"مسرح الثورة"... حاضنة أحلام العراقيين في ساحة التحرير

الثلاثاء 31 ديسمبر 201906:18 م

في خيمة صغيرة، في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية بغداد، يتجمع فنانون من مختلف المحافظات والانتماءات للتحضير لأعمال مسرحية تحاكي واقع العراقيين وواقع ثورتهم وتعرض مطالبها.

بأساليب مختلفة، يحاول العراقيون التعبير عن رفضهم للطبقة السياسية ونظام الحكم في البلاد. وباستخدام الفن الذي يجيدونه، يعمل المسرحيون بطريقتهم على دعم حركة الاحتجاج الشعبية، من خلال عروض يحيونها في الساحة التي تحوّلت إلى منتدى ثقافي كبير.

مطبَّرة

آخر الأعمال التي عُرضت أمام الخمية التي تعلوها لافتة كُتب عليها "مسرح التحرير" كان مسرحية "مطبَّرة" التي جسدت يوميات المحتج العراقي. و"مطبَّرة" هو وصف يعني أنّ الشيء مثخن بجراح سببتها أداة حادة، تماماً كما يحدث مع مَن يلجأون إلى "التطبير"، إحدى الشعائر الشيعية في عاشوراء.

أتى إسماعيل العباسي (26 عاماً) من محافظة ديالى للمشاركة في هذا العمل، ويقول لرصيف22 إنه "نص وعمل احتجاجي ضد الأنظمة القمعية التي تحكم العراق منذ سنوات، وهو احتجاج سلمي آخر يجسد ويظهر ما يدور في ساحات التظاهر في بغداد والمحافظات"، مضيفاً: "لجأنا إلى مسرح التحرير لأنه أصبح الوسيلة الأمثل للتعبير".

إسماعيل العباسي خلال مشاركته في مسرحية "مطبَّرة"

"في العادة يذهب الناس إلى المسارح"، يروي العباسي، ويتابع: "لكن في ساحة التحرير الأمر مختلف، المسرحيون يذهبون إلى الناس".

أحمد جمال (24 عاماً) هو مشارك آخر في المسرحية. يقول لرصيف22 إن "الناس بحاجة إلى توعية من خلال المسرح ضد الظلم والديكتاتورية و’مطبَّرة’ تجسد الواقع الذي تشهده ساحات الاحتجاج".

أحمد جمال خلال مشاركته في مسرحية "مطبَّرة"

يشير جمال إلى أنه يشعر بالفخر، لأنه يقدم للناس عرضاً مسرحياً في خيمة بسيطة، لا في مسارح فارهة، ويعلّق: "تفاعل الجمهور والحضور شيء كبير بالنسبة إلينا".

فن ما بعد الثورة ليس كما قبلها

"أعمال خيمة قد تضاهي إنجازات حكومة". هكذا يصف الفنانون القائمون على "مسرح الثورة" النشاطات المستمرة الآخذة بالتصاعد فيه، وسط إقبال جماهيري منحهم دافعاً معنوياً كبيراً.

يقول الفنان والناشط مهند حيال (38 عاماً) لرصيف22 إنه "منذ أكثر من خمسين يوماً والعروض المسرحية مستمرة، وكذلك الندوات والحفلات الموسيقية، والغرض منها إدامة زخم الاحتجاج داخل ساحة التحرير في بغداد والدفع باتجاه سلميته".

يعتبر حيال أن "الطبقة السياسية أنتجت أمراضاً اجتماعية منها التخلف وانعدام الذوق، فظهرت خلال السنوات الماضية ثقافة منحطة"، ويضيف: "سنضع نقاطاً مهمة لطريقة الإنتاج الفني وشكل مسرح وسينما ما بعد الثورة بصورة مغايرة عما كان الحال قبلها. فالفن شكل من أشكال الاحتجاجات".

يطالب المتظاهرون، ومنهم الفنانون، اليوم بعراق خالٍ من التمييز والطائفية، عراقٍ تكون فيه الهوية الوطنية فوق كل اعتبار، ولا يسمح فيه للسياسيين بالمساومة على هذه الهوية التي يجمع عليها العراقيون بمشهد غير مسبوق.

أحمد حمود (55 عاماً) هو فنان من محافظة ديالى جاء إلى بغداد للمشاركة في فعاليات "مسرح الثورة". يقول لرصيف22 إن "النشاطات مستمرة لإسناد الموجودين في ساحة التحرير بالفكر المتجدد من أجل عراق موحد، وإبعاد الزمرة التي تحكم العراق منذ 16 عاماً والتي حرّمت كل شيء، حتى المسرح"، مضيفاً: "في ساحة التحرير انتصرنا على النخب الحاكمة".

صار "مسرح الثورة" مكاناً لاكتشاف المواهب، وخصوصاً من طلبة معاهد الفنون الجميلة. فهؤلاء يشاركون في أغلب الفعاليات، بجانب فنانين كبار يشجعون المواهب الصاعدة، وينسقون العروض المسرحية والفنية في ساحة التحرير.

الثقافة تصنع التغيير

في العراق الذي يفتقر إلى عروض الشارع أو ما يُعرف بمسرح الشارع، يحتك اليوم في ساحة التحرير فنانون شباب بالناس والمحتجين من دون حواجز، في مشهد جديد على الساحة الفنية العراقية.

الفنان والمسرحي علاء الكناني (50 عاماً) يقول إن "الرسالة التي نريد إيصالها أن الثقافة هي التي تصنع الثورة والمجتمعات وسياسات البلد في ما بعد، وهي أساس لكل شيء".

في خيمة صغيرة، في ساحة التحرير، وسط العاصمة العراقية بغداد، يتجمع فنانون من مختلف المحافظات والانتماءات للتحضير لأعمال مسرحية تحاكي واقع العراقيين وواقع ثورتهم وتعرض مطالبها
يعوّل البعض على أن إنتاج ثقافة بديلة في ساحة التحرير، في بغداد، تبرز فيها عناصر الإصلاح والاحتجاج والتغيير والأمل بأوضاع جديدة، سيكون له دور حاسم في التغيير السياسي والاجتماعي

ويضيف لرصيف22 أن "الدول تقاس بمدى تطورها الثقافي والاجتماعي، والعروض المسرحية والفنية في ساحة التحرير هي نتاج مجهود شخصي للشباب بدعم من الفنانين الكبار".

وعن أهمية المسرح في إحداث تغيير في الواقع، يؤكد الكناني أن "المسرح هو ثورة واحتجاج وأن جيل الشباب العراقي الجديد استثمر المسرح لعرض مطالبه بأسلوب جديد ولافت، ونجح في ذلك".

عبر مسرح الثورة، تُعرض إنجازات وبطولات المحتجين ومطالبهم. أصبح المكان وسيلة احتجاج لافتة على واقع المسرح ودور الأحزاب الحاكمة في تهميش الثقافة وشريحة المثقفين.

متظاهرون في ساحة التحرير يشاهدون عرض مسرحية "مطبرة"

يقول الفنان علي السوداني (42 عاماً) لرصيف22 إن "الأحزاب الحاكمة همشت الثقافة والفن بصورة عامة، لكن وعي جيل الشباب الجديد احتلّ حيزاً كبيراً، ونحن اليوم محتجون على واقع الثقافة المتردي بصورة عامة، والمسرح بصورة خاصة".

ويضيف أن "مسرح التحرير له صوت عالٍ جداً، وأن الفن موقف واحتجاج"، ويتابع: "جئنا إلى ساحة التحرير لمساندة الاحتجاجات، ونحن لا نتبع أي جهة سياسية أو أجندات إقليمية. بمجهود شخصي نوفّر الأجهزة عبر تبرعات جمعناها من بعض الفنانين والمشاركين".

يراهن المحتجون ومثلهم الفنانون المشاركون في الفعاليات الفنية في ساحة التحرير على أن الطبقة السياسية انتهت، وعلى أن إعلان وفاتها لن يتأخر طويلاً، بعد أن حاولت فرض مقبوليتها بالقوة، لا بمشروعها الثقافي.

ويعوّل البعض على أن إنتاج ثقافة بديلة في ساحة التحرير، تبرز فيها عناصر الإصلاح والاحتجاج والتغيير والأمل بأوضاع جديدة، سيكون له دور حاسم في التغيير السياسي والاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard