ليست نظرية مؤامرة... ولكن حماقات واشنطن في العراق تخدم طهران

الاثنين 30 ديسمبر 201906:29 م

أمريكا تقصف الحشد الشعبي، وتحديداً ما يُعرف بالحشد "الولائي"، أي الجزء الموالي لإيران. بفعلها، هي تعطيه مبررات لسلوكياته. هذا باختصار ما يجري الآن على الأرض العراقية.

لست من أنصار القول إن واشنطن متواطئة مع طهران. هذه من نظريات المؤامرة التي تسببت بسوء فهم شعوب بلدان ما يُعرف بالعالم العربي لما يجري حولهم. لكنّي من القائلين إنها تمارس حماقات متواصلة في بلاد ما بين النهرين.

في العراق لا في إيران

عندما أسقطت إيران طائرة أمريكية في مضيق هرمز، لم تردّ واشنطن على الهجوم. كان مبرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الرد سيكون له تداعيات مدنية.

لكنه يرد في العراق. وزير الخارجية مايك بومبيو يقول إن الرد أتى منسجماً مع تحذيرات ترامب لشهور وشهور. هو يرد على الأرض العراقية. أمر متوقع. فالعراق ساحة خلفية لواشنطن وطهران كي يصفّيا حساباتهما، بعد سنوات جدلية من الصراع والتنسيق في آن واحد.

لماذا لم يرد على إيران مباشرة حين أسقطت الطائرة، بينما يرد عليها حين تعرّضت قاعدة K1 في كركوك لقصف، علماً أن القسم الإيراني من الحشد لم يعلن تبني العملية.

قاعدة K1 في كركوك

لا أشك في أن خلف العملية فصيلاً إيرانياً موجوداً في العراق، وأي نفي من قبل أنصار طهران هو عبارة عن لعب على الإبهام لمواصلة الحرب الخفية. لكني لا أشك أيضاً أن الأمريكيين حين ردوا لم يتصرفوا إلا بموجب منطق الانتقام غير محسوب النتائج. هم يدركون أن إيران عاجزة عن الرد عسكرياً، لكنها تستطيع فعل ذلك سياسياً في بغداد.

هو نفس المنطق الذي جعل الأمريكيين ينسحبون من أراضٍ سورية تاركين أنظمة تركيا وسوريا وروسيا تمارس اللعبة في ما بينها وتتقاسم الأراضي، خاذلين الأكراد. هو منطق ارتجالي غير مدروس يشبه شخصية ترامب.

الانتفاضة العراقية تحقق بعض أهدافها الآن. حتى الرئيس الذي جاء بموجب المحاصصة والمسكون بفئويته الكردية الحاسمة، لم يستطع سوى أن يستجب لصوت الشارع. كل سياسي واعٍ كان مدركاً أن العراق في طريقه للتغيير، لكن أمريكا حين تنتقم من الحشد الولائي فهي تعطيه فرصة منع التغيير. وأكرر الكلام هنا: لا تفعل ذلك كي تعطيه تلك الفرصة، بل تفعلها لأنها لا تتصرف إلا بموجب منطق القوّة المتسرع.

منطق الكاوبوي

منطق الكاوبوي يسيطر على إدارة البيت الأبيض. هو منطق منفعل وكثيراً ما يستدرج ردود فعل غير محسوبة. بالتأكيد ليس لواشنطن ما تخسره. في النهاية كل ما يُستخرج من حقول النفط يأتيها بعض خراجه.

الانتفاضة العراقية مُحرَجة الآن. هي أساساً متهمة بأنها محاولة أمريكية، رغم أن شعباً قاسى الأمرّين من ساسة الارتزاق، يستحق انتفاضة، كما استحقها ضد نظام البطش والاستهتار أيام صدام حسين. وفي الحالتين، آنذاك والآن، لم تتصرف واشنطن بموجب ما يستحقه العراقيون، بل بموجب ما تريده هي.

لو لم تسمح الولايات المتحدة بقمع العراقيين المنتفضين عام 1991 ضد صدام، لما اضطرت إلى إرسال جنودها إلى العراق ليُقتل الآلاف منهم لاحقاً. والآن تتصرف بطريقة مشابهة.

المنتفضون العراقيون الآن مضطرون إلى إعلان الاستنكار، استنكار استهداف كتائب حزب الله، وهي نفسها المتهمة بارتكاب هجمات السنك في بغداد وقتل الكثيرين من المحتجين غيلة وغدراً، تحت جنح ليلة السادس من كانون الأول/ ديسمبر. والمترددون من العراقيين سيواجهون وضعاً قد يحسم خيارهم باتجاه مرتزقة منظومة النهب أنفسهم، أي العودة إلى المربع الأول.

يشبه الأمر الاحتجاجات الإيرانية ذاتها. نُصح ترامب دائماً بعدم إلقاء تصريحات داعمة للتظاهرات، سواء في العام الفائت أو الآن، لكنه لا يلتزم النصيحة، ويتصرف وكأنّ ما يجري على الأرض الإيرانية يجري بدعم أمريكي، بينما السبب في الحقيقة أن أكثرية الشعب الإيراني ضاقت ذرعاً بوضعها.

تقديم الذرائع

المشكلة أن واشنطن لا تتحرك بشكل شامل وحاسم، بما ينسجم مع توجهاتها السياسية في الشرق الأوسط، بل تعطي الراغبين في ممارسة قمع الشعوب فرصة أن يتحركوا هم بشكل حاسم. هذا ما حصل سابقاً وما يحصل الآن.

أمريكا تقصف الحشد الشعبي، وتحديداً ما يُعرف بالحشد "الولائي"، أي الجزء الموالي لإيران. بفعلها، هي تعطيه مبررات لسلوكياته. هذا باختصار ما يجري الآن على الأرض العراقية
"لست من أنصار القول إن واشنطن متواطئة مع طهران. هذه من نظريات المؤامرة التي تسببت بسوء فهم شعوب بلدان ما يُعرف بالعالم العربي لما يجري حولهم. لكنّي من القائلين إنها تمارس حماقات متواصلة في بلاد ما بين النهرين"

فبعد الانسحاب الرسمي للقوات الأمريكية من العراق عام 2011، لم تعد إيران ترضى بأن يكون لها شريك في الجار الغربي. نفوذها توسع بشكل متسارع، وساعدت سياسات رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في تدعيم هذا النفوذ، بمبرر مواجهة تمدد الجماعات الجهادية التي ظهرت بعد الثورة والحرب السوريتين.

قبل تلك الفترة، كان نفوذ طهران سياسياً وأمنياً بمواجه نفوذ كبير آخر، وهو النفوذ الأمريكي. على الأرض العراقية، تواجدت القوات الأمريكية بشكل صريح، بما في ذلك المدن الكبرى. والدور الذي لعبه سفراء واشنطن، خصوصاً زلماي خليل زاد وريان كروكر، كان له أثر حاسم في اتفاقات ساسة العراق.

غير أن واشنطن لم تمتلك حلفاء حقيقيين داخل العراق، باستثناء الحزبين الكرديين الرئيسيين. وهذان أيضاً متعددا الصداقة أو الولاء، بين أنقرة وطهران. وحلفاء مثل إياد علاوي وأحمد الجلبي، لم يعودا حلفاء. الأول أصبح لاحقاً يتحدث عن الغزو الأمريكي والاحتلال والمقاومة، وكأنه لم يكن جزءاً من مطبخ واشنطن المخابراتي وخياراتها، أما الثاني، الذي عدّ سابقاً رجل البنتاغون، فذهب إلى موالاة طهران، وحصد منها الخسارات، وحين فهم كان الوقت قد فات، ثم توفي في ظروف غامضة.

تحالفات خاسرة

عموماً، دائماً ما يقول العراقيون إن التحالف مع أمريكا خسارة، لأنها تتخلى عن حلفائها حين يجدّ الجد أو تقتضي اللعبة تغييرات في المواقف. ربما هذا سبب رئيسي في أن لا حلفاء لها. لكن السبب الأساسي، حسب ظني، هو أن كمية الشعارات المتعددة الاتجاهات والمناشئ ضد واشنطن، تمنع من أن يتحالف معها في العلن أحد. أما التحالفات السرية فهي لا تنفع في الدفاع الرسمي عن دور واشنطن "الإمبريالي"، حسب أوصاف الأدبيات السياسية والثقافية والإعلامية العربية والإيرانية والتركية والإسلامية والشيوعية...

وحين لم يعد للسفارة الأمريكية في بغداد دور رئيسي في مفاوضات تشكيل الحكومات، استلم الدور تدريجياً قاسم سليماني، جنرال فيلق القدس الإيراني. لكن الجار الشرقي لم يكن يصدّق أن لا دور للسفارة الأمريكية، وأن المهمة انتهت فعلاً. انطلق للحديث عن دعم القوات الأمريكية لداعش، وعن أن طائرات كانت تلقي العتاد والغذاء على عناصر التنظيم، ولم يشفع لواشنطن كل الدعم الذي قدّمته خلال سنوات من الحرب ضده، خصوصاً ما كان يقوم به سلاح الجو من غارات موجعة وحاسمة.

على وقع أي احتجاجات عراقية مناوئة للحكام، تُلقى التهمة على هذه السفارة. يتحدث سياسيون ومليشياويون عن لقاءات تجمع مثقفين أو ناشطين بالسفير أو السفارة. كانت هذه تهمة جاهزة وقت تظاهرات عام 2015، رغم أنه لم يظهر شخص واحد التقى بسفير أو قنصل أو مسؤول رسمي. بل أزعم إن جلّ ناشطي التظاهرات حينئذ كانوا على حساسية غير قليلة من تدخل أمريكا.

وبالطبع، هذه التهمة كانت أهم ما صدر ضد انتفاضة تشرين العراقية. وإلى جانب واشنطن، لا بد أن تضم قائمة الاتهام تل أبيب، وهذه المرة أدرجت الرياض فيها.

الإيرانيون وحلفاؤهم بالفعل يصدّقون مقولة أن الاحتجاجات فجّرها الخصم الكبير، ولا يرون أنها جاءت نتيجة لواقع عراقي مزرٍ يستدعي أن ينتفض العراقيون عليه لينهوا المعاناة.

وكثيرون من العراقيين لا يريدون أن يروا دوراً جديداً لواشنطن في العراق، بعد كل ما حصل من سوء إدارة وأخطاء كارثية.

لكن يبدو أنه يسهل استدراج واشنطن، إلى معركة على الهامش تخدم متن السياسات الإيرانية، ونفوذها في العراق، كما يبدو أنه حاصل في سوريا الآن.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard