"يشوون الإسبان ويشربون النبيذ في جماجمهم"... مشاهدات أول رحالة عربي في بلاد "الهنود الحمر"

الجمعة 17 يوليو 202005:31 م

في عام 1668، انطلق إلياس يوحنا الموصلي من بغداد قاصداً زيارة الأماكن المسيحية في القدس، ثم اتجه لزيارة عدد من المدن الأوروبية في قبرص وإيطاليا وفرنسا، لينتهي به الأمر في إسبانيا حيث راح يحيي القدّاس للملك كارلوس الثاني في كنيسته.

وتقديراً لأعماله أمرت الملكة ماريا آنا مربية الملك بأن تسأل الموصلي هل يطلب شيئاً تنعم به عليه، فاستمهلها بعض الوقت، واتجه لأصدقائه لاستشارتهم فنصحوه بأن يطلب تصريحاً يُجيز له العبور إلى أمريكا أو بلاد "الهند الغربية" كما كانت تُسمى آنذاك.

الملكة ماريا آنا

وكان للموصلي ما أراد، بل إن الأمير ده أوبرو الذي استضافه في قصره في مدريد جهّزه بكل ما يحتاجه في السفر، وسلّم إليه رسائل توصية إلى بعض أصدقائه هناك، حسب ما ذكر نوري الجرّاح في مقدمته لكتاب "الذهب والعاصفة: رحلة إلياس الموصلي إلى أميركا - أول رحلة شرقية إلى العالم الجديد 1668- 1683".

ما حصل عليه الموصلي كان شيئاً استثنائياً، فلم يكن يُسمح لتاجر أو كاهن غريب أن يسافر إلى تلك البلاد لاعتبارات دينية واقتصادية، إذ كانت تجارة الذهب والفضة والتبشير بالكاثوليكية حكراً على الإسبان.

عائلة الموصلي... أدوار دينية وصلة بالفاتيكان

المعلومات المتوفرة عن الموصلي قليلة، وإن كان المستشرق الروسي أغناطيوس كراتشكوفسكي ذكر في كتابه "تاريخ الأدب الجغرافي العربي" أنه ابن القس يوحنا الموصلي وأن إخوته لعبوا أدواراً مهمة في الحياة الدينية والاجتماعية بين الموصل وحلب، وأنه ينتسب إلى بيت قدّم عدداً من البطاركة النساطرة وكان (البيت) على صلة وثيقة بالفاتيكان منذ عام 1553.

أغناطيوس كراتشكوفسكي

الصلات نفسها تمتع بها الموصلي على أعلى المستويات السياسية والدينية في العواصم الأوروبية الأربع روما وباريس ومدريد ولشبونة، فارتبط بصداقات وعلاقات دينية ودينوية مع أرفع الشخصيات في زمنه، واستقبله البابا إنوسنت الحادي عشر (1676 – 1689)، وسلّم إليه هدية جلبها له من أمريكا.

البابا إنوسنت الحادي عشر

وقبل بدء رحلته استقبله ملك فرنسا لويس الرابع عشر بحفاوة، وكذلك فعل أخوه أورليانوس، ثم ملكة أسبانيا التي كانت سبباً رئيسياً في رحلته إلى أمريكا، ليكون بذلك أول سائح عربي لتلك البلاد.

دوافع الرحلة... سياسية أم دينية أم اقتصادية؟

برغم أن الموصلي لم يعلن أسباباً صريحة لرحلته إلى أمريكا، طرح الجرّاح احتمالاً بأن يكون لشخصية الموصلي وما تمتع به من كفاءة وخبرة، فضلاً عن علاقات أسرته بالفاتيكان، دور في اختياره لمهمة تتطلب شخصية توافقية حادة الذكاء، ملتزمة معايير المؤسسات الكاثوليكية.

ما يرجح ذلك إشارته في رحلته إلى نزاعات بين شخصيات كبيرة كنسية وسياسية، ووقائع رواها كوسيط بين وزراء وبطاركة ومطارنة متصارعين على النفوذ في المستعمرات الإسبانية في الأمريكتين، فضلاً عن وجود تجمعات ضخمة من السكان الأصليين متمردين على السلطات الأسبانية.

"عندما وصلت مراكب السبنيولية (الإسبان) إلى تلك البلاد، كان الهنود الحمر يظنون أنها حيتان البحر، وقلاع المراكب ظنوها جناح الحيتان، لأنهم، إلى ذلك الحين، ما كانوا رأوا مركباً".

بيد أن ذلك لا ينفي احتمالات أخرى، منها أن يكون الموصلي قد قطع البحار إلى الأمريكتين ليجمع التبرعات لكنيسته الكاثوليكية الشرقية، في وقت كان يمكنه أن يحصل على هذا الدعم من خزينة الكنيسة في روما، أو من حصة الفاتيكان من كعكة الغنائم الاستعمارية التي تصل دورياً إلى خزينة البلاط الإسباني.

لكن الدكتور عادل نفاتي يرى في دراسته "قراءة في رحلة إلياس يوحنا الموصلي إلى قارة أمريكا"، أن تلك المهمة كانت مزدوجة الهدف، فيها الديني الذي يتعلق بتفقد أحوال المسيحيين في المجال الأمريكي، وهو أمر دأب رجال الكنيسة في القرن السابع عشر على تنفيذه في عدة مناطق خصوصاً تلك التي انخرطت حديثاً ضمن أتباع الكنيسة الكاثوليكية، وفيها السياسي والاقتصادي الذي تمثل في تفقد مناجم الذهب والفضة والزئبق بوصفها أهم مصادر خزينة الملك الأسباني.

وقد دوّن الموصلي رحلته في مخطوطته "سياحة الخوري إلياس الموصلي" التي عثر عليها الأب أنطوان رباط اليسوعي ضمن المخطوطات المحفوظة في مطرانية السريان في حلب، فأعاد نشرها عام 1905 في كتاب عنوانه "رحلة أول شرقي إلى أمركة".

في طريقه إلى أمريكا، مرّ الموصلي بجزر الكناري، وصولاً إلى كاراكاس، فجزيرة مرغريتا وكرتاخينا وبورتوبيلو في فنزويلا، ثم إلى بنما، مررواً بمئات المدن والقرى والجزر. وتجوّل في البيرو وغواتيمالا، وكولومبيا، وتشيلي، وبوليفيا، ووصل إلى مناطق الاستواء، كما زار مناجم الفضة والذهب والزئبق في المستعمرات الأسبانية.

وفي طريق عودته إلى أوروبا، بعد سياحة دامت ثماني سنوات، زار المكسيك التي يسميها في رحلته بلاد "ينكي دنيا"، وأمريكا الوسطى، وتوقف في جزيرة كوبا. ومن هناك انطلق في رحلة العودة إلى أوروبا وتحديداً ميناء قادش الإسباني، ثم سافر إلى إشبيلية بضعة أيام لاسترداد دين، ثم عاد إلى قادش، ومنها توجه رأساً إلى روما عام 1683 للقاء البابا إنوسنت الثاني عشر، حسب ما ذكر الجرّاح.

"يشوون الإسبان ويشربون النبيذ في جماجمهم"

خلال رحلته، دوّن الموصلي مشاهداته التي اتسم كثير منها بالغرائبية، ونال الهنود الحُمر نصيباً منها، خاصة ما ارتبط بتصوراتهم عن الأوروبيين حين وفدوا إلى ديارهم والتقوهم للمرة الأولى.

وذكر أن أحد المعمّرين قال له: "عندما وصلت مراكب السبنيولية (الإسبان) إلى تلك البلاد، كان الهنود الحمر يظنون أن المراكب هي حيتان البحر، وقلاع المراكب ظنوها جناح الحيتان، لأنهم، إلى ذلك الحين، ما كانوا رأوا مركباً. ولما كانوا ينظرون إلى الخيل وراكبها كانوا يظنون أن الفرس وراكبها شقفة (قطعة) واحدة".

وبحسب ما روى الموصلي: "قبل قدوم الإسبان كانت آلة سلاح وعدة الهنود في الحروب عبارة عن القوس والسهام ورماح ومقاليع لقذف الحجارة، ولم يكن لهم مواشٍ مثل الفرس والبغال والحمير، ولا ثيران ولا بقر ولا غنم ولا دجاج. لم يكن لديهم سوى جنس حيوان شبه الجمل بقدر الحمار، وحدبته في صدره، يحملون عليه ويأكلون لحمه، ولكنه لا يسافر بعيداً، وكل يوم يسير أربعة فراسخ لا غير، وعندما يتعب ينام".

ما حصل عليه إلياس الموصلي كان شيئاً استثنائياً، فلم يكن يُسمح لتاجر أو كاهن غريب أن يسافر إلى تلك البلاد، إذ كانت تجارة الذهب والفضة والتبشير حكراً على الإسبان... كيف رأى أول رحالة عربي بلاد "الهنود الحمر"؟

وامتدت مواطن الغرابة إلى طبيعة أجساد السكان القدامى، فكانت غاية في الضخامة وشبيهة بما ورد في نصوص الديانات السماوية حول بداية الخلق وضخامة الإنسان الأول. ففي طريقه إلى البيرو، مر الموصلي بميناء سانت إيلينا حيث شاهد في إحدى المغاور عظاماً ثقيلة وجماجم كبيرة جداً، حتى أنه اقتلع ضرساً تزن مئة مثقال (المثقال يعادل 4.25 غراماً تقريباً)، كما قاس عظم ساق طولها خمسة أشبار.

وفي ليما (عاصمة البيرو)، ذكر الموصلي أنه عندما كان يموت أحد هؤلاء الهنود، كانوا يصنعون له قبراً على علو ذراعين من الأرض وطول ثلاث أذرع.

وبناء على رواية الموصلي، كان لدى هؤلاء الهنود نوع من الحشيش يسمى "كوكا"، إذا علكوه يُسكرهم ويعطيهم شجاعة وقوة كشراب الخمر. 

وبالقرب من بوينس آيريس في الأرجنتين، أرض تسمى "جبله وجلويه وولد بويه"، أهلها في حالة حرب دائمة مع القوات الإسبانية، وإذا مسكوا أحداً منهم يشوونه ويأكلون لحمه، أما الرأس فيستخرجون جمجمته ويصنعون منها طاسة ويشربون بها نبيذاً.

أيقونة تقضي على الطاعون

أثناء زيارته لليما، ذكر الموصلي أن أحداً من سكانها لم يكن يعرف الإله الحقيقي، وكان البعض يعبد الشمس والقمر والنجوم، ولم تكن لهم أحرف ولا كانوا يعرفون القراءة والكتابة، وعندما كانوا يريدون أن يقدموا عرض حال إلى ملكهم كانوا يرسمون صوراً في منديل على حسب شكواهم.

أثناء اتجاهه إلى بلاد "ينكي دنيا" (المكسيك)، مرّ بجزيرة "لوس لدرونس" التي سُميت سابقاً بجزيرة سليمان بسبب ما قيل عن أن النبي سليمان لما بنى البيت في القدس أحضر الذهب منها.

وروى حكاية شهدتها ضاحية جكيكوا بالقرب من مدينة كيتو في الإكوادور، إذ بينما كان أحد الهنود يفلح الأرض، وجد أيقونة عجيبة لمريم العذراء مطمورة، فأخذها إلى بيته وأخفاها في صندوق، ولما جاء في اليوم الثاني إلى الحقل وجدها هناك فأعادها مرة ثانية إلى بيته، وفي ثالث يوم وجدها في الحقل من جديد.

فعل الرجل ذلك عدة مرات وما أمكنه أن يضبطها في بيته، فأعلم بذلك أسقف البلد فخرج وأخذها في احتفال ديني إلى مكان قريب، وبنى لها كنيسة "مريم العذراء جكيكوا" على اسم تلك الضيعة، وصار الناس يقصدونها من كل النواحي.

وفي أثناء اتجاهه إلى بلاد "ينكي دنيا" (المكسيك)، مرّ بجزيرة "لوس لدرونس" التي سُميت سابقاً بجزيرة سليمان بسبب ما قيل عن أن النبي سليمان لما بنى البيت في القدس كان يحضر الذهب من هذه الجزيرة.

حشيش يقتل الأوروبيين

تطرقت مشاهدات الموصلي الغرائبية إلى أصناف النبات، فشاهد أثناء عبوره نحو البيرو "أغصاناً ساوية معدّلة من غير ورق، وفي كل غصن ثلاث جوزات مثل القطن، فإذا انفتح جانب الجوزة رأيت داخلها حمامة بيضاء بجناحيها ورجليها، ومنقارها أحمر وعينيها سوداوان، سموها زهرة الروح القدس. وكثير من حكام الإسبان أرادوا أن يحضروا منها ويزرعوها في إسبانيا فما قدروا".

"في طريقه إلى البيرو، مر الموصلي بميناء سانت إيلينا حيث شاهد في إحدى المغاور عظاماً ثقيلة وجماجم كبيرة جداً، حتى أنه اقتلع ضرساً تزن مئة مثقال"... إلياس الموصلي كان أول عربي يزور تلك البلاد التي كانت حكراً على الإسبان، فماذا نقل من هناك؟

وذكر الموصلي أن "في هافانا في كوبا نوعاً من الحشيش يشبه الخيزران الرفيع، كلما مر عليه رجل أبيض ارتفع من الأرض مثل عود السهام ليوخزه، ولا يُشفى المصاب من هذه الوخزة ويظل يعاني حتى الموت، لكنه في الوقت نفسه لا يوخز الهنود العبيد ولا يضرهم".

"قيمان" يبتلع الإنسان وخفاش يمص الدماء

امتدت العجائبية إلى عالم الحيوانات، فكانت ضخمة وغريبة كتلك التي شاهدها الرحّالة العربي على جزيرة "ترتوكا" (في هاييتي) غير المسكونة، لأن فيها سلاحف كبيرة تعادل الذراعين طولاً وعرضاً، والمراكب تتصيد منها وتملّحها وتعدها للمائدة.

وفي ميناء واياكيل (الإكوادور)، استرعى انتباه الموصلي حيوان شديد الخطورة يُسمى "قيمان" كالتمساح، فمه واسع طويل مقدار خمسة أشبار وطول جسده خمس أذرع، يخرج من الماء ويطوف قرب النهر، فإذا وجد إنساناً أو حيواناً يبتلعه، لكنه لا يأكل الإنسان الميت، ويركض على يديه ورجليه مثل السباع.

وعندما حلّ في بلدة بورتو بلوا بالقرب من بنما تحدث الرحّالة عن خفاش الليل الذي يجيء إلى الإنسان وهو نائم ويبدأ بفصده ومص دمه، ثم يهوي بجناحه على ذلك الإنسان ليطيب له النوم، ولا يزال يفصد ويتقيأ الدم إلى أن يفيق الإنسان شبه مغشىً عليه من كثرة الدم الذي خرج منه.

الذهب والفضة واللؤلؤ مبعثرة على الأرض

الملاحظ أن الموصلي كثّف من تنقلاته في المستعمرات الإسبانية الشاسعة لأجل تفقد أكبر عدد ممكن من مناجم الذهب والفضة والزئبق الذي يستخدم في صناعة الفضة، فلم يضيّع فرصة للحديث عن مدخرات كل منجم وطريقة استخراج المعادن وقيمة المواد المستخرجة منه، وكان يلح في بلوغ تلك المناطق وطلبها برغم المخاطر التي كانت تحف بالطرق المؤدية إليه.

وانتهز الكاتب مروره بمنجم ذهب بالقرب من مدينة خاوخا في البيرو ليذكر تفاصيل استخراجه من الحجارة، فروى قائلاً: "أولاً يُطلعون الحجارة من المعدن، ويسحقونها بطاحون الماء، وحينئذ يغسلون ذلك التراب المسحوق ويقطعون منه الذهب بتوصيله في الماء، ثم يذوّبونه ويسكبونه أقراصاً. وأنا اشتريت من ذلك الذهب أربعمئة مثقال".

ولاحظ الموصلي وفرة معادن الذهب والفضة التي كانت مطلوبة بشدة في أوروبا، فـ"أينما ولى الفرد وجهه وجد الذهب"، ورُوي له عن وجود الذهب بسخاء على سطح الأرض دونما حاجة إلى بذل الجهد لاستخراجه من باطن المنجم، مثلما هو الحال في جزيرة لوس لدرونس التي استراح فيها الموصلي قبل بلوغه المكسيك في كانون الأول/ ديسمبر عام 1681.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard