أحتفظ بعباءتي السوداء كرداء يعكس هويّتي اليمنية وليس دليل عفة وشرف

الجمعة 3 يناير 202002:29 م
Read in English:

Why I Still Wear My Black Abaya

بمجرد رؤيتي لبنان من نافذة الطائرة، ببيوته البيضاء ذات الأسطح القرميدية، تأكدت من إمكانية نزع العباءة السوداء وارتداء الجاكيت الأحمر. لطالما أحببت الألوان، أحب الأسود والألوان الأخرى، شعرت للحظة بانتصار ما لأنوثتي مع أنها مجرد ألوان لا غير.

في بلدي، يُعدّ الأحمر لوناً مستفزاً. هذه اللحظة البسيطة كانت بمثابة المعركة الأخيرة في الحرب التي ظلت لسنوات تستعر في مخيلتي.

بين الشعور بالإرباك، وكأنني أقدمت على خيانة عظمى، وشعوري بالنصر ضد هذا القيد النفسي قبل كل شيء، طمأنتني لا مبالاة الناس بي! مشيت بحرية في شوارع لبنان، فلا نظرات تلاحقني ولا اختلاف يستدعي انتباه أحد لي.

اليوم، أستلذ بالنظر إلى احتضان خزانتي لألواني المفضلة، الأسود موجود بالتأكيد، لكنه هذه المرة بصيغة مختلفة: برغبة خالصة.

العباءة لم تكن مشكلتي يوماً، بل على العكس أرى في بعضها أناقة وجمال، لكن أن تتحول العباءة من حقيقة كونها رداء يمثل ثقافة مجتمع وعاداته إلى رداء اختاره الله لنا، فهذا ما كان يُلهب الصراع داخلي. وكغيري، اعتقدت طويلاً أنه من المستحيل نزع هذا الساتر المقدس المرتبط بالدين والأخلاق والحق، وكأني في نزعه أنزع العفة والحشمة والشرف... ناهيكم عن إغضاب الله!

كأنثى خُلقتْ في مجتمع يصف نفسه بالمحافظ، كانت الفساتين وخصوصاً الملونة منها تشبه حكم الإعدام، قيد على التحرك واللعب بحرية، عادة ما ترتبط بعبارة "ما أحلاك صرت عروس"، ولم تكن مجرد عبارة. أحلامي كانت بسيطة جداً وملونة، في مكان يمنع فيه تخطي ما رُسم وما يُسمح لنا به، حتى ولو كانت مجرد ألوان.

كنت أرتدي البنطلون العسكري، هكذا كنت أسميه، تنازل ابن خالتي لي عنه فداومت على ارتدائه ليسمح لي والدي باللعب مع الصبية في الحي، استطعت غش والدي فلم ينتبه بأني صرت عروساً، هكذا اعتقدت.

تقدم لخطبتي أول عريس وأنا في الثانية عشرة، كان رائداً بالجيش، أُعدُ محظوظة فمعظم صديقاتي خُطبن وتزوجن بسنٍ أصغر، بعدها أدرك والدي أن عليه منعي من اللعب بالشارع، واقترحت والدتي ارتدائي العباءة.

لم يتعمد أبي زرع الفكرة التي شكلت ذوقي لسنوات، وهي أن جسدي فتنة، كان حرصهم على إخفائه بالعباءة ناتجاً عن خوفهما الطبيعي، لهذا ربما كان تفضيلي للعباءات الفضفاضة التي تخبئ ملامح جسدي، فلا أشعر بالذنب جراء إغواء الرجال!

في لبنان كانت تجربتي جديدة، التحرر من تقمّص الاسترجال! خصوصاً مع رغبتي في العمل خارج المنزل وفي مجالات مختلطة... كان يجب أن أكون قوية كرجل، وكأن الأنوثة ضعف!

وكغيري، اعتقدت طويلاً أنه من المستحيل نزع هذا الساتر المقدس المرتبط بالدين والأخلاق والحق، وكأني في نزعه أنزع العفة والحشمة والشرف... ناهيكم عن إغضاب الله!
لأني أعدّ نفسي من مؤيدي مبدأ "احترام ثقافة المكان" وأن الملابس ثقافة وليست مجرد قماش، أجدني راضية بارتدائي العباءة في اليمن، بل أشعر بانسجام مع ثقافة تلك الجغرافية، وكما أراعي اختيار ملابسي بحسب المناسبات المختلفة، بت أعد وجودي في اليمن إحدى تلك المناسبات

حاولت عملياً التصالح مع جسدي وأشياء الأنوثة كلها... أحببتني، وأدركت أن جسد المرأة بكل مفاتنه ليس مبرراً للخطيئة، وأن فتنة الرجل ليست ذنب المرأة، بل إنها ليست ذنب حتى: من لا يحب الجمال؟ من لا يحب الألوان؟ من لا يحبّ جسد الأنثى؟ الذنب ليس في الفتنة، بل في الفكر الذي جعل من الجمال والألوان وجسد الأنثى أدوات للاستغلال والجريمة والخوف.

كأي فتاة غير مثقلة بالخوف المزروع من ذاتها ومحيطها معاً، أستلذ بالنظر إلى احتضان خزانتي لألواني المفضلة، الأسود موجود بالتأكيد، لكنه هذه المرة بصيغة مختلفة: برغبة خالصة.

كناضجة أحاول ألا أكره اللون الأسود، وأن أتفهم طغيانه في مجتمعي، أحتفظ اليوم وأنا في لبنان بعباءتي السوداء كرداء يعكس هويتي كامرأة يمنية، وليس كدليل عفة وشرف، ولأني أعدّ نفسي من مؤيدي مبدأ "احترام ثقافة المكان" وأن الملابس ثقافة وليست مجرد قماش، أجدني راضية بارتدائي العباءة في اليمن، بل أشعر بانسجام مع ثقافة تلك الجغرافية، وكما أراعي اختيار ملابسي بحسب المناسبات المختلفة، بت أعد وجودي في اليمن إحدى تلك المناسبات.

هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام، فمازالت المضايقات تطال الفتيات والنساء المتمردات على العباءة، وتتطور الإساءة حد الأذى والعنف ضد المتمردات على الحجاب، لازال هناك الكثير ليحب مجتمعي نفسه محبة غير مشروطة بلون ونوع القماش الذي يغطيه.

اليوم استكشف ما غاب عني لسنوات في بلدي، أرى اليمن بألوان إضافية، بلا قيود، في نظر البعض هي مجرد ألوان بسيطة، لكنها كل الفرق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard