"كل ما كنا نسمعه غير حقيقي"... شباب فلسطينيون يتحدثون عن تنقلهم الأول بين الضفة وغزة

الاثنين 30 ديسمبر 201907:21 م

فكرت الشابة العشرينية إيمان أبو زاهر التي تسكن مدينة غزة كثيراً قبل أن تقرر فتح سجل ذاكرتها للحديث عن تفاصيل ما رأته خلال الزيارة الأولى لمدن الضفة الغربية والداخل المحتل عام 2015، بعد سنوات طويلة من الحرمان.

تقول في حديثٍ لرصيف22: "فكرة أن تتمنى زيارة مدنٍ من وطنك مخيفة جداً، وهذا الشعور سكنني طوال الوقت قبل الرحلة"، مضيفةً "الليلة التي سبقت المغادرة كانت صعبةً ومرّت كأنها سنوات. مزيج من القلق والفرح شكل حالةً لم أقوَ على تفسير معانيها حينذاك".

مرّ الوقت ثقيلاً على حاجز "إيرز" الإسرائيلي. هناك، تعرضت إيمان ومن معها من شباب غزيين- كانت مؤسسة دولية قد اختارتهم لحضور تدريبٍ خاص بإشرافها داخل مراكزها في الضفة الغربية- للتفتيش الدقيق من قبل أجهزة الأمن الإسرائيلية. كان الجنود منهمكين في نبش الحقائق بينما عيون الفريق تراقب ما وراء الحاجز.

جاءت ساعة الفرج. تخطت المجموعة الحاجز بدقات قلبٍ متسارعة وفرحةٍ كبيرة، والمفاجأة كانت حين علمت أن ساعة واحدة تفصل مدينتي عن رام الله.

توضح الشابة أنهم قرروا النزول وسط المدينة للتجول في شوارعها وأسواقها، قبل الذهاب إلى الفندق، وهذا ما حصل. ظلوا طوال ساعات يتأمّلون التفاصيل فحسب.

وتروي إيمان عن اللهفة العارمة التي استقبلها بها أقرباؤها في الضفة وهي لم ترَ أياً منهم خلال السنوات الفائتة بشكلٍ مباشر، لافتةً إلى أن أفضل ما حصل في تلك الزيارة هو تزامن توقيتها مع احتفالات عيد الميلاد التي كانت حريصة جداً على حضورها في مدينة بيت لحم حيث عدد من الأماكن المسيحية المقدسة.

بحسرة تكمل: "المدينة في كل أيام السنة شيء، وفي تلك الأيام شيء آخر مختلف لا يمكن العقل تصوره، أو بالأحرى لا يمكن الغزي تمني حضوره بسبب الإجراءات الإسرائيلية"، مشيرةً إلى أنها في تلك اللحظات شعرت لأول مرة في حياتها بالمعنى الحقيقي لجمال فلسطين الذي لطالما سمعت عنه في القصص وشاهدته من خلف شاشات التلفاز.

ويحتاج الفلسطينيون الراغبون في التنقل بين قطاع غزة وباقي الأراضي الفلسطينية لتصريحٍ يمكنهم من تجاوز حاجز بيت حانون "إيرز" المسيطر عليه من قِبل إسرائيل التي تمنح الفلسطينيين تصاريح تتيح التنقل بين المناطق المحتلة عبر نظام يختلف بين الضفة الغربية وقطاع غزة ويضم حوالي 74 نوعاً.

وتتعامل إسرائيل بهذه الآلية منذ احتلالها القطاع عام 1967، فيما زادت القيود التي تضعها على حركة المواطنين عبر الحاجز منذ انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000.

"بلاد أشبه بالجنة"

مازن إبراهيم (28 عاماً) يعمل مع مؤسسةٍ دولية لها فروع في معظم الأراضي الفلسطينية، ويوضح في حديثه لرصيف22 أن الحظ إذا كان قد حالفه في حياته فهو فرصة عمله التي مكنته من زيارة أراضي الضفة الغربية خمس مرات خلال السنوات الأربع الأخيرة.

يسمح الاحتلال لفئات معينة باجتياز حاجز "إيرز"، كالمرضى، والتجار، والموظفين في منظمات دولية  والمسافرين إلى الأردن وذوي المعتقلين.

يعتبر مازن أن المرة الأولى كانت مختلفة، وقد أدهشته مدينة رام الله بتفاصيل عمرانها وحياة أهلها البسيطة برغم كل ما يحيط بها من مشكلات وازدحام.

ويقول: "إسرائيل لم تمنحني التصريح بسهولة. رفضت أكثر من مرة استخراجه لي، على الرغم من أن من كان يقدم أوراقي إلى الدائرة المختصة هو مؤسستي الدولية التي تطلع إسرائيل على تفاصيل عملها كاملةً".

ويضيف مازن: "حالما عرف أهالي الضفة أني من غزة تغيرت معاملتهم لي لإيجابية عالية وأحاديث ملأى بالحب والشجن عن الوطن، وكانوا يصرون على استضافتي في بيوتهم. وقد اصطحبني أحدهم لمنزله في الخليل كي يعرّف عائلته عليّ، ويقول لها هذا صديقي من غزة".

ويشرح لرصيف22: "في الفترة التي سبقت زيارتي الأولى للضفة حيث مكثت عند أقرباء أمي في محافظة نابلس، لم أجرؤ مرةً على تقديم تصريح لأني لا أُصنَّف ضمن الفئات التي تسمح لها إسرائيل بتجاوز الحاجز الذي يفصل بين القطاع والأراضي المحتلة والضفة الغربية".

وقبل ستة أعوام، لم يكن يدرك الشاب عمار سليمان (31 عاماً) الذي يسكن محافظة خان يونس جنوب القطاع أن حلمه بزيارة مدن الضفة الغربية قد يصير واقعاً، لكنه اليوم، بعد أن عاش التجربة عدة مرات، صار يعي تماماً ماذا يعني أن تكون قريباً من أرضك المحتلة التي لطالما حاول كثيرون إبعادك عنها بطرائق مختلفة.

يصمت عمار قليلاً قبل الإجابة عن سؤال يتعلق بالمشاعر التي ساورته في اللحظة الأولى التي وطئت فيها قدماه الأرض المحتلة. ويقول: "شعرت بأني ملك للدنيا كلها. زرت مدن طولكرم ورام الله والخليل ونابلس وطوباس وأريحا، لكني إلى اللحظة لم أزر القدس كون إسرائيل تصنفها ضمن الأراضي المحتلة عام 1948، وترفض دخول غير حاملي الجنسية الإسرائيلية".

ويسمح الاحتلال الإسرائيلي لفئات معينة باجتياز حاجز "إيرز"، كالمرضى ومرافقيهم، والتجار، وعدد قليل من أصحاب الحاجات الخاصة، والموظفين العاملين في المنظمات الإنسانية الدولية، والمواطنين المسافرين للأردن عبر جسر اللنبي، وذوي المعتقلين لزيارة أبنائهم في السجون (الإسرائيلية) وعدد من كبار السن للصلاة في المسجد الأقصى، وذلك في ظل إجراءات أمنية معقدة.

من الضفة لغزة

في 12 آذار/ مارس عام 2018، كان الشاب ماهر صرصور الذي يسكن مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة، على موعدٍ لزيارة غزة برفقة فريقه المكون من 4 أشخاص والفائز على مستوى الضفة بمسابقة المناظرات التي تعقدها مؤسسة فلسطينيات بشكلٍ سنوي. يقول: "كل ما كنا نسمعه عن غزة في الإعلام غير حقيقي، فالصحيح هو أن أهلها هم أحق الناس بالحياة".

من وجهة نظره، يظهر في تلك البقعة الجغرافية التي تبلغ مساحتها 365 متراً مربعاً، والمحاصرة من قبل إسرائيل منذ 13 عاماً، نظام الإقطاعية لكن بأسلوبٍ مختلف، فالطبيعي، بحسب كلامه، أن تكون "الإقطاعية" بين الشعب والشعب، لكنها "في غزة بين الحكومة والشعب، لقمة العيش هناك مغمسة بالعرق وأحياناً بالدم، الناس منهكة من كل تفاصيل السياسية، وأضحت تفضل أن تكون هامشاً في كل العمليات السياسية الداخلية، لأن كل ما يُفرز من تلك العلميات يأتي لها غالباً بالشر".

"فكرة أن تتمنى زيارة مدنٍ من وطنك مخيفة جداً، وهذا الشعور سكنني طوال الوقت قبل الرحلة"... كانت تلك الرحلة الأولى لإيمان خارج مدينة غزة، وقد فوجئت أن رام الله لا تبعد سوى ساعة
من غزة للضفة ومن الضفة لغزة... شباب تنقلوا للمرة الأولى خارج الحدود التي رسمها لهم الاحتلال، اكتشفوا تفاصيل بلادهم الجميلة وقابلوا أقرباء لهم، يحكون تجاربهم خلال تلك الزيارات والانفعالات التي سكنتهم 

ويسرد الشاب عمر الزعتري وهو من رفاق صرصور في الرحلة لرصيف22 شعوره عند دخول غزة. يقول: "سحابة وقت طويل تسمرت أمام الحاجز متأملاً التفاصيل التي لا تفصلني عنها سوى ساعة واحدة وبعض الحواجز التي حوّلت الساعة إلى 24 عاماً التي هي عمري".

ويتابع: "إسرائيل تعلم جيداً ماذا يعني أن يغيب شخص عن أراضي وطنه لسنوات، وتعي كم الفجوة التي يمكن أن تتولد لديه بسبب ذلك، لكنها لا تعرف أن الفلسطيني مختلف بطبعه وبذاكرته الحية".

في يومه الأول داخل غزة عاش عمر برفقة فريقه، على مقربةٍ من البحر، وتنفس هواءه، وعن ذلك يخبر: "طوال عمري أسكن مدينة الخليل جنوب الضفة، ولم أرَ بحراً إلا في ذلك اليوم. كل شيء مختلف في القطاع، الحصار أثّر على سبل العيش والرزق، لكنه لم يغيّر في طبيعة الناس الطيبين الذين استقبلونا بمشاعر الود. وكم تمنيت أن تعيد الأيام نفسها كل ثانية، لأحياها من جديد".

الحب والتعب

تحكي شهد إمام (21 عاماً) عن شعورها لدى دخول غزة باعتباره وحده حكاية مبهجة، لكنها في الوقت نفسه حكاية مرهقة جداً.

وتروي تفاصيل لقاء الأحبة وأبناء تلك البلاد الذين حرموا زيارة مدنها على مدار السنوات الطويلة، وعن اللحظات التي عاشتها مع الناس البسطاء. طوال الرحلة المرهقة كان عقلها، كما تقول، مسكوناً بالشوق والذكريات بعدما غادرتها إثر زيارة استمرت أربعة أيام.

في اليوم الثاني للزيارة كانت شهد وفريقها على موعدٍ بدأت تفاصيله مع ساعات الفجر الأولى، إذ كانوا حريصين على زيارة حوض الميناء الرئيسي الواقع غرب مدينة غزة لمشاهدة الصيادين العائدين من البحر.

تقول: "لمسنا الحب والتعب في عيونهم فور علمهم أننا من مدينة الخليل، وأخذوا يحدثوننا عن الماضي الجميل وذكرياتهم مع أهل مدينتنا، وعرفونا على أصناف الأسماك الطازجة، وأخبرناهم أننا لم نأكلها طوال حياتنا إلا ممزوجة بالمواد الحافظة".

بدوره، يذكر عمار أبو حسين (24 عاماً) أن رحلة غزة امتزجت بالحلم الذي لطالما راوده أثناء نومه والأمل الذي كان يلازمه في كل أوقاته الأخرى، فالمكان الأبعد لتفكيره في هذا العالم وجد نفسه فيه وبين سكانه.

يخبر أنه خلال الأيام الأربعة التي قضاها في القطاع، وعلى مقربةٍ من بحره كان مثالاً للشاب النشيط الذي ينام آخر الليل ويصحو باكراً ليبدأ يومه حريصاً على استثمار كل ثانية منه.

"على الشاطىء ركضت، واقتحمت أمواج البحر في أيام مارس الباردة وجمعت الصدف، وتبادلت الأحاديث مع الكثير من أهل غزة، وتناولت السمك الطازج الذي أخرجه الصيادون على مرأى مني، وعرفت الفرق بينه وبين الذي تعودت أكله طوال السنوات الماضية"، يقول عمار منبهاً إلى أنه كان مهتماً بتفاصيل بعض الأشياء التي ما برح يسمعها عن أهل غزة مثل حبهم للفلفل الحار، وعلاقاتهم بالبحر، وكيفية تأثير الحصار على حياتهم.

"في اليوم الأخير في غزة، زرنا مزارع الفراولة المعلقة في أقصى المناطق الشمالية حيث وجدنا الجنة على الأرض"، يقول عمار خاتماً قصة حلم وأمل عاشهما بضعة أيام لن ينساها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard