"عشق الطعام سياسة"... عندما تطبخ البامية وتأكلها على الطريقة المصرية

الاثنين 30 ديسمبر 201902:56 م

"حاعملكم رز وبامية وكبدة"، هكذا قلت لأصدقائي، محمد وعلي وياسمين، والنشوة توحّدنا، بفعل الفراغ والكسل الذي عشنا فيه لأيام، وبفعل كثرة الاستماع إلى الموسيقى، الرقص، الاستمتاع الحاد بكثافة الدخان الأزرق، وكثرة الهجز والرجز.

أحب دائماً طبخ البامية، شاهدت فيديو لامرأة هندية، وهي تقرب الشاشة من قلبها المتفتح، الأشكال الهندسية ذات المنحنى الكيرفي، واضحة.

البامية ظاهرها خضراء بسيطة وباطنها أبيض مركب.

لو كان لي إله في الطعام الذي أتناوله، سيكون البامية، فشكلها البسيط وجوهرها المركب، رمزي جداً للنباتات ككل، رغم مظهر حياتها البسيط مقارنة بالحيوانات والإنسان، إلا أن دورها معقد، وجوهري لوجودنا، فهي لا تساهم بتناولنا إياها فقط في منح عضلاتنا وبشرتنا شكلها، وجمالها، ولكن تجذبنا لدرجة وعيها البطيء لدرجة لا نخيلها، بحسب علماء، هذا "البطء الكوني" الذي استلهمته طرق التأمل البوذية لزيادة وعينا بالحياة، وإحساسنا بجمالها.

أذكر أني قرأت تشبيهاً لداروين، يرى فيه هيكل النباتات مناقضاً للإنسان: عقلها/ جذورها في الأسفل، وأعضاؤها الجنسية/ أزهارها وثمارها في الأعلى، خياله حول الطعام كممارسة جنسية، من الشم واللمس إلى التداخل والالتهام.

كم مسكر ولذيذ تأمل النباتات وحياتها، هكذا فكرت وأنا أعد الطعام.

الأكل ممارسة جنسية وروحانية

البامية تمنحك مذاقات متنوعة أصيلة وعصرية، يمكن شويها في الزيت وأكلها كمزة ممتازة مع "البيرة"، أو مقرمشات مع الأرز أو الساندوتشات، أو طبق الفول.

يبدو أني نسيت نفسي وأنا أقطع البامية، الرأس يُفصل، الجسد يُقطَّع لقطعتين أو ثلاثة، وكما قالت المرأة الهندية في فيديو على يوتيوب، يجب أن نحرص قبل أن نقلي البامية أن نبعدهم عن بعض، إنهم يعشقون بعضهم البعض، لكن يجب تفرقتهم حتى نتمكن من أكلهم.

التأمل جعلني أحب الحياة وأنشطتها الروتينية.

أحب ممارسة التأمل على الطريقة المصرية القديمة، تلك التي استلهمها أليستر كراولي، فالتأمل المصري، والذي يتخذ شكل السحر والتصوف، مليء بالأشياء الحسية، البخور، الدماء، الجنس، والسكر.

إذا كان إله بوذا يدفعه لنكران العالم، والتعامل معه كحلم للوصول إلى النيرفانا، فإن آلهة المصريين القدماء تدفعهم عبر تقديس الموت لحب الحياة. أجسادهم، أعضاؤهم الجنسية، بطونهم، قلوبهم وأرواحهم، كل شيء تشعر له آلهته، كل نشاط تقوم به، من الجنس مروراً بالعمل وانتهاء بالكتابة والفن، له إلهه، وكل إله له مقامات وأحوال تشبه مقامات وأحوال الصوفية، ولكن الإله واحد أحد.

وبينما أضع البامية في الفرن ممزوجة بالكبدة، وضعتها كأني أضع قلبي هناك، ليس ذلك مجازاً، فقلبي حرفياً هناك.

كلما رأيت فقاعة في شوربة، أو حساء الشاي، أو القهوة، تهل على خلاياي العقلية نسمات ساحرة، أول شكل من أشكال الحياة كان في فقاعة، في عملية التمثيل الضوئي التي قامت به الباكتيريا منذ ملايين السنين.

بحثت كثيراً في كتب العرب القديمة لاكتشاف ما يشعرون به حيال الطعام، لا شيء، الخلفاء كانوا يأكلون الكثير من الطعام ثم يتقيؤون ليأكلوا مرة أخرى، وما تركته لنا كتب الآداب، سواء تلك التي سطرها المثقفون أمثال أبي حيان التوحيدي وأبي قتيبة، أو ما اتخذ الشكل الديني في كتب المتصوفة وفقه "أهل السنة والجماعة"، هو شكل الآداب والسلوكيات الخارجية واسم المذاقات المختلفة.

فتنت ببوذية الزن التي تحدثت عن الأكل كممارسة روحانية، أن تأكل حين تأكل ببطء، ببطء أكثر، وأعلى، وأحلى، حينها بدأت أهتم بإحساسي بالطعام أكثر من الطعام نفسه، بإحساسي باللذة أكثر من اللذة نفسها.

نشوة الأكل مع الناس

المشاعر تكون أعلى وأحلى عندما يتشاركها جمع كبير من الناس، عائلات وعشاق وأصدقاء، ولكن معظم المناسبات في العصر الحديث بعيدة عن الاحتفالات بطاقة الحياة الصافية، السكر والجنون، الجنس، الزراعة، الحصاد، الشمس، القمر والنجوم، تلك المعاني التي كان يعيشها أجدادي.

فيما يتعلق بالطعام، لعب الـ"كا" دوراً حيوياً للمصريين القدماء، فالطعام له الـ"كا" أو روح، وعملية الأكل أيضاً لها روح، هناك حالة من النشوة المستترة عندما نستلذ بالطعام، وهذا يعني بلغة أجدادنا أن روحك باتت تشعر بـ"الكا".

وكانوا يعتقدون أن الطعام الذي يقدم للآلهة في المعابد تأكله الآلهة، لأنها لا تأكل الطعام نفسه، ولكن روح الطعام "الكا" فقط.

ولكن عندما يكون الأكل جماعياً، فنحن نتكلم إذا عن "الاستدامة"، حالة اختبرها أجدادنا منذ آلاف السنين، أن يرتبط جميع الآكلين بالأرض التي أخرجت النباتات وكل العاملين، من الفلاح إلى التاجر إلى الطباخ، كل تلك منظومة واحدة، وعندما يحدث خلل، كسوء طقس مثلاً يحرمنا بعض النباتات الهامة، فإن الجميع يختبر شعوراً واحداً بلا امتياز، الجميع يأكل طبقاً واحداً ويختبر معنى واحداً.

تكتب دونا شاوبر، مسؤولة بارزة في كنيسة "جودسون" في نيويورك، أن الاستدامة تربطنا بالتقاليد القديمة للأرض والزراعة والغذاء، وطقوسها "تنزع قشرة اللحظة، وتجعل الزمن كثيفاً على طاولاتنا العادية"، مثل حالة الناس في قصة يوسف والفرعون، عاشوا 14 عاماً، سبعة أعوام عاشها الناس في وفرة، وسبعة أعوام أخرى الجميع متقشف، كل تلك الأعوام اختبر فيها المصريون معنى "الاستدامة".

وتقول شاوبر عن نفسها إنها باتت تحسد الفلاحين كلما فكرت بقصة يوسف، أعني الناس تأكل بطرق غير ضرورية في العصر الحديث، الانفصال عن الأرض والطعام، وكأننا ندين الطعام لأنه قادم من العبوات وليس من الأرض.

وبعبارات شعرية ووصفية توجز شاوبر معنى الاستدامة: "هي الأكل المقدس، وعي متزامن حول الطعام، أن نأكل الطعام من أجل الآخرين، لا سيما هؤلاء الذين يزرعون وينتجون ويبيعون طعامنا، إنه شعور جميل أن تتغذى، لا على الطعام، ولكن على هذا الشعور بالابتهاج الذي يمتد إلى العالم كله، أن ينظر كل منا إلى مائدته ويعرف أن الجميع مثله، مستمتعون بطعامهم".

 النباتات دورها معقد، وجوهري لوجودنا، فهي لا تساهم بتناولنا إياها فقط في منح عضلاتنا وبشرتنا شكلها، وجمالها، ولكن تجذبنا لدرجة وعيها البطيء لدرجة لا نخيلها، بحسب علماء، هذا "البطء الكوني" الذي استلهمته طرق التأمل البوذية لزيادة وعينا بالحياة، وإحساسنا بجمالها

إذا كان إله بوذا يدفعه لنكران العالم، والتعامل معه كحلم للوصول إلى النيرفانا، فإن آلهة المصريين القدماء تدفعهم عبر تقديس الموت لحب الحياة. أجسادهم، أعضاؤهم الجنسية، بطونهم، قلوبهم وأرواحهم، كل شيء تشعر له آلهته

"الأكيلة" سياسيون

عدت من زخم لحظاتي إلى أصدقائي، وطبق البامية يتصاعد منه البخار، كأنه كلمات عاشق، حارة ولذيذة وتعد بكل ما هو مبهج.

تناول صديقي ملعقة، تنفس بعمق "فساء النباتات"، كما أحب دائماً أن ألقب الأوكسجين الذي نحياه، ونظر إليّ بابتسامة وكأنه يحتار: هل الحشيش الذي تناوله سما بإحساسه بالحياة، أم أن الطبق لذيذ؟ يقول: "مش عارف أقول لك إيه، حاسس بحاجات جميلة".

رأيت البسمة في عينيه، لحظات صغيرة جداً نكاد لا نراها، مثل النواة في الإلكترون، ولكن الإحساس بها، مجرد الانتباه لوجودها، تحدث ثورة في إحساسك ووعيك، وكما يقول المتصوف الهندي أوشو: "الفارق بينكم وبين بوذا، هو الانتباه للفراغ الفاصل بين الشهيق والزفير، مجرد أن تنتبهوا لتلك اللحظة وتختبروها، أعمق وأعمق، سيتغير وعيكم، ستصلون إلى النيرفانا".

يسألني صديقي: "انت ما بتاكلش ليه؟"

"حاسس بالبامية قوي، ومستمتع بإحساسي، كإني في الفرن باتشوي، وبهيء نفسي ليكم، تاكلوني، بحب، واستمتاع، وامتنان، وباشكر الهواء، والشمس، والجذور اللي خلقوني، ووهبوني الحياة".

في مقال شاوبر، تنتقد الكاتبة ما يفعله الكثيرون من السخرية على عشاق الطعام، أمثالي، يسمونهم "فوديز"، وترى أن الأشخاص الذين يفهمون "الطعام المقدس" هم أشخاص "سياسيون للغاية".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard