“أبكي وأحلم بدفء البيت وشرب الشاي“... أن تحبي وتتزوجي أسيراً فلسطينياً

الاثنين 6 يناير 202004:06 م

تَعرِفُ بهية، غفران، وإيمان نافع في قرارة أنفسهنّ أن "الفراق يقع لمن يعشق بعينيه، أما ذاك الذي يعشق بقلبه وروحه فلا انفصال أبداً"، يؤمنّ بذلك منذ اللحظة الأولى التي قررن ربط مصائرهن بأسرى محكومين بالأبد.

ثلاثة قصص حب جمعت فلسطينيات بالأسرى: حسن سلامة المحكوم بـ 48 مؤبداً و30 عاماً، عميد الأسرى نائل البرغوثي، وماهر الهشلون الذي يقضي حكمين بالسجن مؤبدين، لكن سنون السجن الطويلة جعلت الوصال بين المحبين حلماً عزيزاً لكنه غير مُحال، كما يؤكدن في أحاديث منفصلة مع رصيف22.

"أستحق رجلاً مثلك"

"ذكية، جميلة، طلقة اللسان وواثقة من نفسها"، حين وقعت عينيه عليها للمرة الأولى خلال مقابلتها عبر التلفزيون الإسرائيلي، الوحيد المسموح ببثه داخل المعتقلات الإسرائيلية، حدّث نفسه بأن "هذه الفتاة ستكون زوجتي"، كانت تلك الحادثة عام 1987.

احتفظ بهذه النجوى في نفسه لنحو 24 عاماً إلى أن اجتمعا تحت شمس كوبر الدافئة، شمال رام الله، في شتاء 2011، وإن لم يكن ذلك سوى لـ31 شهراً.

كانت هذه بداية قصة ارتباط إيمان نافع (55 عاماً)، كما روتها لرصيف22، بعميد الأسرى الفلسطينيين نائل البرغوثي، وأقدم أسير في العالم، والذي قضى 34 عاماً في الأسر، قبل أن يفرج عنه ضمن صفقة تبادل للأسرى بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، إلا أنه أعيد اعتقاله مرة أخرى عام 2014.

فتحت إيمان عينيها في عائلة مناضلة، وانخرطت باكراً في المقاومة منذ كانت صبية يافعة، واعتقلت إثر ذلك، وقضت عشرة أعوام في السجن، ما أهّلها لتصبح رفيقة مناسبة لعميد الأسرى.

أسَرتْ شخصيتها المتمردة خارج السجن ثم في داخله، انتباه نائل لفترة طويلة وتوّجتها عروساً لقلبه دون علمها. تقول إيمان: "منذ لحظة خروجي من المعتقل عام 1997 أرسل نائل أهله لخطبتي، لم أكن أعرفه ولم أسمع به من قبل، وبظروف معينة لم أوافق على الارتباط، ارتبطت بشخص آخر، وانفصلت عنه لاحقاً".

لكن نائل المصرّ على وصالها كرّر طلبه مرة أخرى عام 2004، حينها كان لا يزال في السجن، وتقول إيمان: "هنا التفت إلى إصراره على الارتباط بعد مرور كل هذا الوقت، فبحثت أكثر لأتعرف على شخصيته من خلال أصدقائه ومعارفه، إلى أن وافقت على خطبته".

"وجدته شخصية خارجة من بطون الكتب، أرى فيه الشخصيات التاريخية الجميلة. حدثت نفسي أني أستحق رجلاً بمثل هذه الشخصية"، تقول إيمان.

في قرية "كوبر"، ومحاطان بأشجار الزيتون التي ورثها عن والديه، والخضرة، بدآ يخططان لحياة جديدة معاً، ينعمان فيها بالأطفال، لكن ذلك لم يدم إلا لـ31 شهراً، حيث أعيد اعتقال نائل، وبدأ كابوس المحاكمات والزنازين من جديد.

لكن إيمان ترى أن الحرية قريبة، تقول: "لدينا يقين في الحرية، كنا أو لم نكن ".

"أجمل ثلاثة دقائق مسروقة"

"لحظة! توقف! ".. يقاطع السجان ذو البدلة الزرقاء الداكنة والذي يلتقط صورتهما، يسألها أن تعدل ياقة بدلة السجن الكاكية، يبتسمان للصورة كأنهما في رحلة صيفية أو مناسبة عائلية سعيدة، لا يثقل تفكيره في تلك اللحظة سنين الاعتقال التي يحملها على ظهر قلبه.

كانت هذه أول صورة تجمع الأسير الفلسطيني ماهر الهشلون، المحكوم بالسجن مؤبدين، بزوجته بهية النتشة (31 عاماً)، بعد جولة من المحاكمات لنحو ثلاث سنوات.

تستعيد بهية تلك اللحظات، وتقول لرصيف22: "كانت أجمل ثلاث دقائق مسروقة، فكرت وقتها كيف بدي أرجع أتأقلم مع الواقع خارج أسوار السجن بدون ماهر".

"كيف بدي أرجع أتأقلم مع الواقع خارج أسوار السجن بدون ماهر؟".

وتضيف: "مجرد ضمّيت ماهر شعرت أن همومي خلال ثلاث سنوات (مداولات المحاكم) اختفت.. فكرت كم ستكون عظيمة فرحتنا وقت الحرية".

ارتبطت بهية بماهر في سن صغيرة، تقدم لخطبتها بعد أن تحرر من السجون الإسرائيلية بفترة وجيزة، أسّسا لحياة كان الوفاق جوهرها، حتى أن المحقق الإسرائيلي لم يقتنع بأنها لم تكن على علم بنية ماهر تنفيذ عملية في الأقصى، كما تروي بهية.

احتمالات الفراق لم تغب أبداً عن بال بهية، تقول لرصيف22: "الزواج بأسير محرر كان بحد ذاته تحدياً كبيراً، الحياة في منطقة محتلة خصوصاً مدينة الخليل التي يحاصرها المستوطنون من كل جانب، يتوقع المرء في أي لحظة أن تنقلب حياته رأساً على عقب، أي امرأة فلسطينية يخطر في بالها ذلك، لست استثناء".

في ومضة من الزمن انقلبت حياتهما رأساً على عقب، تماماً كما كان يجول في خاطرها، اعتقل ماهر وحُكم بـ200 عام، لكنها تهوّن هذا الفراق على نفسها، تقول: "أنا وماهر لا ننتظر الحرية للعيش في السعادة أبدية ونروي قصة حبنا، نعرف أن أمامنا مهمة طويلة جداً وقد بدأنا المسير للتو".

تحظى بهية بلقاء ماهر مرتين أو ثلاث في العام، بعد رحلة عذاب طويلة وصولاً إلى سجن نفحة الصحراوي. على طرفين منفصلين يجلسان، يفصل بينهما لوح زجاجي بارد، يحلمان بسماء زرقاء صافية يجتمعان تحت قبتها معا من جديد، بالرعشة الرقيقة لأصابعهم حين يلتقيان معاً.

"وجدت نائل البرغوثي شخصية خارجة من بطون الكتب، أرى فيه الشخصيات التاريخية الجميلة. حدثت نفسي أني أستحق رجلاً بمثل هذه الشخصية"
"الزواج بأسير محرر كان بحد ذاته تحدياً كبيراً، الحياة في منطقة محتلة يحاصرها المستوطنون من كل جانب، يتوقع المرء في أي لحظة أن تنقلب حياته رأساً على عقب، أي امرأة فلسطينية يخطر في بالها ذلك"

وتقول بهية: "أحلم بالسكينة التي كنت أعيشها. أستيقظ صباحاً وأعد طعام الأطفال وماهر بهدوء، أشتاق الدفء الذي كان يجمعنا حول مائدة الطعام، كأس الشاي الساخن بعد الغداء، تقافز الأطفال حولنا، وفرحتنا بهم".

"قرأت رسالته وبكيت"

بدأت قصتهما برسالة عنونها على غير عادته بـ"عزيزتي"، أرسلها من عزله الانفرادي في سجن ريمون، إلى عاشقته المتمرسة والتي درست شخصيته حين كانت على مقاعد الدراسة بجامعة "النجاح" في نابلس.

في خطوة اعتبرتها عائلته مسّاً من الجنون لطول عزله، ارتبط الأسير حسن سلامة، في ربيع 2010، بعاشقته السرية غفران زامل (27 عاماً).

كانت غفران حينها تقضي حكماً بالسجن لمدة عام بتهمة العمل في صحيفة تتبع لتنظيم محظور- حماس. المسافة في السجن أقصر إلى حسن مما كانت حين أصبحت حرة خارج الزنزانة، فما كان منها إلا أن بادرته برسالة تطلب خطبته لنفسها، في خطوة جريئة، تقول غفران إنها درستها جيداً، ولم تكن حديث عاطفة أو رد فعل على اعتقالها.

وتقول غفران لرصيف22: "منذ كنت طالبة على مقاعد الدراسة في الجامعة كنت أتابع كل ما يتعلق بالأسرى وخصوصاً حسن، أقرأ أخباره وقرأت كتابه "الثأر المقدس"، كنت أنظر إلى صورته وهو يجلس بقاعة المحكمة وحوله السجانون وهو يبتسم، فيتبادر لذهني السؤال: أي قلب يحمل هذا الأسير وأي نفس لديه وأي عزيمة وإرادة تجعله يبتسم وهو يحكم عليه بالمؤبدات؟".

"أي قلب يحمل هذا الأسير... تجعله يبتسم وهو يحكم عليه بالمؤبدات؟".

حين وصلتها رسالة حسن رداً على رسالتها، لم تتمالك دموعها، وتقول: "كانت رسالة حسن معنونة بعزيزتي غفران.. ما إن قرأت رسالته حتى سالت دموعي، وبكيت، وتأثرت جداً، وأذكر حينها كنت في زيارة لإحدى المحاميات التي كانت تزورنا في السجن، وأخبرتني أن لك رسائل من الأهل ومن حسن سلامة، فمباشرة طلبت منها أن أبدأ برسالة حسن وما إن قرأتها وإذا بدموعي تسيل وأنا أشعر أن حلمي بالارتباط به سيتحقق، وغادرت غرفة الزيارة وعدت الى القسم ولا زلت أبكي".

مضى تسع سنوات على خطبتهما، وتقول غفران إنها لم تندم لحظة واحدة على اختيارها: "ولو عادت بس الأيام لن أختار إلا هذه الحياة ولن أختار إلا حسن".

وعلى رغم أنها لم تتمكن ولو لمرة واحدة من زيارة حسن، ويكتفيان بتبادل الرسائل عبر المحامين، جراء المنع الإسرائيلي، تقول: "استطعنا أنا وحسن كسر هذا البعد بيننا بالتواصل لو عبر ورقة وقلم، عشنا خلالها حياتنا وأحلامنا وأمنياتنا، فالبعد بيننا لم يزدنا إلا حباً، ولم يزدنا إلا أملاً أننا سنلتقي، ولقاؤنا ما هو إلا مسالة وقت".

تفكر غفران في لحظة اللقاء الأولى بينهما دون حواجز ولا أسلاك، لا سجان ولا محامين، لا يحول بينهما سوى الهواء، تفكر مراراً وتعجز عن التخيل وتقول: "كثيراً ما فكرت في لحظة اللقاء الأولى كيف ستكون، وأنسج في مخيلتي كثيراً من الأحلام، ولكن صدقاً لم أستطع تخيل كيف ستكون اللحظة الأولى التي أرى فيها حسن، وأنا التي لم أره ولو للحظة واحدة ولم التق به، أفكر وأفكر وبعدها أتوقف وأقول لنفسي لندع اللحظة هي تخبرنا كيف ستكون وكيف سيكون جمالها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard