احتفال “غريب” بعيد الميلاد في سوريا

الاثنين 30 ديسمبر 201903:39 م

يحذوه إصرار عجيب على تزيين شجرة الميلاد، تلك الشجرة الباهتة الخضرة، والتي كادت أغصانها البلاستيكية المدبّبة أن تهترئ لقدمها.

أبو الياس السبعيني، القاطن وزوجته حيّ "القشلة" في دمشق القديمة، لم يكن لديه أحفاد في الجوار، فأولاده هاجروا تباعاً عبر السنوات الماضية، واستقرّوا في أوطان جديدة، يدعوها على اختلافها بـ"المُغترَب"، لكن شجرتهُ لا دخل لها بالأطفال والأعياد، إنّها أمر مقدّس.

"إنها أكثر من احتفاء بالميلاد"، يشير بكفّه مؤكداً، "إنها تعني أنّنا بقينا هنا حين أُريد لنا أن نغادر".

احتفالات في الساحات السورية

البلاد بأكملها تحتفل، بكثافة ملفتة لم تشهدها من قبل، قاربت حدّ الإسراف، حسب وصف البعض.

الأشكال المخروطية الخضراء على هيئة شجرة ميلاد تعلو في الساحات الرئيسية للعاصمة دمشق، وأمام مراكز وفنادق العاصمة الأساسية، تزيّن كيفما اتفق، وتُنار بحبال الأضواء التي أحكمت الخناق حولها من كل جانب، مع حلول الظلام وحتى ساعات الصباح الأولى.

سوريون أعلنوا استنكارهم للتناقض بين ظلام ساعات التقنين الكهربائي الطويلة التي عادت وبقوة مع بداية الشتاء، وبين الساحات المُنارة بطريقة مستفزة، كما وصفه البعض.

ليأتي رد مدير الإنارة والكهرباء في محافظة دمشق بأن زينة الشوارع مجتمعة تعادل الطاقة الكهربائية المستخدمة لإضاءة منزل واحد فقط، يضيف المصدر نفسه: "لا يمكن إرضاء ذوق 23 مليون سوري".

وفي حين علت قبل أسبوع شجرة الميلاد في ساحة العباسيين، في "حدث فني" لافت وسط حشد جماهيري كبير، تلك الساحة نفسها التي كانت قبل عام ونصف العام "خاوية على عروشها"، كونها مدخل جوبر والغوطة، التي شهدت الأحداث الأعنف، وباتت فضاء للقذائف المحلقة في سمائها.

وشهدت ساحة الأمويين مركز العاصمة بدورها كرنفالاً مزدحماً من الزينة البراقة، وهو مزيج من الاحتفال بقدوم شهر الأعياد مقترناً بالاحتفاء بالوردة الدمشقية، التي أدرجت على قائمة التراث العالمي.

أصابع بلاستيكية غريبة الشكل تُنار ليلاً وتنتشر في أرجاء الساحة بشكل متصالب لا معنى له، في الجهة المقابلة نُصبت مقاعد مُضاءة ادعت الجهات المسؤولة أنها ستبقى بشكل مؤقت في فترة الأعياد، دون أن تُعلن تلك الجهة عن الجدوى من وجود مقاعد مضاءة، وارتباط الأمر بالزينة الميلادية.

"نحن نحب الحياة"

ومع قفزة الدولار ليقارب عتبة الألف، وانهيار الليرة أمامه بسقوط دراماتيكي مدوٍّ يصبح التسوق لشهر الأعياد مقتصراً على الأساسيات، فالأسعار التي تدّعي هيئة التموين والرقابة أنها مراقبة ولا زيادة فيها، أصبحت خيالية وفاقت قدرة ذوي الدخل المحدود، حتى بعد الزيادة التي أُعلن عنها منتصف الشهر الماضي على رواتب القطاع العام، الزيادة التي أضحت عبئاً مضافاً حين ارتفع الدولار فأفرغها من أي معنى أو قيمة.

"نحن نحب الحياة."، يهمهم بيت الشعر بشيء من التهكّم، ويدفع ثمن حبل إنارة لأشكال زينة الميلاد بسعر ستة آلاف ليرة سورية، يقول جهاد، رب أسرة مؤلفة من أربعة أطفال أكبرهم في الخامسة عشرة من عمره، لرصيف22: "المبلغ ضخم بالنسبة لراتبي الضئيل، لكن ابنتي أصرّت على تزيين غرفة الجلوس بزينة الميلاد". 

أُكمل حديثي معه، ونحن نسير في حيّ الشعلان الدمشقي، يقف عند ناصيته، ويشتري ورقة يانصيب لسحب رأس السنة، تبلغ جائزته الكبرى 200 مليون ليرة سورية، شارحاً لي أنه تقليد آخر يتّبعه في موسم الأعياد لا طائل منه ولا أمل، لكنه يحب الحياة.. يكرر علي مجدداً.

يقول جهاد، رب أسرة مؤلفة من أربعة أطفال أكبرهم في الخامسة عشرة من عمره، لرصيف22: "المبلغ ضخم بالنسبة لراتبي الضئيل، لكن ابنتي أصرّت على تزيين غرفة الجلوس بزينة الميلاد"
شجرة أبو الياس لا دخل لها بالأطفال والأعياد، إنّها أمر مقدّس، إنها أكثر من احتفاء بالميلاد، إنها تعني أنّنا بقينا هنا حين أُريد لنا أن نغادر

سيزيف آخر ممن استطاعوا خداع إله الموت طيلة سنوات الحرب، لقد نجا من الموت لكن يتعيّن عليه حمل صخرته إلى الأبد، صعوداً ونزولاً... سيزيف السوري.

"شجرة الوطن" في درعا

وبعيداً عن العاصمة إلى الجنوب، وتحديداً محافظة درعا، وبرعاية رسمية تمّ افتتاح شجرة ميلاد في بلدة "خبب" بارتفاع 16 متراً، وقد تمّ اختيار لقب "شجرة الوطن" ليُطلق عليها وسط احتفال للمجتمع المدني.

هده الاحتفالات ذات الرعاية الرسمية، تخللتها مبادرات فردية، دعت إلى تزيين شجرة الميلاد في شوارع الأحياء، كتلك الدعوة التي أعلنتها الصفحة الرسمية لحي الحميدية في حمص، ذي الغالبية المسيحية، وقد دعت الصفحة التي يتجاوز عدد متابعيها 70 ألف متابع، إلى تزيين الحي بالإضاءة الميلادية، في منشور استنكر ما وصفه بالـ "الوضع الغريب"، قاصداً انعدام أي مظاهر احتفالية فردية، أو تخص الحي، طالباً من كل عائلة التبرع بمبلغ 4000 ليرة سورية، أي ما يعادل أربع دولارات لنصب الزينة.

التفاعل جاء سلبياً من قبل عدد كبيراً من أهالي الحي، وآخرين وجدوا القيّم على هذه المبادرة "منفصماً عن الواقع"، إحداهن وصفته برجل قادم من المريخ قائلة: "وهل مبلغ أربعة آلاف مبلغ بسيط يا رجل؟!"، آخرون كثر طالبوا بمجيء الكهرباء والمازوت في المرتبة الأولى ومن ثم سيفكرون بأمر الزينة، والبعض طالب بالتبرع بمبلغ مشابه لمن لا يجد قوت يومه.

أكرر تكملة عبارة جهاد المأخوذة من قصيدة الشاعر محمود درويش: ".. إذا ما استطعنا إليها سبيلاً".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard