الثورة السودانية جعلتني أؤمن أن هناك نهايات سعيدة ممكنة

الثلاثاء 24 ديسمبر 201912:44 م

بعد عام من الثورة، تبدو الأحداث من الداخل فوضوية، لا يكاد يستقر ذهني في الحالة الراهنة، بل يقفز إلى الأمام والخلف باستمرار، لكنني في المجمل ممتنة ومتفائلة ومطمئنة.

يسألني صديقي أحياناً عن رأيي في شأن ما، فيجدني أفسّر الأخبار بطريقة الظن الحسن حتى يثبت العكس، لقد أعادت لي الثورة نظرتي الرومانسية للحياة، فصرت كسابق عهدي أؤمن بأن هناك نهايات سعيدة ممكنة.

الانتماء والامتنان للثوار والثورة

الثورة السودانية بتعقيدها، يمكن شرحها كعمل جماعي، من حيث إنها لا تعتمد على قائد واحد، فهي تطلبت جهود ملايين من المواطنين وتكاتف المختلفين من الأحزاب والمتخاصمين من الإخوة، لتصبح واقعاً. لذلك، وجودي فيها ولو بهتاف لساعة واحدة، هو مُجدٍ، وهذه القيمة، أعني جدوى الوجود، هي أعلى منزلة يمنحها الوطن.

أنا الآن أملك قدرة التغيير، مع أبناء وطني وأنظر لهم بامتنان وإعجاب وزهو، ولا ريب... فإن الشعوب تشحن عاطفياً في الأزمات، بالقضية الواحدة والمصير المشترك، امتزجت أهدافنا وتوحّدت القضايا في همٍّ محوري.

في هذا العام، اختلطتُ بأهل البلاد كما لم أفعل طيلة عمري فكرياً وروحياً، خاصة سودانيي الثورة الفعّالين فيها، سواء كانوا في الداخل أو في المهجر.

عودة التفاؤل

في التاسع عشر من ديسمبر عام 2018، أحرق مبني الحزب الحاكم في مدينة عطبرة، هكذا سيسجل التاريخ بداية مسيرتنا للخلاص، لكنني في ذلك اليوم قلت عبر تويتر: "أبحث عن المحبطين أمثالي وألوذ بالصمت".

حسناً، سأسامح نفسي على تشاؤمها وقلة أملها، مررنا، نحن جيل الألفية، بإحباطات متتالية، وانتقلنا من ربيع عربي مشرق لداعش، من توحّد خلف القضية الفلسطينية لترويج التطبيع مع إسرائيل، ومن نظام البشير الذي أخفي عن الخرطوم بشاعاته المفرطة، لما يزيد عن 200 شهيد في مظاهرات العاصمة عام 2013. الأمور تسوء باستمرار. ثم ماذا عن عالم يُقتل فيه صحافي في سفارة بلاده، أننا في عصر جرأة الدكتاتور! فكيف يسقط النظام إذن؟

اخترقت الثورة حاجز توقعاتي مرة تلو مرة، فعدلتها وهذبت النفس لتؤمن، وشيئاً فشيئاً ذهبت عني غمامات التجارب السيئة.

لكن رغم ذلك، فمستحيلنا الأكبر بات خلف القضبان، وحكم عليه مخففاً بعامين، وما زلنا نترصّده بسلسلة من القضايا، ومازلت، وكثيرون مثلي، ننتظر الدفع به للمحكمة الجنائية الدولية. لقد سقط البشير، البقية أقل صعوبة، استغرقت شهوراً لأعود لقناعتي أنه عمود النظام الذي بانهياره ننتصر.

اخترقت الثورة حاجز توقعاتي مرة تلو مرة، فعدلتها وهذبت النفس لتؤمن، وشيئاً فشيئاً ذهبت عني غمامات التجارب السيئة. بت أنظر للطرقات فأرى إمكانية أن تكون مزدانة بالأشجار ومليئة بالعائلات السعيدة في بيوت جميلة وصحية. أشاهد الناس فأسعد بهم ولهم... سنقضي على الفقر والنزوح والتشرد، سيعود الفرح والسرور محموداً.

ولو بعد سنوات، مهما تقلبت الأحوال مع صعود وهبوط الميزانية والديون، في دورات وحكومات ديمقراطية تخطئ وتصيب، على الأقل لدينا غد ممكن نسعى إليه وسندركه، لدينا بلد حر.

 سأسامح نفسي على تشاؤمها وقلة أملها، مررنا، نحن جيل الألفية، بإحباطات متتالية... الأمور تسوء باستمرار. ثم ماذا عن عالم يُقتل فيه صحافي في سفارة بلاده، أننا في عصر جرأة الدكتاتور! فكيف يسقط النظام إذن؟

يقول الشباب "الحل في السمبك"، و"السمبك" هو مسمى قوارب الهجرة المميتة التي تعبر بك البحر إلى أوروبا. بعد الثورة، تعددت الحلول والحمد لله، أولها بناء وطن نرغب في البقاء فيه حتى الشيخوخة

الاطمئنان والرغبة في البقاء

لطالما اعتبرتُ مكوثي في السودان فترة مؤقتة مهما طالت، المقربون مني يعرفون خططي المختلفة للخروج من البلد، فهو الحل الفردي المتاح في غياب دولة العدالة الاجتماعية وخاصة في انعدام الحريات. هنالك خلف البحار، وطن بديل ينتظرني.

يقول الشباب "الحل في السمبك"، و"السمبك" هو مسمى قوارب الهجرة المميتة التي تعبر بك البحر إلى أوروبا. بعد الثورة، تعددت الحلول والحمد لله، أولها بناء وطن نرغب في البقاء فيه حتى الشيخوخة.

لم أسعد قط بعام أمضيته في بلادي بقدر غبطتي أن الله قدّر لي تأخير رحلة الاغتراب، فتمكنت من معاصرة عملية اقتلاع الظلمات. اليوم أنا مطمئنة، أشعر أن لي جذوراً، وأن أسوء جرائم الدكتاتور هي تجريدك من الأرض، فتتوهم أنه يملكها ولا حق لك بها، كما لو أنك ضيف أو عابر سبيل.

لكنه مخطئ، فلنا ألف حق في هذه الأرض. مثل حقنا في تفاصيل الحياة الصغيرة التي بدأنا ممارستها مؤخراً، كأن نرتدي ما نشاء ونقول ما نريد، فنحن في بلادنا، في منزلنا الكبير، هذه الطمأنينة هي المواطنة ونحن استعدناها… فمرحى لنا!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard