"سنعلّمهم أنه علاقة إنسانية لا حيوانية"... كيف ستدرّس تونس الجنس في المناهج التربوية؟

الثلاثاء 24 ديسمبر 201906:04 م

خلال عمله في ديوان الأسرة والعمران البشري في باردو، في تونس العاصمة، عاين المختص في علاج الأمراض النفسية والجنسية وعضو الجمعية التونسية للطب الجنسي أنس العويني مشكلة تعرّض "عدد مهول" من الأطفال لاعتداءات جنسية وتحرش.

لاحقاً أصبح العويني مشاركاً في وضع أسس مشروع وزارة التربية التونسية لتدريس التربية الجنسية في المدارس بدءاً من العام المقبل، وهو المشروع الذي أثار حفيظة كثيرين اعتبروا الخطوة "منافية لقيم المجتمع"، و"مسقَطة عليه من الخارج"، و"ممولة منه بغرض تعليم الأطفال ممارسة الجنس".

غير أن العويني يؤكد لرصيف22 أن لإدخال التربية الجنسية في مناهج الدراسة أهداف أخرى من بينها أن يعرف الطفل "أنه لا يحق لأحد تدنيس جسده أو الاعتداء عليه"، وسيُحَثّ "على إخبار والديه بالتفاصيل الدقيقة دون خجل في حال تعرّض لانتهاك جنسي، للعمل على تجنب أي تداعيات نفسية وجنسية عليه".

ويعوّل القائمون على المشروع، على أن يضع مشروعهم حداً للكثير من المشاكل الناجمة عن معلومات جنسية مغلوطة، وهو ما حققته تجارب ناجحة في دول أخرى، فالأهداق تتجاوز حماية المراهقين من التحرش بهم.

"العلاقة الجنسية إنسانية"

تجنُّب السلوكيات الجنسية غير السليمة واحد من أهداف تدريس التربية الجنسية في المدارس حسب العويني الذي يوضح: "سنعلمهم أن العلاقة الجنسية بين الطرفين إنسانية بدرجة أولى وترتكز على احترام ومحبة متبادلين وليست حيوانية وشهوانية للوصول إلى المتعة الجسدية فحسب بأي طريقة".

بدورها، ترفض مديرة المرصد الوطني للتربية في وزارة التربية التونسية ليلى بن ساسي الاتهامات الموجهة للمشروع الجديد، وتصفها بـ"الشائعات العارية تماماً عن الصحة". وتوضح لرصيف22 أن أهداف المشروع "هي تعليم الطفل والمراهق قول لا بصوت عالٍ بوجه المعتدي، وتجنُّب أن يعتدي على غيره أو يُعتدى عليه، دون التدخل في معتقداته أو التزاماته أو اختياراته".

ما هو المشروع؟

سيبدأ تنفيذ المشروع الذي وضعته وزارة التربية التونسية، بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس والمعهد العربي لحقوق الإنسان والجمعية التونسية للصحة الإنجابية، في عشر محافظات، إضافة إلى تونس الكبرى، بعد بحث أثبت ارتفاع نسبة التحرش بالأطفال في هذه الأرجاء.

لن تكون هنالك مادة مستقلة مخصصة للتربية الجنسية، وإنما ستُدرج محاور ومفاهيم في مواد تعليمية أساسية، وهي الإيقاظ العلمي والعربية والفرنسية والتربية الإسلامية والتربية المدنية وعلوم الحياة والأرض، حسبما أوضحت بن ساسي.

في كانون الأول/ يناير 2019، ستبدأ المرحلة الأولى من "التجربة"، ثم في أيار/ مايو من العام نفسه، ستجرى عملية تقييم أولى لها، لتحديد إمكانية الاستمرار فيها وتعميمها على كافة أنحاء البلاد أو التريث في ذلك.

وبالتوازي مع مرحلة التقييم الأولى، سيجري اختيار عيّنة من الأطفال الذين درسوا التربية الجنسية ومتابعة سلوكياتهم ومدى تأثير المعارف الجديدة عليهم، على المديين القريب والبعيد، بحسب بن ساسي.

وأكدت مديرة المرصد الوطني للتربية أن إدراج التربية الجنسية في مناهج التعليم سيكون بالاستعانة بخبراء تونسيين في الطب النفسي والاجتماعي والجنسي، لافتةً إلى أن الوزارة وشركاءها عقدوا جلسات لشرح المشروع مع الأولياء والأئمة والوعاظ، لتقديم المعلومات الصحيحة بشأنه.

منطلقات المشروع

أحد الأطراف المشاركة في المشروع هو المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي يقيم مع وزارة التربية التونسية، منذ عام 2011، شراكة تعمل على مسائل لها علاقة بإصلاح المنظومة التربوية.

وكان المعهد قد لحظ ضرورة إدخال مسألة التربية الجنسية في المناهج، بعد رصده تصاعد انتهاكات الحقوق الجنسية والحرمة الجسدية للأطفال والشباب في البلاد، في الوسط المدرسي وخارجه، حسبما توضح مديرته التنفيذية لمياء قرار لرصيف22.

تُجمع الأطراف المشرفة على المشروع على أن "نزيف الانتهاكات الجنسية بحق الأطفال والشباب المنتشر في مناطق البلاد كافة دفعهم إلى اتخاذ هذه الخطوة الملحة لحمايتهم خاصة وأنه كان موضوعاً مسكوتاً عنه"، حسبما تقول بن ساسي.

وتتفق على أن لجوء هذه الفئة إلى الإنترنت للبحث عن معلومات يوقعها في مشكلة استقاء معطيات مغلوطة بشأن العلاقات الجنسية، وكذا الأمر عندما تحاول الحصول عليها من الشارع، وهو ما شجعها على اقتراح فكرة تدريس التربية الجنسية.

يستطرد أنس العويني أكثر في الحديث عن الانتهاكات الجنسية التي يتعرض لها الأطفال من مشاهداته، موضحاً أن "ما يشاع من أرقام وأخبار عن حالات الانتهاكات الجنسية بحق الأطفال لا يمثل شيئاً أمام ما عاينتُه من أرقام مفزعة" لأطفال أو لكبار تعرّضوا لاعتداءات وهم في سن صغير.

تونس ستبدأ بتدريس التربية الجنسية في المدارس... "سنعلمهم أن العلاقة الجنسية بين الطرفين إنسانية بدرجة أولى ترتكز على احترام ومحبة متبادلة وليست حيوانية وشهوانية للوصول إلى المتعة الجسدية فحسب بأي طريقة"
"ما يشاع من أرقام وأخبار عن حالات الانتهاكات الجنسية بحق الأطفال لا يمثل شيئاً أمام حقيقة الأرقام المفزعة"... تونس ستبدأ بتدريس التربية الجنسية في المدارس للحد من ذلك ولمعالجة مشاكل أخرى كثيرة

تُسبب هذه الانتهاكات للضحايا أزمات كبيرة. ويشير العويني إلى أن "الخطر يكمن في أن هؤلاء لا يعلمون أنه وقع اعتداء عليهم ولا كيف يتصرّفون إزاء الفعل أو كيف يتحدثون عمّا أصابهم، وذلك نتيجة جهلهم بكل المفاهيم الجنسية والجسدية".

ويضيف أنه رغم جهلهم بخطورة ما تعرّضوا له إلا أنهم "يعيشون تبعاته بمرارة وحزن، ويصل وجعهم حد كرههم أجسادهم وتوجهاتهم الجنسية فيقعون في اضطرابات كبيرة تصل إلى البرود الجنسي والاكتئاب".

محاولة حلّ مشاكل أخرى

إذا كان الهدف القريب من المشروع هو إيجاد حل للانتهاكات الجنسية التي تُرتكب بحق الأطفال والمراهقين، فإن هدفه البعيد يصل إلى تحسين نوعية الحياة الزوجية للتونسيين والحد من انتشار مجموعة كبيرة من المشاكل التي تجد أساسها في المعلومات الجنسية الخاطئة.

يقول العويني: "وجدنا من خلال دراسة أعددناها أن الحياة الزوجية في تونس تشكو من العديد من الاضطرابات الجنسية وأن الشباب التونسيين يتعلمون أسس التربية الجنسية بطريقة خاطئة عبر مشاهدة الأفلام الإباحية ويستمدّون معطيات خاطئة بشأنها من الشارع، وينتج عن ذلك سلوكيات منحرفة تضرّ بصحتهم الجنسية وبعلاقاتهم الجنسية مع شركائهم، سواء قبل الزواج أو أثنائه".

لاحظ العويني، خلال وظيفته كمعالج أمراض نفسية وجنسية، وجود مشاكل كثيرة بين أزواج سببها غياب التربية الجنسية، من بينها ضعف الانتصاب عند الشباب رغم سلامتهم الجسدية، لأسباب نفسية هي قلة الثقة في قدراتهم الجنسية، وينتج ذلك بالدرجة الأولى عن مشاهدة الأفلام الإباحية.

وبحسب العويني، فإن غياب المعلومات الصحيحة عن أسس العلاقة الجنسية وخطورة المحادثات بين المراهقين والشباب حول قدراتهم الجنسية التي تصل حد المبالغة والكذب تُدخل الشك والوسوسة في نفس الشاب إلى حد مَرَضي يحول دون قيامه بعلاقة جنسية كاملة مع شريكته.

ونتيجة لغياب المعلومات أيضاً، يصيب بعض النساء مرض التشنج المهبلي وهو الخوف المرضي من عملية الإيلاج وينتج عن تربية جنسية خاطئة وصارمة جداً تولّد الخوف لدى المرأة من آلام شديدة من عملية الإيلاج، فتمنع شريكها من إتمام عملية الجماع، بحسب المتحدث نفسه.

ويروي العويني أنه عالج حالات لنساء لم يتمكّنّ بعد شهر أو شهرين أو حتى سنوات من الزواج من إتمام العلاقة الجنسية مع أزواجهن رغم سلامتهن الجسدية، و"ذلك بسبب علاقة المرأة السلبية بهويتها الجسدية والجنسية".

ومن الأسباب الرئيسية الأخرى وراء تدريس التربية الجنسية انتشار عدد من الممارسات المجتمعية التي وصفها العويني بـ"المتخلفة"، وأهمها ما يُعرف "بظاهرة التصفيح" وهي جرح الفتاة قبل سن البلوغ سبعة جروح صغيرة على فخذها الأيسر وجعلها تبتلع حبات زبيب تم غمسها بالدم المراق منها، اعتقاداً بأن ذلك يحميها من التعرض لاعتداء جنسي.

ويعلّق العويني: "الغريب في الأمر أننا نستقبل في العيادات نساء من أسر مثقفة تعرّضن لهذه الظاهرة وتسبب الأمر لهن بمرض التشنج المهبلي منذ سن الطفولة".

الحقوق الجنسية والإنجابية

منذ سنة 2015، يعمل المعهد العربي لحقوق الإنسان على مسألة الحقوق الجنسية والإنجابية في البلاد وعلى كيفية حمايتها، بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس والجمعية التونسية للصحة الإنجابية.

تشرح مديرة المعهد التنفيذية لمياء قرار لرصيف22 أن هذه الأطراف وضعت خطة لتعزيز هذه الحقوق في تونس، ودعمت منظمات المجتمع المدني للعمل أكثر على تعزيزها وإدراجها في برامجها ومشاريعها، كما تعاونت مع صحافيين وإعلاميين لتوعيتهم بضرورة اضطلاعهم بمهمة التثقيف بخصوص هذه القضايا.

ويقدّم المعهد العربي لحقوق الإنسان المساعدة الفنية لوزارة التربية عبر توفير خبراء مختصين لتكوين المدرّسين في مجال التربية الجنسية. وبدأت الأطراف المذكورة، في أواخر عام 2017، بالعمل على إعداد مرجع تدريبي سيساعد المدرسين على تطبيق المعلومات التي سيقدّمونها للأطفال والمراهقين.

تشير "قرار" إلى أن هذا المرجع نهل من بعض التجارب الخارجية الناجحة في تدريس التربية الجنسية، ولكنه راعى خصوصية وطبيعة المجتمع التونسي والمستويات العمرية والمعرفية للأطفال المستهدفين والذين تتراوح أعمارهم من خمس إلى 15 سنة.

وحالياً، العمل جارٍ على تدريب مدرّبين يقومون بدورهم بتدريب المعلمين في المدارس الابتدائية والأساتذة في المعاهد الإعدادية.

الفئات المستهدفة

خلال إعداد الدليل الذي سيُعتمد في تدريس التربية الجنسية، عملت وزارة التربية التونسية وشركاؤها على مراعاة المستويات العمرية والذهنية والنفسية والمعرفية للفئات المستهدفة، لتبسيط المفاهيم وتقريبها منهم.

بالنسبة إلى الأطفال بعمر الخمس سنوات، سيتعرفون على أعضاء الجسم حتى يميّزوا جنس الذكر عن جنس الأنثى وحتى يعتزوا بهويتهم وخصوصيتهم الجنسية ويتعلموا كيفية حمايتها والاعتناء بها، وفق العويني.

أما الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني وعشر سنوات، فسيدرسون مرحلة البلوغ التي ستحدث لهم والتغيرات البيولوجية والنفسية التي سترافقها من تطور في حجم الأعضاء للذكور وبروز الثديين والدورة الشهرية للإناث.

أما فئة الأطفال المراهقين (15 عاماً) فسيدرسون التوجهات الجنسية ومخاطر العلاقات الجنسية الخاطئة كالإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً والحمل غير المرغوب فيه وسيتعلمون كيفية المحافظة على أنفسهم من هذه المخاطر.

* يُنشر بالتزامن على المَنصَّة في إطار تعاون بين الموقعين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard