"مشكلة جماعات لا تفهم الشعب"... القوى السياسية العراقية ما زالت ترى أن التظاهرات مؤامرة

الثلاثاء 24 ديسمبر 201908:03 م
Read in English:

Iraqi Deluded Politicians See Demonstrations As Conspiracy

تواصل الكتل السياسية المعنية بتسمية رئيس الحكومة ما فعله رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي حين ماطل في تقديم استقالته قبل أن تجبره عليها التظاهرات وتدخّل المرجع الشيعي علي السيستاني. كان ثمن المماطلة أرواح المئات.

هذه الكتل مشغولة في استحقاقات تبدو بعيدة تماماً عما يجري على الأرض، دون أن تقوم بخطوات جادة لإنقاذ نفسها فضلاً عن إنقاذ العراق. وكأنها بحاجة إلى مزيد من الدماء كي تفهم تداعيات عدم التعامل الجاد والحقيقي وتقديم تنازلات لا تقبل التأويل إلى الناس المنتفضين.

عودة المالكي إلى المشهد

الكرة الآن في ملعب قوى تحالف البناء، وهو تحالف مكوَّن من عدد من الكتل، لديها توجه سلطوي موحد، وفيه بعض الجماعات السنّية، أو دخلت فيه بشكل متأرجح، وعماده الرئيسي هو جهتان شيعيتان أساسيتان: من جانب هناك "الفتح" الذي يقوده زعيم منظمة بدر والرجل الأول في الحشد الشعبي، هادي العامري، ومن جانب آخر توجد كتلة ائتلاف دولة القانون حيث نوري المالكي، رئيس الحكومة الأسبق الذي احتلت داعش في زمنه أجزاء واسعة من العراق ويعد الشخص الأكثر إثارة للجدل في الأوساط السياسية.

نوري المالكي

واسم "البناء" الذي يحمله التحالف يذكّر بشكل أو بآخر بحملة تعبئة "عمرانية" إيرانية ظهرت عام 1980 وتحولت لاحقاً إلى وزارة، وأطلق عليها اسم "جهاد سازندگی" (جهاد البناء).

من الناحية النظرية كان رئيس الحكومة السابق، عادل عبد المهدي، قريباً من الفتح. غير أن الحراك داخل غرف السياسية للبحث عن خليفته يأخذنا إلى دولة القانون تحديداً، أي إلى نوري المالكي. وآخر الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة، وتحديداً محمد شياع السوداني وقصي السهيل، كلاهما مجرد واجهتين للمالكي نفسه، ما يطرح علامات استفهام كبيرة بشأن التوجه السياسي لما يُعرف بتحالف البناء.

هادي العامري

محمد كوثراني، القيادي البارز في حزب الله والذي زار العراق للقاء الحلفاء السياسيين، طلب منهم، بحسب معلومات خاصة، إعطاء نوري المالكي فرصة جديدة باعتباره الشخص الوحيد الذي يواجه المشروع الآخر. والآخر طبعاً هنا يعني به السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل.

فالاحتجاجات من وجهة نظر محور إيران هي مشروع خارجي يهدف إلى تقويض "محور الممانعة". وبما أن المالكي غير قادر على العودة إلى الواجهة فالعودة تكون من خلال شخصية ضعيفة تابعة له ليدير من خلالها مشوار الدفاع عن "المحور". هذا يفسر الإصرار غير المفهوم لتحالف البناء على السوداني والسهيل.

عقلية الحاكمين

لكن هذا ليس التفسير الوحيد أو ليس التفسير الكامل. هناك جانب آخر لا بد من التعامل معه لفهم عقلية الحاكمين في العراق. عقيدة المالكي السياسية، وبشكل أو بآخر عقيدة الحلفاء القريبين، تقوم على أن الاستجابة للشارع تعني فسح المجال أمامه للمزيد من المطالب، فهي عملية تطميع.

وأتذكر هنا عام 2011 مع انطلاق تظاهرات شباط/ فبراير. كان المطلب في البداية إقالة محافظ بغداد ورئيس مجلس محافظتها فقط، قبل أن يتسع ليشمل رئيس الحكومة نفسه، وكان وقتها المالكي. لكن الأخير قال لمقربين منه إن أي تنازل الآن، وإقالة أي مسؤول، يعني أن التظاهرات ستطالب بما هو أكثر وتتوقع النجاح.

هذه الاستراتيجية حاضرة بشكل أكيد في ذهنية السياسي الحاكم، وأظنها عقيدة تنم عن إيمان بأن التنازل يعني الخسائر المتواصلة. هي تشبه إلى حد كبير شخصية المالكي الجافة والقريبة من الطباع القبلية غير المرنة.

ويوجد أيضاً تفسير ثالث، يمكن أن يمثل الزاوية الأخرى لفهم ما يجري داخل الأوساط السياسية، وهو أنها أوساط مفصولة تماماً عن الواقع المجتمعي. هي جماعات تماطل، تسوّف، تسترق الزمن لتتلاعب الناس، بتقديم أسماء لا تستجيب لحقيقة أن هناك انتفاضة في جوار المنطقة الخضراء، ويفصل بينها وبين الواقع محيط من سوء الفهم، بينما من الناحية المكانية لا يفصل بينها وبين الانتفاضة سوى نهر وجسر.

إنها مشكلة جماعات لا تفهم الشعب، بل ربما لا يمكن أن نصفه بأنه شعبها. تعيش في دائرتها الخاصة المتخمة بالمال والنفوذ والسلاح، ولا تدرك أن هناك شرائح شعبية تنتفض، وشباباً كشفت الصور وأعداد الضحايا أنهم يسخرون من الموت.

سياسيو العراق يظنون أن إيران ستبقى قويّة بما يكفي لتحميهم، وأن الدين غطاء أبدي سيمنع عنهم صرخات الألم التي يطلقها شعب قطعت أوصال أجساده المفخخات ومعارك داعش والفقر والاستهتار الحاكم
احتجاجات العراقيين من وجهة نظر محور إيران هي مشروع خارجي يهدف إلى تقويض "محور الممانعة". وبما أن نوري المالكي غير قادر على العودة إلى الواجهة يريدون إعادته من خلال شخصية ضعيفة تابعة له ليدير من خلالها مشوار الدفاع عن "المحور"

عام 2003، سأل قيادي في حزب الدعوة قادم من خارج البلاد، صديقاً لي، عن موقع منطقة الحسينية في بغداد. هذا السياسي وغيره كثيرون خرجوا من البلاد بسبب قمع نظام صدام حسين، وحين عادوا، لم يعودوا إلى الناس، بل إلى البروج. والمنطقة الخضراء هي الرمز الأكثر تعبيرية ووضوحاً عن تلك الصروح المعزولة التي لا يسمع فيها سياسي شعباً، ولا يدرك فيها مسؤول كيف تفكر أمة وماذا يجري في جنباتها.

الانتقال من الخارج إلى الداخل بشكل مباشر دون المرور بدورة اجتماعية كان وما يزال مفسدة كبيرة، وقعت فيها جلّ الجماعات الحاكمة. وحتى مَن كان داخل العراق، خرج من مجتمعه إلى أروقة الحكم دون مواكبة للتطورات التي حصلت خلال 16 عاماً.

طبيعي ألا يفهم المسؤولون في السلطة الحاكمة مجتمعهم. وربما كان "التكتك" هو أسمى تعبير عن الحد الفاصل بين الناس والساسة. فلا سياسي إلا ويمتلك سيارة رباعية الدفع، ومعه جوقة من "الرباعيات"، مع الاستئذان من عمر الخيام، يجاورها مجتمع فقير، وشباب تخرّجوا من قاعات كلياتهم إلى واقع صعب بلا عمل وبلا مال. وهناك عشرات آلاف الأسر كانت تعيش في العشوائيات أخرجت منها، ومثلها تعيش على "بسطيات" مدت على الأرصفة للارتزاق وحطمتها حكومة عادل عبد المهدي.

تلك الشرائح المسحوقة أو الموجودة تحت خط الفقر، عبّر عنها التكتك. عربة لا هي بالسيارة ولا هي بالدراجة، هي ليست للاستعراض كالدراجة ورباعيات الدفع، إنما جهاز صغير وسط سيطرة المكائن الكبيرة.

هذا الفقر القاتل لم يفهمه أي من السياسيين. لم ينتبهوا إليه. ظنوا أن إيران ستبقى قويّة بما يكفي لتحميهم، وأن الدين غطاء أبدي سيمنع عنهم صرخات الألم التي يطلقها شعب قطعت أوصال أجساده المفخخات ومعارك داعش والفقر والاستهتار الحاكم الذي لا يقل تسببه بالألم والوجع عن الزرقاوي والبغدادي.

لكن الفقر ليس وحيداً، هناك شباب وسطه تثقفوا، وعوا، تعلموا، جرّبوا، اكتشفوا العالم الرحب، يريدون تجربتهم، لكنهم مسلوبو الإرادة. فجاءت الانتفاضة لتعبّر عن إرادتهم.

هؤلاء الفقراء أو الذين انتفضوا من وسط محيط فقير، هم المعبّرون عن الأكثرية التي قاطعت انتخابات عام 2018، قاطعتها ليس عزوفاً فقط، بل جزء كبير منها قاطعها بقرار مسبق، بإرادة ونشاط. إنها أهم مقاطعة حصلت في عراق ما بعد صدام.

لم يفهموا بعد

غير أن الحاكمين لم يفهموا بعد. خلال نحو شهر وأصواتهم ترتفع رفضاً لأي خيارات لا تشبه حجم الانتفاضة والدماء التي سفكت. وخلال الفترة نفسها يتلاعب أصحاب القرار السياسي بالأدوات نفسها، قتلاً وإرهاباً وتشويها، ثم بعد أن شغر منصب رئاسة الحكومة، طرحوا الأسماء والأسماء التي تشبه بعضها، إما كشخوص ضعيفة يقف خلفها نوري المالكي أو غيره، أو كشركاء في لعبة النهب بشكل أصيل، برغم من أن الشارع يصيح "لا"، واضعا "كروساً" تلو آخر على صور المرشحين.

تنازل المحتجون عن مطلب إسقاط عاجل للحكم، ورضوا بأن يدير البلاد لفترة انتقالية قبل الانتخابات المبكرة، شخص له موصفات يرضون عنها. غير أن الحاكمين لم يفهموا الفرصة، ظنوا أن التلاعب ممكن، واعتقدوا أن بمقدورهم طرح اسم يكون أمراً واقعاً، حتى تنتهي التظاهرات إلى الملل أو تصبح بمواجهة الشعب بعد أن يمل ويطالب المتظاهرين بالعودة إلى البيوت والمعتصمين بفض الاعتصام وفتح الساحات.

الجيّد وسط هذا أن موقف رئيس الجمهورية برهم صالح بدا جيّداً. ما توفر من معلومات يقول إنه بالفعل لا يريد مرشحاً من الكتلة الكبيرة أو الكتل الصغيرة إلا بما ينسجم مع مطالب المحتجين أو المنتفضين. وهناك مَن يتحدث عن مشادة كلامية بينه وبين زعيم كتلة الفتح وقائد الحشد هادي العامري بعد أن رفض صالح تسمية قصي السهيل كمرشح لرئاسة مجلس الوزراء. ولكني أخشى أن تكون هذه المعلومات المسرّبة جزءاً من لعبة الساسة نفسها، كي يمرروا في نهاية المطاف شخصاً غير متوقع، فيكون الرئيس نفسه جزءاً من اللعبة.

ما لا تدركه الجماعات السياسية المصرّة على موقفها مع إصرار الانتفاضة على الحد المعقول من التغيير، أن البديل سيكون مدمراً لها بشكل كبير إن لم تستعجل. هناك احتمالات لتدويل القضية العراقية وإعادة الأمور إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وعندها يعود البلد إلى ما تخلص منه منذ عام 2003، أي إجراءات أممية وإمكانية تدخل خارجي، فضلاً عن احتمال تحوّل البلاد إلى منطقة صراع عسكري أكثر شراسة مما يجري الآن.

لا أظن أن الحاكمين يدركون الخطر جيّداً، ما يزالون يرون مَن هم في الشارع مجرد مؤامرة ينفذها صبيان يمكن السيطرة عليهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard