عن حقي في التفكير والشك بالأديان

السبت 4 يناير 202002:49 م

الدين هو علاقة روحانية بين الإنسان وربّه، قد يكون هذا الرب هو إله التوراة أو الإنجيل أو القرآن، وقد يكون كريشنا وبوذا. قد يؤمن بعض الأشخاص أن الطبيعة هي الإله الحقيقي، كما قد يقدّس بعضهم وحش السباغيتي الطائر، باعتباره الإله الحق.

عندما كنت في سن المراهقة، بدأت أبحث وأقرأ عن الأديان المنتشرة في العالم، إلا انني لم ابتعد عن الدين الذي ورثته عن أهلي، لأنني كنت محاطة بمجتمع مؤمن يمارس طقوسه بانتظام، ولأن الخروج عن الملّة لم يكن مُرحباً به في شرقنا العريق.

لكن ما أن غادرت لبنان واستقرّيت في الولايات المتحدة حتى تغير كل شيء.

تعرّفت هنا على أناس يستخدمون السخرية في التعبير عن آرائهم، شاهدت أفلاماً ومسلسلات تسخر من الأديان وتُجسّد المسيح على أنه مثلي الجنس أو تشكك في عذرية مريم بطريقة ساخرة وذكية.

إن المسألة هي بالنهاية حرية المعتقد، وهي حرية شخصية تماماً، وهذا ما نحتاجه.

ولكنني لم أتعمّق في موضوع الساركازم في الأديان، إلى أن تعرّفت على الحركة الاجتماعية "الباستافارية" التي أسسها بوبي هندرسون عام  2005، احتجاجاً على قرار هيئة التعليم في ولاية كانساس الامريكية باعتماد "التصميم الذكي"، أي فكرة وجود خالق أو مصمم لهذا الكون، كبديل علمي لنظرية التطور في المدارس الحكومية.

أما اسم الديانة/ الحركة الاجتماعية فقد اختار بوبي كلمة "باستافارية"، وهو اسم مشتق من كلمتين، "باستا" وتعني المعكرونة و"الراستافارية" وهي ديانة نشأت في جامايكا.

قام مؤسس الباستافارية بإرسال بيان إلى مجلس التعليم في ولاية كانساس، حيث قدّم نظرية بديلة للتصميم الذكي، يقول فيها إن الكون وكل مخلوقاته خُلقت من قبل وحش السباغيتي الطائر.

وطالب هندرسون بتدريس الديانة الباستافاريانية الى جانب التصميم الذكي والتطور في المدارس، وإلا سيقوم باتخاذ إجراءات قانونية.

لم يكتف بوبي برفع مطالبه إلى هيئة التعليم، بل فنّد أركان هذه الديانة التي أسسها وشرح بالتفاصيل عن إله السباغيتي الذي خلق الكون بأربعة أيام، كان فيهم ثملاً، ما يفسر الفوضى العارمة وعدم دقة التصميم، فالكون ليس كاملاً ولا يعكس كمال الإله، بل يعكس جنونه وفوضويته في خلق الكون والبشر.

كما شدد على أن رؤية هذا "الوحش الإله" مستحيلة ولا يمكن إثباتها علمياً، مثله مثل إله الديانات الإبراهيمية الذي لم يره أحد، ولم يتمكن أحد، حتى هذه اللحظة، من إثبات وجوده بطريقة علمية، على خلاف الديناصورات مثلاً، إذ يوجد أحافير ودلائل تم اكتشافها وإثبات وجودها من قبل علماء وباحثين.

وأضاف أن وحش السباغيتي الطائر قام بزرع أدلة حول نظرية التطوّر لاختبار إيمان أتباعه، وإذا عثر أحد العلماء على أحفورة عمرها ملايين السنين، فالسبب يعود إلى أن وحش السباغيتي الطائر الذي قام بالتلاعب بالنتائج لاختبار المؤمنين.

يستخدم أتباع هذه الديانة كلمة "رآمين" وهي مشتقة من كلمة آمين التي تُستخدم في الأديان الإبراهيمية وكلمة "رامن" وهي أكلة معكرونة يابانية مشهورة.

عندما كنت في سن المراهقة، بدأت أبحث وأقرأ عن الأديان المنتشرة في العالم، إلا انني لم ابتعد عن الدين الذي ورثته عن أهلي، لأنني كنت محاطة بمجتمع مؤمن يمارس طقوسه بانتظام، ولأن الخروج عن الملّة لم يكن مُرحباً به في شرقنا العريق
من المهم أن نتوصل إلى اتساع فكري، خاصة فيما يتعلق بتقبّل السخرية من الأديان أو الشك فيها، مع الإدراك أن هذا التقبّل أو الشك لا يمس انحياز المؤمن إلى إيمانه بدين ما، أي أنها حرية شخصية لكلا الطرفين

استطاع بوبي أن يجعل هذه الديانة معترفاً بها في العديد من البلدان كالنمسا ونيوزيلندا، حيث تسمح القوانين بارتداء "مصفاية الباستا" على الرأس كلباس ديني.

تمكن بوبي بكل ذكاء أن يوصل رسالته إلى العالم، ومفادها أن بإمكان أي شخص أن يؤسس لديانة وأن يخلق إلهاً على مقاسه، كما بإمكانه أن يشدّ أتباعاً ويُقنع الناس باتباعه رسولاً لهذه الديانة.

أما الهدف الأهم لهذه الخطوة التي قام بها بوبي، فهي حثّ الناس على البحث والتفكير بدل التسليم والإيمان بشكل أعمى بأديان آبائهم وأجدادهم.

استطاع هذا الشاب في القرن الواحد والعشرين أن يسخر من أتباع الديانات السماوية التي يعود تأسيسها إلى آلاف السنين، عبر إثبات نظريته ومفادها أن لا دلائل علمية على وجود أي إله أو خالق مهما كان شكله.

لربما نحن بحاجة في الشرق الأوسط إلى بوبي آخر، يُقنع أتباع الأديان الموروثة أباً عن جد، أن ما يؤمنون به ليس الحقيقة المطلقة، وأن دينهم ليس دين الحق وباقي الأديان مزيفة.

من المهم أيضاً أن نتوصل إلى اتساع فكري، خاصة فيما يتعلق بتقبّل السخرية من الأديان أو الشك فيها، مع الإدراك أن هذا التقبّل أو الشك لا يمس انحياز المؤمن إلى إيمانه بدين ما، أي أنها حرية شخصية لكلا الطرفين.

بما معناه، قد تكون جارتي مسيحية مؤمنة، تمارس طقوسها بانتظام، إلا أنها تحترم حرية الرأي والتعبير وحق الآخر باستخدام السخرية، ولو على حساب دينها ومعتقدها.

يولد كل إنسان على دين أجداده إلى أن يبدأ بالبحث والتدقيق، فقد يكتشف أن دينه يشبه الأديان الأخرى من حيث الشكل أو المضمون أو من حيث الإيمان الأعمى الموجود لدى أتباعها، أو قد يرفض قراءة الأدلة ويستمر بعبادة إله أجداده، ويورث بدوره هذا الإيمان إلى أولاده، لتستمر سلالة المؤمنين إلى ما لا نهاية، وهذا حقه... لكن بالمقابل، عليه أن يعي أن الأمور قد تغيرت والعالم أصبح قرية صغيرة، لم يعد باستطاعته الجلوس في قوقعة وسد أذنيه عما يدور حوله.

لم يعد يقدر أن يمنع أولاده وبناته من البحث والقراءة والسخرية من معتقداتهم الموروثة. وكما ذكرت، أن المسألة هي بالنهاية حرية المعتقد، وهي حرية شخصية تماماً، وهذا ما نحتاجه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard