطبية إلى أغراض للعب والاكتشاف لا للتشخيص والإدانة.

العلاج بالقيء

بنيت الدراسات النفسية للميول الجنسية على عدة افتراضات خاطئة، منها اعتبار الرغبة الجنسية مكوناً أساسياً للذكورة، واعتبرت أن الذكورة "الطبيعية" تمتلك رغبة جنسية تجاه الجنس الآخر حصراً، وأخيراً اعتُبرت الميول الجنسية أمراً يمكن تعلمه بواسطة علم النفس السلوكي، وفي كتاب نشره فرويند في 1963 بعنوان "الانحراف الجنسي لدى الرجال"، ناقش "الشذوذ" الجنسي وربطه بالكروموسومات، الهرمونات، دراسات التوائم، إدمان الكحول وصدمات الطفولة. واستند أيضاً على عمل علماء الحيوان والسلوكيين والعلاقة المحتملة بين الحالات الخنثوية والميول الجنسية المنحرفة. في النهاية، توصل فرويند إلى أن الميل نحو الشذوذ الجنسي تسببه مجموعة من العوامل البيولوجية والاجتماعية التي يمكن تغييرها وبالتالي يمكن علاجه، وبالنسبة له، فإن "جوهر المشكلة الطبية هو حدوث الإثارة بمحرك مثلي الجنس، بدل أن يكون مغايراً، وهذا ما اعتبره مشكلة سلوكية قابلة للحل.

وقد وضع خطة علاجية قائمة على مبدأ العقاب والثواب عن طريق حقن مرضاه بأدوية مثيرة للغثيان، ثم عرض صور لرجال عراة عليهم، ثم يعرض صوراً لنساء عاريات بعد أن يحقن مرضاه بالتستوستيرون. وبعد تكرار هذه الإجراء لمدة سبع ساعات على مدى خمسة أيام أعلن شفاء مرضاه. لكنه اكتشف بعد عدة سنوات حين أراد التأكد من نتائجه على المدى الطويل، إثر إجراء مقابلات مع مرضاه، أن نتائج العلاج لم تكن فعالة، إذ بعد العلاج مباشرة، انتكست حالة أكثر من نصف المرضى (أربعة وعشرون من أصل أربعين)، وهؤلاء عاودوا ممارسة الجنس مع الرجال بعد بضعة أسابيع أو أشهر. وأظهر ربعهم فقط تكيُّفاً مع الجنس الآخر، وبرغم أن بعضهم تزوج وأنجب ومارس الجنس مع شريكته بانتظام، إلا أنهم اعترفوا بوجود رغبات مثلية لديهم.

هذه النظرة الطبية القاسية والعلاجات التي ترى المثلية كعطب بيولوجي والقسوة التي يتعرض لها المثليين بصورة أشد، احتاجت ثورة نسوية وحركة لتحرير المثلية، كما حصل في الستينيات في أوروبا والولايات المتحدة، وظهرت مفاهيم الجندر، والميول الجنسية بوصفها نتاج عوامل ثقافية في أغلب الحالات، الأهم أن أشكال "العلاج" سابقة الذكر تحولت لاحقاً إلى أساليب تعذيب تذكرها فضائح وكالات الاستخبارات أثناء الحرب الباردة، كما أنها بقيت حاضرة حتى الآن كما في تقارير عن غوانتنامو وأبو غريب، هي ليست أساليب علاجية بل مجرد حل بدائي لتوليد الألم وخلق الطاعة.

في إيران اليوم كذلك السعودية وكل البلدان العربية أيضاً، تعتبر المثلية الجنسية جريمة كبرى، وعقوبتها غالباً هي السجن ولمدة تصل إلى 10 سنوات، وفي الدول التي ليس لديها قانون محدد ضد المثلية الجنسية، يحاكم المثليون بموجب قوانين أخرى، ففي مصر يطبق قانون قديم يتعلق بتهمة "الفجور"

بقي تعريف المثلية في الجمعية الأمريكية للطب النفسي على أنه مرض لا بد من علاجه، حتى عام 1973، وبعدها شطبت المثلية من لائحة الأمراض النفسية، وقامت الجمعية بتغيير التعريف المؤلف من 81 كلمة
وضع خطة علاجية (من المثليّة) قائمة على مبدأ العقاب والثواب عن طريق حقن مرضاه بأدوية مثيرة للغثيان، ثم عرض صور لرجال عراة عليهم، ثم يعرض صوراً لنساء عاريات بعد أن يحقن مرضاه بالتستوستيرون. وبعد تكرار هذه الإجراء لمدة سبع ساعات على مدى خمسة أيام أعلن شفاء مرضاه

العلاج بالصدمات الكهربائية

رغم إسقاط التهم القانونية عن المثليين، بقيت تهم الاضطراب النفسية التي لا تقل خطراً، ووفقاً لمنطق الفترة، شكّل المثليون جنسياً "خطراً على الأمن الوطني"، لأنهم يمارسون أنشطة جنسية غير قانونية تجعلهم عرضة للابتزاز. في الولايات المتحدة مثلاً، أجبرت وزارة الخارجية مثليي الجنس المشتبه بهم على الخضوع لاختبار كشف الكذب، ما أدى إلى فقدان حوالي 1000 رجل وامرأة لوظائفهم في وزارة الخارجية، و5000 في الحكومة الفيدرالية ككل. كما حدثت عمليات "تطهير" مماثلة في كندا وبريطانيا. وبقيت المحاولات للعلاج قائمة، ومنها محاولة عالمي النفس البريطانيين فيلدمان ومكولوتش، لعلاج المثلية الجنسية من خلال ما أسمياه "التعلم بالتجنب الوقائي"، وفي هذا العلاج تعرض صور رجال عراة على المرضى ثم يتم صدمهم بالكهرباء ويستمر هذا حتى يقوم المريض نفسه بقلب الصورة، وقد أملا أن يقضي هذا العلاج السلوكي على الرغبة الجنسية تجاه الرجال وذلك لربطها بالألم، وقد ذكر الطبيبان أنهما استوحيا هذه الطريقة من أبحاث سابقة لتدريب الكلاب على النفور من اللحوم.

القبول الاجتماعي للمثليّة

بعد عدة تجارب لا يمكن وصفها بالناجحة في العلاج السلوكي لانحراف الميل الجنسي، قررت الجمعية الأمريكية للطب النفسي في العام 1973 إزالة السلوك الجنسي المثلي من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، وقد جاء هذا الحدث ليتوج سنوات من جهد الناشطين المثليين والأخصائيين في الصحة العقلية الذي حاربوا تصنيف المثلية الجنسية كمرض.

لا يمكن القول إن رحلة الدفاع عن حقوق مثليي الجنس انتهت بشطب المثلية من قائمة الأمراض النفسية فقط، بل ترافقت بتأهيل ثقافي للمجتمعات من أجل قبولهم والاعتراف بحقوقهم المتساوية في الوظائف وتأسيس عائلات مع شركائهم وتبني الأطفال، ففي أمريكا مثلاً، بقيت المواقف تجاه المثلية على حالها في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، حتى عام 2000 حين أقامت وكالة الاستخبارات الأمريكية أول احتفال بالمثلية الجنسية والذي خطب فيه بارني فرانك، أول عضو في الكونغرس الأمريكي يعلن مثليته، حيث صرّح أن الانتصارات التي حققها المثليون في وكالة الاستخبارات وأماكن أخرى نتجت عن حقيقة أن حملات حقوق المثليين أصبحت شخصية.

عندما قضت المحكمة العليا في الولايات المتحدة لصالح زواج المثليين في 2015، رحب البيت الأبيض بالأضواء الملونة بألوان قوس قزح، واحتفل الكثير من الناس بإضافة لون قوس قزح إلى ملفهم الشخصي على فيسبوك. أما بالنسبة للسلطات في المملكة العربية السعودية كان هذا مصدراً للقلق وليس الاحتفال. والضحية الأولى كانت مدرسة طلائع النور التي يديرها القطاع الخاص في الرياض، والتي يصادف وجود رسم لقوس قزح على جدارها الخارجي، فقامت لجنة الأمر بالمعروف في المملكة بتغريم المدرسة بمبلغ 100 ألف ريال (26،650 دولاراً) لعرضها "شعار المثليين" على مبناها، وتم سجن مديرها وإعادة طلاء الجدار المخالف، ليكون سماء زرقاء خالية من قوس قزح.

في إيران اليوم كذلك السعودية وكل البلدان العربية أيضاً، تعتبر المثلية الجنسية جريمة كبرى، وعقوبتها غالباً هي السجن ولمدة تصل إلى 10 سنوات، وفي الدول التي ليس لديها قانون محدد ضد المثلية الجنسية، يحاكم المثليون بموجب قوانين أخرى، ففي مصر يطبق قانون قديم يتعلق بتهمة "الفجور".

المشكلة مع هذه القوانين، أنها حتى لو لم تطبق بحزم فهي تشير إلى الرفض الرسمي والديني للمثلية الجنسية، وتعطي عذراً قانونياً لاتخاذ إجراءات عنيفة بحق المثليين، قبل سنوات من قيام داعش بإلقاء الرجال المتهمين بالمثلية من على أسطح المباني، كانت مجموعات أخرى في العراق تهاجم الرجال "غير الرجوليين"، وفي بعض الأحيان تقتلهم ببطء عن طريق حقن الغراء في فتحة الشرج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard