هل يجوز تهنئة المسيحيين بمولد النبي محمد؟

السبت 28 ديسمبر 201906:01 م

قبل أن يسأل بعض المسلمين أنفسهم إذا كان يجوز لهم تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد أم لا، فربما عليهم أن يفكروا في الأمر بنظرة مختلفة عما اعتادوا عليه، والبداية من تغيير السؤال ذاته ليُصبح: هل يجوز تهنئة المسيحيين بمولد النبي محمد أم لا؟ نعم، أعلم  أن الدين المسيحي لم يطرح نبوة محمد، ولكن هل يجوز أن يذهب مُسلم إلى صديقه المسيحي في ذكرى مولد نبي الإسلام ويقول له: كل عام وأنت بخير؟

لا أظن أن أحداً ما سوف يقوم بتحريم ذلك، بالعكس قد يجد البعض هذا الفعل مستحباً للغاية، إذ يعمل المُسلم على نشر التهاني في هذا اليوم المميز بالنسبة له على جميع الناس، إسوة برسالة النبي محمد التي يؤمن بها والتي تحمل ما تحمل من معاني الرحمة للجميع.

إذن، لا ضرر من تهنئة أي شخص بمولد النبي محمد، ما علاقة هذا بمولد المسيح؟

قبل الحديث عن مولد المسيح لا بد وأن نعود إلى موسى أولاً، وتحديداً في الزمن الذي بدأ فيه المسلمون الاحتفال بذكرى نجاة موسى وقومه من فرعون وجيشه، فيما يُسمى عاشوراء، ما القصة بالضبط؟ القصة باختصار أن النبي عندما وجد بعض اليهود يحتفلون بهذا اليوم قام بسؤالهم عن سبب الاحتفال، فقالوا له إن في مثل هذا اليوم نجا موسى من ويلات فرعون بإذن الله، حينها رد عليهم نبي الإسلام بقوله المشهور: "نحن أولى بموسى منكم"، أي أن محمد رأى غاية مهمة في إحياء هذه الذكرى إسلامياً، حتى لا يستأثر اليهود بذكريات موسى، ومن هنا أصبح يوم عاشوراء هو احتفال لليهود والمسلمين معاً، ولكن النبي محمد في أواخر أيام حياته كان حريصاً على انتقاء طريقة مختلفة قليلاً للاحتفال بهذا اليوم، حتى لا يُقال بأنه يقوم بتقليد اليهود، فأمر المسلمين بصيام يومين آخرين مع عاشوراء.

والآن، بما أن المسلمين يحتفلون بمثل هذا الحدث لنبيهم موسى، وكذلك يحتفون بميلاد نبيهم محمد، فلم تتوقف تلك الاحتفالات والاحتفاءات عند ذكر المسيح؟ أعني أنه حتى لو أراد مسلمون الامتناع عن مشاركة المسيحيين احتفالاتهم بدعوى أن رؤية المسيحيون الإلهية للمسيح مختلفة كلياً عن الرؤية الإسلامية لنبوته، فسوف يتوجب عليهم أن يقوموا بإيجاد بديل لإحياء ذكرى هذا اليوم، حتى يُصبح المسلمون أولى بعيسى كما كانوا أولى بموسى، أليس كذلك؟

هؤلاء الذين يذهبون إلى تحريم الاحتفال يضعون في سلة أسبابهم حُجّتين، الأولى أن المسيحيين يرون عيسى إله أو ابن إله، والثانية أنه لا يجب أن يثق المسلمون بالتاريخ الذي يقول المسيحيون بأنه تاريخ مولد المسيح، ولكن منطقياً، فكما يوجد اختلاف بين قصة المسيح المُسلم وكينونة المسيح المسيحي، فأيضاً موسى المُسلم يختلف تماماً عن موسى اليهودي الذي وعد شعبه بجنة لا يخطوها أحد غيرهم، وبالنسبة لتاريخ الميلاد، ألم يثق النبي محمد في تأريخ اليهود لحادثة نجاة موسى فأصبحت عاشوراء، فلم لا تكون فترة أعياد الميلاد هي الأخرى محل ثقة؟

الحديث عن الاحتفال بمولد المسيح متصل تماماً بالاحتفاء بنجاة موسى وكذلك أُضحية إبراهيم، وإلا فالأمر أشبه باستثناء المسيح من أيام المسلمين المُقدسة، كأنها عقوبة له على ما يرونه من وجهة نظرهم تحريفاً في قصته من قِبل أتباعه المسيحيين، على خلاف ما حدث مع موسى وإبراهيم الذين يتم الاحتفاء بقصصهما من اليهود والمسيحيين والمسلمين معاً.

وأقول بأن إذا ما أراد المسلمون النظر إلى الأمر بشكل مختلف عن مجرد فكرة التعايش مع أبناء العقائد المُختلفة، فإنهم سوف يجدون أنفسهم مُقصرين بحق نبيهم عيسى، وأنه  لربما كان من الأولى بهم اختيار طريقة تناسبهم للاحتفال بأعياد الميلاد بدلاً من تحريم ذلك، خاصة وأن هناك العديد من رجال الدين الإسلامي ومؤسساته الذين يحثون الناس على الاحتفال والتهنئة، مثلما فعلت دار الإفتاء المصرية منذ أيام قليلة، وقوبلت بهجوم معتاد من المتشددين في التعليقات.

الحديث عن الاحتفال بمولد المسيح متصل تماماً بالاحتفاء بنجاة موسى وكذلك أُضحية إبراهيم، وإلا فالأمر أشبه باستثناء المسيح من أيام المسلمين المُقدسة، كأنها عقوبة له على ما يرونه، من وجهة نظرهم، تحريفاً في قصته من قِبل أتباعه المسيحيين

 ربما كان من الأولى بهم اختيار طريقة تناسبهم للاحتفال بأعياد الميلاد بدلاً من تحريم ذلك، خاصة وأن هناك العديد من رجال الدين الإسلامي ومؤسساته الذين يحثون الناس على الاحتفال والتهنئة، مثلما فعلت دار الإفتاء المصرية مؤخراً، وقوبلت بهجوم من المتشددين

وبذلك أرى بأن أفضل ما يُمكن التفكير فيه هو: ماذا كان سيفعل النبي محمد لو قابل مسيحيين يحتفلون بعيد الميلاد وسألهم فيم هذه الاحتفالات؟ لا أشك بأن لو حدث ذلك لكان الآن هناك شكل ما من الاحتفالات الإسلامية بمولد المسيح، سواء بالصيام أو بغيره من الطقوس الدينية، مع بعض المُخالفة التي دعا إليها محمد في قصة عاشوراء، وربما ستكون تلك المخالفة في تجنب تقديس شخصية بابا نويل مثلاً.

وهذا تحديداً ما سوف يراه إله المسلمين، الذي لا يُفرق بين أحد من رُسله، منطقاً مناسباً، وعلى هؤلاء الذين تُصيبهم القشعريرة من أجواء أعياد الميلاد، أن يدعوا الاحتفالات والتهاني لمن يرون بأنهم أحق بالمسيح من غيرهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard