هل ظلمت الأغاني الطويلة فايزة أحمد؟

السبت 21 ديسمبر 201904:34 م

تمر علينا اليوم، الحادي والعشرين من كانون الأوّل/ ديسمبر، ذكرى رحيل فايزة أحمد، واحد من أجمل الأصوات السورية، وأحد أهم الأصوات النسائية في تاريخ الأغنية المصرية، رحلت فايزة عام 1983 بعد معاناة مع المرض، وتركت لنا تاريخاً من الأغاني لا يُنسى ولا يمكن تجاهله، واستمرت في الغناء حتى آخر أيامها، كان الغناء هو ملاذها من كل معاناة الحياة.

فايزة صوت لا يمكن مقارنته بأي صوت آخر، حتى بصوت أم كلثوم، لا لأنه الأعظم ولكن لأنه له بصمة لا يمكن أن تخطئها الأذن، سيتعرف عليها المستمع من أول كلمة تغنيها، كان صوتها متفرداً عن معاصراتها، لم تقلد أحداً، امتلكت بحّة في صوتها ميزتها عن الجميع، صوت فايزة صوت غير مبهج وغير حزين، صوت محير، يضعك في حيرة، يتركك تشعر بما تشعر، صوتها أقرب للحياة بكل ما تحمل من تناقضات ونواقص أيضاً، صوت يجبرك على الوقوع في حبه والتعايش معه، صوت قال عنه محمد عبد الوهاب: كريستال مكسور.


وُلدت عام 1930 في صيدا بلبنان لأب سوري، وعاشت طفولتها بين لبنان وسوريا. اكتشفها الموسيقار الفلسطيني رياض البندك، وعملت في إذاعة حلب وإذاعة دمشق وهي شابة صغيرة، حتى جاءت مصر وانطلقت من الإذاعة المصرية، لتبدأ رحلة طويلة وهامة قدمت فيها كل أشكال الغناء داخل مصر وخارجها، كانت صوت فايزة يسحر من يسمعه، يجبره على الوقوف صامتاً في محرابها.

أحب صوت فايزة بشكل شخصي، دائماً ما يثير فضولي سؤال لماذا غنت فايزة أغاني طويلة؟ ما السر في تقديم أغان طويلة، وما هي الظروف وقتها، وهل نجحت تلك الأغاني في وقتها؟ وهل مكنتها تلك الأغاني من إثبات نفسها للجميع، أم إنها أضعفت مسيرتها وأضاعت علينا فرصة أن نستمع لأغاني فايزة القصيرة أكثر؟

لم تكن فايزة الوحيدة التي قدمت أغاني طويلة في تلك الفترة، ما بين منتصف الستينيات والسبعينيات، أغلب أبناء جيلها قدموا تلك الأغاني الطويلة، مثل وردة، نجاة الصغيرة، ميادة الحناوي، عزيزة جلال وغيرهن. إذن، في البداية الأمر لم يكن ابتكاراً أو تفرداً من فايزة في تلك المرحلة، بل كان جزءاً من مجاراة السوق والساحة الغنائية ومتطلبات الحفلات، خاصة حفلات الخليج والوطن العربي، كانت موضة تلك الوقت.

لكن ماذا يدفع أولئك المطربات للأغاني الطويلة؟ أعتقد أن الأمر كان يتعلق بنقطتين مهمتين، بجانب ما تم ذكره سابقاً، النقطة الأولى، كانت ابتعاد المطربات عن السينما في تلك الفترة، إما لأنهن لم ينجحن فيها، أو لأن هناك نجمات أخريات ظهرن على الساحة السينمائية، إضافة لقلة الأفلام الغنائية، وفايزة، رغم إنها مثلت في عدة أفلام إلا أنها لم تكن ممثلة جيدة، ولم تكن تتمتع بالجمال الصارخ الذي يُجبر المنتجين على التغاضي عن مهارة التمثيل، لذلك قدّمت ستة أفلام فقط كممثلة، آخرها كان "أنا وبناتي" في عام 1961، كانت السينما تجبر على تقديم أغان صغيرة وخفيفة، ستجد أن أشهر أغاني فايزة هي أغان من أفلامها.



والسبب الثاني كان السير وراء أم كلثوم ونجاحها في تقديم الأغاني الطويلة، تزامناً مع بداية تقديم أم كلثوم أغاني طويلة مع ملحنين شباب في ذلك الوقت، مثل بليغ حمدي ومحمد الموجي، ومحاولة أم كلثوم الوصول للأجيال الجديدة، فتح السكة لمطربات الجيل الجديد لتقديم أغاني طويلة، وكان بالطبع فايزة واحدة منهن، فقدمت عدة أغان طويلة مثل "غريب يا زمن، رسالة من امرأة، إزاي أنساك، خليكو شاهدين، أيوة تعبني هواك، أحلى طريق في دنيتي، حبيبي يا متغرب، قول لكل الناس، علمتني الدنيا، وقدرت تهجر، نقطة ضعف، مش كتير على قلبي، لا تدخلي، لا ياروح قلبي".



كان نصيب الأسد في تلحين الأغاني الطويلة وأغاني فايزة عموماً، هو لزوجها ورفيقها محمد سلطان، بجانب مشاركة من بليغ حمدي، محمد عبد الوهاب، سيد مكاوي ورياض السنباطي، محمد سلطان للأسف ليس ملحناً مهماً في تاريخ الموسيقى المصرية، وكان سبباً في ضعف ألحان كثيرة لفايزة وعدم استغلال إمكانيات صوتها بالشكل الأمثل، خاصة في الأغاني الطويلة، هو ملحن متوسط، له ألحان جيدة وناجحة، خاصة في مرحلة الأغاني الشعبية مع عبد الرحمن الأبنودي، لكن أن يكون الملحن الأكثر تلحيناً لها على مدار تاريخها الفني، كان ذلك سبب هام في ضعف هذه الألحان.



أما السبب الثاني هو إصابة المستمع بالملل من اللحن والأداء. الألحان في تلك الفترة كانت وكأنها وجبة بها كل الأنواع والأصناف، ستجد أغلب الأشكال اللحنية في الأغنية الواحدة، من كلاسيك إلى استخدام الآلات الجديدة في وقتها، مثل الأكورديون والجيتار والأورج، ثم جزء به إيقاع وجزء فلكلوري شعبي، وكأن المطربة ستقدم أغنية واحدة في الحفلة تحمل جميع الأشكال اللحنية، لم تكن هناك وحدة محددة للألحان إلا في قليل منهم.

فايزة صوت لا يمكن مقارنته بأي صوت آخر، حتى بصوت أم كلثوم، لا لأنه الأعظم ولكن لأنه له بصمة لا يمكن أن تخطئها الأذن، سيتعرف عليها المستمع من أول كلمة تغنيها، كان صوتها متفرداً عن معاصراتها، لم تقلد أحداً

كان نصيب الأسد في تلحين الأغاني الطويلة وأغاني فايزة عموماً، هو لزوجها ورفيقها محمد سلطان، بجانب مشاركة من بليغ حمدي، محمد عبد الوهاب، سيد مكاوي ورياض السنباطي، لكنه للأسف ليس ملحناً مهماً في تاريخ الموسيقى المصرية، وكان سبباً في ضعف ألحان كثيرة لفايزة

أما بخصوص الأداء، فقد تحدث عمار الشريعي في أحد حلقات "غواص في بحر النغم"، أن أم كلثوم تكرر المقاطع بطرق متعددة، لذلك لا تشعر بالملل معها، ومع أم كلثوم يوجد تطريب بشكل أكبر من أي شيء أخر، أما مع فايزة وغيرها لم يكن هناك مساحة للتطريب، وكأنك تستمع لأغنية واحدة في كل الأغاني.



بكل تأكيد نجحت الأغاني الطويلة في وقتها، وبقيت في أذهان مستمعيها، لكنها لم تستمر ولم تتجاوب معها الأجيال التالية، وضاعت مقاطع كثيرة جميلة داخل كل أغنية، كان من الممكن أن تكون أغنية قصيرة جميلة، مثل ما ضاع على فايزة التعاون بشكل أكثر مع الموجي بدلاً من محمد سلطان، الموجي هو أكثر الملحنين فهماً لصوت فايزة وتقديراً له، وبالطبع استفادت فايزة من الأغاني الطويلة في وقتها، خاصة أنها لم توفق في عالم السينما، وكان عليها مواكبة الوقت والاستمرار في الغناء، وأضرها بأن أغاني كثيرة قصيرة لم تأخذ حقها في الغناء.

لفايزة أغان كثيرة جميلة ولا تقل جمالاً عن "حمال الأسية" و"حيران" وغيرها من الأغاني القصيرة المشهورة لها، لكن تاهت في طي النسيان، إلا لمن بحث عنها وحاول اكتشافها من جديد، في النهاية وفي ذكرى رحيلها علينا أن نستمع لأغانيها غير المشهورة، ونحاول إعادة اكتشاف فايزة وصوتها، بعيداً عن تحكمات الميديا والتلفزيون والإذاعة، علينا اكتشاف صوت سيظل واحداً من أجمل الأصوات النسائية في تاريخنا الموسيقي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard