قضية فتاة المنصورة… عن سخافة تبرير التحرش بالكبت الجنسي تجنباً للزنا

الجمعة 3 يناير 202001:25 م

مقطع فيديو مدته أقل من دقيقتين، لابد وأنها مرّت كالدهر على تلك الفتاة التي وقعت فريسة لبعض المارة الذين قرروا "الاحتفال" بالعام الجديد معها رغماً عنها، وبالطريقة التي تُحبذها تلك النوعية من الناس في الأعياد والمناسبات، ألا وهي التحرش الجنسي.

المقطع لفتاة أرادت زيارة مدينة المنصورة في مصر لقضاء ليلة رأس سنة مميزة، فتحوّلت ليلتها إلى كارثة، عندما تجمع حولها مئات الشباب الذين تناوبوا على ملامسة كامل جسدها، قبل أن يقوم آخرون بتهريبها في سيارة عابرة.

مقارنة التحرش الجنسي بالعلاقة الجنسية دون زواج سخافة لا معنى لها، والخطأ الأهم فيها هو تفخيم فعل الجنس والتقليل من مقياس الحرية.

كالعادة في مثل تلك الحوادث، هناك عدد من المصريين الذين رفضوا اعتبار ما حدث جريمة لا مُبرر لها ولا سبب إلا العنف والبلطجة وغياب الأمن، وواصلوا البحث عن أسباب أخرى حتى لا تخرج الفتاة ضحية بالكامل، فتوصلوا إلى المتهم التقليدي: ملابسها، معللين أن ما حدث ليلة رأس السنة، بادعاءات قد تكررت كثيراً من قبل، كما وللأسف سوف تتكرر مجدداً، ومفترضين أن التحرش الجنسي ناتج عن كبت جنسي يعاني منه البعض فيما يتعلّق بالعلاقات الجنسية.

بداية، إن اختصار أسباب هذا النوع من الإرهاب، أي التحرش، بالكبت الجنسي هي رؤية سطحية للغاية لا تُعبر عن الواقع في شيء، وإلا لما شاهدنا زوجاً يتحرش بفتاة في المواصلات العامة، ومدرّساً متزوجاً أيضاً يتحرش بقاصر، وكذلك لا يُمكن وضع ملابس الأنثى قيد الاتهام لسببين، أولهما أن أي إنسان لديه الحرية الكاملة فيما يرتديه تماماً كحريته في مأكله، والسبب الثاني أن اغتصاب رضيعة لا ترتدي سوى حفاضة أطفال "بامبرز" أمر تكرر في مصر في الآونة الأخيرة، وبالطبع لا يُمكن القول بأن الرضيعة كانت ترتدي بامبرز ساخن مُثير للغرائز.

ولكن على اعتبار أن الكبت الجنسي هو نقطة رئيسية يلتقي عندها المتحرش المُجرم بمن يبررون التحرش الجنسي ليتصافحا سوية، فربما يجب عليهم أن يجدوا حلاً آخر غير التحرش للقضاء على هذا الشبح الذي يُطارد الفتيات، رضيعات كن أو بالغات، وأعني هنا أن البعض سوف يرفض القيام أو السماح لغيره بالعلاقات الجنسية التي تحدث بالتراضي، حتى ولو كان هذا الأمر هو أحد حلول تفريغ الكبت الجنسي، ولن نستطع إيجاد تعليق يُبرر مثلاً فِعلة شاب وفتاة تم ضبطهما في وضع مخل بالآداب -طبقاً للقانون المصري-، عكس المتحرش الذي يجد من يربت على كتفه تبريراً ومساندةً وتشجيعاً له ولغيره على اختيار التحرش بدلاً من الزنا.

وهنا سوف يأت بلا شك السؤال المُعتاد: "هل ترضاها لأختك؟"، وعادة أُجيب على هذا السؤال بأن أختي تمتلك حريتها الكاملة مثلي تماماً، ورضاي عن تصرفاتها لا يتعدى حيز المحبة، ولن يصل أبداً إلى المنع بالقوة، ولكن دعني أسألك وأنت تعيش في بلد يحتل المرتبة الأولى في قائمة البلاد الأكثر خطراً على النساء، وقد تعدت فيه نسبة النساء اللاتي اعترفن بتعرضهن للتحرش الجنسي بمختلف أنواعه نسبة الـ 97%، في مثل هذه الحالة، أترضاها أنت لأختك؟

على اعتبار أنني وافقت على حُجة الكبت الجنسي خاصتك، فهل ترضى بأن تمنع جارك من الاختلاء بحبيبته في شقته كما يحدث مراراً من سكان المنطقة، والذي سوف يجعله أحد هؤلاء المكبوتين جنسياً، وحينها ربما لن يجد إلا أختك في طريقه يوماً فيتحرش بها... أترضاها لأختك؟

بكل صراحة، مقارنة التحرش الجنسي بالعلاقة الجنسية دون زواج سخافة لا معنى لها، والخطأ الأهم فيها هو تفخيم فعل الجنس والتقليل من مقياس الحرية، أي أنه بدلاً من الحكم على التصرف الجنسي حسب حرية الطرفين، قرر البعض الحكم عليه حسب الحلال والحرام، وهكذا فضّل الرجال التحرش على الزنا، على اعتبار أن الأخير هو من الكبائر، كما أنهم يجدون بعض المُبررات السابق ذكرها والتي تقلل من جُرمهم، مثل ملابس الفتاة التي نهى عنها الدين.

 إن اختصار أسباب هذا النوع من الإرهاب، أي التحرش، بالكبت الجنسي هي رؤية سطحية للغاية لا تُعبر عن الواقع في شيء، وإلا لما شاهدنا زوجاً يتحرش بفتاة في المواصلات العامة، ومدرّساً متزوجاً أيضاً يتحرش بقاصر

لا أؤمن بأن الكبت الجنسي هو سبب التحرش، وأن العنف هو السبب لكل الشرور في مجتمعاتنا، العنف الذي يُنتج لنا البلطجة والتحرش وغيرها من الجرائم التي نقف عندها  متسائلين: "لماذا من الصعب أن يعيش إنسان دون أن يتدخل في حياته شخص آخر أو يتدخل هو في حياة غيره، وكذلك، متى ستُصبح شوارعنا آمنة؟"

لطالما استدعى البعض حُجة الكبت الجنسي إلى محاكمة جرائم التحرش، فلزام علينا مناقشة الأمرين معاً: التحرش والحريات الجنسية، إذ إن تسليم الكثيرين بأن التحرش هو رد فعل طبيعي للكبت، فعلى الأقل، من المنطق والعقل أن نستبدله بالعلاقات الجنسية المتاحة والقائمة على التراضي، وأقول بلغة الدين لا بلغتي، إن بتلك الطريقة وبهذا الاستبدال قد بقي الذنب ولكن بلا ضحية.

أما عن دور الحكومة المصرية بعيداً عن دور المساجد والكنائس، فأنا أعلم بأن مواجهة التحرش قد اتخذت منحنى إيجابياً في الفترة الماضية، بداية من الاهتمام ببلاغات التحرش والبحث عن المُجرمين وصدور أحكام ضدهم، عكس ما كان يجرى قديماً من حفظ تلك النوعية من القضايا دون أحكام ودون متهمين، ولكن حملات الترهيب والتوعية لا بد وأن تأخذ حيزاً أكبر بكثير من مساحتها الحالية، والاهتمام بصغائر الأمور التي تؤدي إلى تبرير جريمة التحرش أصبح واجباً لا رفاهية، أعني بذلك التصدي لتلك المنشورات المُحرضة على التحرش بالفتيات المتبرّجات، وفق أصحاب المنشورات، وكذلك اعتبار التدخل في خصوصيات الناس جريمة يعاقب عليها القانون، أي أن مبادرة سكان منطقة ما لطرد فتاة تجلس في شقة حبيبها/ صديقها دون زواج، يجب أن يتم مقابلة هذه المبادرة بأحكام شبيهة بالأحكام التي تصدر ضد البلطجية وقطاع الطرق، خاصة وأن القانون المصري لا يمنع الذكر والأنثى من الاختلاء في شقة واحدة، أي أن الناس هي التي ترفض احترام القانون.

وأخيراً، لا أؤمن بأن الكبت الجنسي هو سبب التحرش إطلاقاً، وأن العنف هو السبب لكل الشرور في مجتمعاتنا، العنف الذي يُنتج لنا البلطجة والتحرش وغيرها من الجرائم التي يقف عندها المسالمون متسائلين: "لماذا من الصعب للغاية أن يعيش إنسان دون أن يتدخل في حياته شخص آخر أو يتدخل هو في حياة غيره، وكذلك، متى ستُصبح شوارعنا آمنة؟".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard