هل الحبّ ممكن بين روميو فلسطيني وجولييت إسرائيلية؟

السبت 28 ديسمبر 201903:27 م

إنه الحبّ اللعين الذي "يعمي" أصحابه. أليس هذا ما يقوله المثل العربي الشهير على الأقل؟ (الحب الأعمى). غالباً ما تكون قصص الحبّ ساحرة ولكن هناك أُخريات يُقرَّر اغتيالها لأسباب عدّة، خاصة التي تعيش في سياقات سياسية استعمارية، والتي تًصنّف أيضاً على أنها "تُهدد الهوية".

نتحدّث بالتحديد عن قصة الرسام الفلسطيني حلمي والطالبة الجامعية الإسرائيلية ليئات اللذين التقيا في نيويورك. قد يتوقع كثيرون مسار علاقات الحبّ التي تجمع بين طرف فلسطيني/ة وآخر إسرائيلي/ة، أو كيف يُقرر له أن يسير أو أن لا يسير. وعرقلة السير هُنا غالباً ما لا تقتصر على فرد أو جهة واحدة، أو على طرفي العلاقة.

من وحي هذا الحب كتبت الإسرائيلية دوريت ربينيان روايتها "جدار حيّ" التي تحدثت فيها عن قصتها الشخصية عام 2014 قبل أن تترجم إلى 27 لغة. ولم يقتصر انتشارها عند هذا الحدّ، فقد أعلنت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية يوم 26 ديسمبر/كانون الأول تحويل الرواية إلى فيلم ستنتجه شركة Keshet Studios المالكة قناة 12 الإسرائيلية وشركة Pilot Wave التي تملكها الممثلة الإسرائيلية غال غادوت التي سبق أن خدمت في الجيش الإسرائيلي عامين، وزوجها رجل الأعمال الإسرائيلي يارون فارسانو.

 غال غادوت ويارون فارسانو

ولم يُكشف بعد عن هوية الممثل الذي سيلعب دور حلمي.

رواية "مرفوضة"

عام 2016، رفضت وزارة التعليم الإسرائيلية إدراج الرواية في برنامج الآداب في المدارس الثانوية خوفاً من "الاختلاط بين الفلسطينيين واليهود".

حينذاك، أشارت المسؤولة في وزارة التعليم، داليا فينغ، إلى أن "الكتاب قد يُنظر إليه على أنه يشجع الاختلاط بين العرب واليهود"، موضحةً أن "قسماً كبيراً من المجتمع يعتبر العلاقات الحميمة، خصوصاً تلك التي تنتهي بالزواج وتكوين أسرة بين يهود وغير يهود، تهديداً للهوية".

وقال وزير التعليم نفتالي بينيت آنذاك إنه لم يشارك بشكل مباشر في قرار الوزارة، إلا أنه يؤيده، مضيفاً: "الكتاب يصور الجنود الإسرائيليين 'ساديين' و'مجرمي حرب' ويشبههم بـ'إرهابيي' حماس". وأدّى قرار وزارة التربية إلى زيادة نسبة مبيعات الرواية في دولة الاحتلال.

روميو فلسطيني وجولييت إسرائيلية

"نحن جيران. أنا من تل أبيب... انخفض صوتي قليلاً حينما قلت هذا، لأن حليم اقترب منّي وقال هامساً وكأن هناك سراً كبيراً: أعلم ذلك". 

كانت هذه الكلمات بعض ما ورد في الرواية على لسان ليئات (أي الكاتبة نفسها) التي كانت تُخبئ سراً كبيراً وهو علاقتها بحلمي، الشاب الفلسطيني. أشارت في الرواية إلى أن والديها سـ"يشنقانها" إن علما بقصة حبهما التي دامت نحو 6 أشهر. 

تتميز الرواية، بحسب الصحافية آمي كلين، بأنها تُظهر فروق الحياة في المساحة الجغرافية نفسها، أي أنها تُظهر كيف يمكنها أن تكون جحيماً لشخص، وجنة لشخص آخر. فبينما كانت ليئات تستذكر أيامها الهادئة في إسرائيل، كان حلمي يستذكر نقاط التفتيش التي مرّ بها وقسوة الحياة هناك.

تقول كلين: "فيما تظهر قصة الحب وكأنها غير واقعية إلا أنها ممكنة". تستمر علاقة ليئات وحلمي الغرامية إلى حين يزوره شقيقه، ويدور بين الثلاثة حديث ساخن حول "مستقبل" بلادهم: "هل الحل في الدولتين أو الدولة الواحدة؟ من سيتحكم بالماء؟". هنا قالت كلين إن "القارئ سيفهم مباشرةً بعد انتهاء الزيارة، بعدما دمعت عينا ليئات، بأن الفشل سيُدك علاقة روميو وجولييت فور عودتهما إلى بلادهما". 

في هذا السياق تساءلت: "ما الذي قد يحصل في عالم موازٍ إن بقي حلمي وليئات في الولايات المتحدة؟ هل يدوم حبّ من هذا النوع؟".

"تريده حبيباً يعيش في وطن مستقل غير وطنها من دون أن يُشاركها في ملكيّة البحر"... عن روميو فلسطيني وجولييت إسرائيلية
"نحن جيران. أنا من تل أبيب"... كيف تنعكس علاقات القوة بين شابة تمثل الاحتلال وشاب يمثل الشعب المحتل في علاقة عاطفية؟

عن ليئات وحلمي

تؤمن ليئات (كاتبة الرواية) ذات الميول اليساريّة بحق الحرية للشعب الفلسطيني وترفض الممارسات العدائيّة التي يقوم بها جنود الاحتلال، كما تؤيد إنهاء الاحتلال وحقّ الفلسطينيين في دولة مستقلّة إلى جانب دولة إسرائيل. أما حلمي، فيؤمن بأن حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يكمن في قيام دولة واحدة تضمّ الشعبين معاً.

هُجّر حلمي مع أسرته من قريته في مدينة اللد عام 1948 إلى مخيّم لاجئين قريب من مدينة أريحا، ومنه رحلوا إلى مدينة الخليل عام 1967.

وبسبب رسمه العلم الفلسطيني على حائط في الخليل، اعتُقل حلمي وهو في الخامسة عشرة من عمره أربعة أشهر. وبعد تخلية سبيله، انتقلت العائلة إلى مدينة رام الله. عام 1996 أرسله أهله إلى العراق ليدرس في جامعة بغداد، وعام 1999 سافر إلى الولايات المتحدة حيث التقى ليئات. 


كاتبة الرواية الإسرائيلية دوريت ربينيان

ليئات تضع حواجز

صوّرت الرواية حلمي أنه أكثر تقبلاً لهذا النوع من العلاقة وأنه مستعد لتناسي "ويلات" الماضي. فقد عرّفها ليئات إلى عائلته وأصدقائه فيما أخفت هي علاقتهما عن محيطها، وترتعب كلما شكّت في إمكانية أن يعرفها ذات يوم.

وأشارت الكاتبة هنا إلى أنها وضعت "حواجز" في علاقتها مع الشاب الفلسطيني، تتمثل في أنها "تنتمي إلى الطّرف الأقوى المحتل للغير، وغير مستعدة للتنازل عن مواقفها وأفكارها التي تؤمن بها وعن حقّها الذي تراه".

أما حلمي، فهو الطرف الأضعف، المحتل من قبل الغير. يقول إنه لا يقود سيارة، ولا يعرف السباحة في البحر، ولم يحمل بندقية ويطلق رصاصة في حياته، لكنه يحلم بأنه سينجح في المستقبل بالعيش مع الغير (اليهودي) في وطن واحد كبير، ويسبح معه في البحر نفسه الذي لا يملك الآن غير إمكانية النظر إليه من بعيد.

ملكية البحر لها

ينوّه الناقد والكاتب الفلسطيني نبيه القاسم بأن ليئات كانت مدركة تماماً بأن لهذا الحب نهاية. يقول إن السبب يعود إلى أنها "مقتنعة بأن حلمَها لا يلتقي مع حلم حلمي"، موضحاً: "يحلم حلمي بوطن واحد يجمعهما، وببحر واحد يسبحان فيه، وبحياة جميلة تضمهما، وهي ترتعب من إمكانية تحقيق حلمه، فهي تريده حبيباً يعيش في وطن مستقل غير وطنها، لا يشاركها في ملكية البحر، ولا حق له في هذا البحر".

وتابع: "هي تخاف حلمه، ورغم انتقادها الجدار الذي يقام بينهما تشعر بالرضى والقبول لأنها ترى فيه واقياً وحامياً لها من حلمي وحلمه، ويشعرها بالأمان والطمأنينة".

ويشير القاسم إلى أن الكاتبة أرادت أن تؤكد "استحالة إيجاد الحل لأن الواقع الجغرافي وتشابك الشعبين جعلا إمكانية الفصل صعبة، ولم يبق من حل إلا قيام دولة واحدة ثنائيّة القوميّة للشعبين"، وهو ما ترفضه ليئات واليسار الإسرائيلي إذ ترى في حل كهذا دماراً للدولة وقضاء على الحلم الإسرائيلي.

وخلصت الرواية إلى أن مشاعر الحب ممكنة بين الشعبين ولكن لا مجال للتعايش بينهما، ولا يوجد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard