نتمسك بالأندلس كجزء من تاريخنا العربي... ولكن ماذا عن صقلية؟

السبت 21 ديسمبر 201902:51 م

"ما الذي يمكن أن يكون إيطالياً أكثر من طبق باستا؟" يسأل المؤرخ مايكل سكوت، في وثائقي أعدته قناة بي بي سي عن جزيرة صقلية الإيطالية. تحت عنوان "صقلية، أعجوبة المتوسط" يعلمنا سكوت أن طبق الباستا قدمه العرب، كما يقول سكان الجزيرة أنفسهم، وكما يذكر أيضاً الجغرافي العربي الإدريسي عام 1154.

هنا وئائقي "صقلية، أعجوبة المتوسط":

وهذا ليس آخر ما قدمه العرب، ففترة حكم العرب المسلمين لجزيرة صقلية الإيطالية (827- 1061) تُعدّ من فترات التنوير، وقد بقيت حركات الإصلاح الثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي سادتها في تلك الفترة عوامل مؤثرة في هويتها الحضارية لقرون طويلة، وربما امتد تأثيرها حتى يومنا هذا. ولما كانت هذه الحقبة، وما تزال، محط اهتمام المؤرخين العرب والأجانب لما حملته من غنى ثقافي وحضاري للمنطقة، كان لا بد للمهتمين بتاريخ صقلية الثقافي في الفترة الواقعة بين 827 -1250، أي منذ بداية الحكم الإسلامي للجزيرة وحتى نهاية عهد فريدريك الثاني، الملك الذي تولى مملكة صقلية عام 1198، أن يبدؤوا، كما جرت العادة، بأعمال المستشرق الإيطالي ميكيلي أماري Michele Amari.

أماري (1801- 1889)، الذي ألف كتابي "مكتبة صقلية العربية" و"تاريخ المسلمين في صقلية"، ترك مرجعين من أهم المراجع التوثيقية لتاريخ تلك المرحلة. الأول هو مؤلف يجمع كل النصوص المتعلقة بالتواجد العربي في صقلية منذ القرن التاسع وحتى نهاية القرن التاسع عشر، والثاني هو موسوعة ضخمة عن تاريخ صقلية الإسلامي، موثقة بمراجع عربية ويونانية ولاتينية.

فكيف بدأ الاهتمام بالتاريخ العربي والإسلامي في صقلية، دار الإسلام كما أسماها العرب؟ ومن هو ميكيلي أماري؟ وما أهم ما ذكره عن العرب والمسلمين في أعماله التي شكلت مصادر جوهرية لمراجع لاحقة عن صقلية العربية؟

"ما الذي يمكن أن يكون إيطالياً أكثر من طبق باستا؟"  يسأل المؤرخ مايكل سكوت قبل أن يخبرنا أن طبق الباستا قدمه العرب، كما يقول سكان الجزيرة أنفسهم، وكما يذكر أيضاً الجغرافي العربي الإدريسي عام 1154

قصة مملكة إسلامية-مسيحية أثرتها ثقافة العرب، فشاركت بدورها كاملاً في بناء حضارات المتوسط من حولها... صقلية 
بعد تصوير تاريخ العرب في صقلية بشكل سلبي بسبب الشوفينية العرقية والدينية في بداية فترة الحداثة، وقع على عاتق المستشرقين المتنورين والمتعلمين للغة العربية في القرن التاسع عشر، أن ينقلوا تاريخ العرب في صقلية عن الوثائق العربية الصحيحة ليثبتوا أن العرب "لم يكونوا أعداء الله، بل نقلوا إليها حضارة وعلوماً جديدة"

كيف بدأ الاهتمام بتاريخ العرب في صقلية؟

بعد جهود الجنرال غاريبالدي في توحيد إيطاليا وتوليه للسلطة الإدارية في صقلية في منتصف القرن التاسع عشر، ونيله شهرة واسعة كزعيم وطني، بدأ المستشرقون في صقلية يحاولون إثبات هويتها الفريدة واختلافها عن باقي الأراضي الإيطالية، بالكشف عن غموض التاريخ الإسلامي والعربي الذي لم تترجم وثائقه في الجزيرة.

تذكر البروفيسورة كارلا ماليتي، أستاذة مساعدة في دراسات إيطاليا والشرق الأدنى، في مقالها الذي نشر في مجلة كاليفورنيا للدراسات الإيطالية بعنوان "تدوين التاريخ العربي في صقلية"، أن جهل المؤرخين باللغة العربية جعلهم عرضة للخداع من قبل بعض المزوّرين، وتشير إلى تزوير الكاهن المالطي غوسيبي فيلا لوثائق عن مراسلات عربية مسيئة بين قادة صقليين عرب ونورمانديين مع أمراء المسلمين في شمال أفريقيا، وهذا التلاعب بتاريخ صقلية، على حد تعبير ماليتي، "اعتمد على جهل باللغات التي وثقت تاريخ صقلية والشوفينية العرقية والدينية في بداية فترة الحداثة"، وهكذا وقع على عاتق المستشرقين المتنورين والمتعلمين للغة العربية في القرن التاسع عشر، أن ينقلوا تاريخ العرب في صقلية عن الوثائق العربية الصحيحة ليثبتوا أنهم "لم يكونوا أعداء الله، بل نقلوا إليها حضارة وعلوماً جديدة". فكيف أصبح أماري رائداً بين هؤلاء المتنورين؟

أعمال ميكيلي أماري الذي أعاد إحياء تاريخ العرب في صقلية 

تعلّم أماري العربية في منفاه في باريس التي فر إليها بعد منع أحد كتبه الثورية من قبل السلطات الإيطالية، وهناك استطاع الوصول إلى كل المكتبات التي احتوت على المخطوطات العربية، ومكنته من كتابة التأريخ الأحدث والأدق لصقلية في القرون الوسطى. تذكر ماليتي أن أولى ثمرات جهده، قبل اندلاع الثورة في باليرمو، العاصمة الصقلية، كانت نقله وترجمته لنص الجغرافي الرحالة ابن حوقل عن صقلية في القرون الوسطى. وبعد فشل الثورة، التي غادر باريس لينضم إليها، عاود عمله لينشر عدة مجلدات على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن، واضعاً بذلك أهم مرجع تاريخي عن الموضوع.

ومن ترجمته لنص ابن حوقل (1845) يروي أماري قصة سلسلة من الغزوات التي تتابعت على صقلية، فكانت مصدر قوة لها، ويقارن ماضي صقلية بالتاريخ المختلف عن الدولة العربية الأخرى التي كانت في البحر الأبيض المتوسط، وهي الأندلس. ويجمع بين فكرتين هما ملخص لغزوات صقلية والتاريخ الخفي للجزيرة الذي يجب تسليط الضوء عليه:

"بينما كانت لإسبانيا خصائص المجتمع الروماني الجرماني في عهد الفتح الإسلامي، كانت صقلية لا تزال يونانية ورومانية عندما دخلتها القبائل الجرمانية، فلم يخترقها العنصر الجرماني إلا بعد العرب المسلمين. حيث وجد فيها نبلاء النورماند، الذين يعتبرون فرنسيين بالفعل، نصف مسيحي ونصف مسلم. وذاك الحكم النورماندي الذي امتد سريعاً في جميع أنحاء جنوب إيطاليا، أخذ مضمونه من الحضارة العربية التي سيطرت على صقلية قبله".

ويرى أماري أن الجهد الذي بذله العرب في صقلية من تطوير في الزراعة وأنظمة الري ومختلف أنواع العلوم والآداب، هو ما مهد الطريق لحكم النورمانديين وحوّل صقلية إلى مملكة قوية.

كما نشر أماري عملاً عن التسلسل الزمني للقرآن، وقام بتحرير الكتاب الفلسفي "سلوان المطا" لابن ظافر، وتم تعيينه أستاذاً للغة العربية في بيزا وبعد ذلك في فلورنسا، وكان رائد الدراسات العربية في إيطاليا الحديثة، ولا يزال هو المرجع الرئيسي عن العرب في صقلية، على الرغم من أن حكمه على المسائل الدينية مشوه في بعض الأحيان حيث يتهم بانحيازه لرجال الدين.

مؤرخون آخرون احترموا الإرث العربي ودرسوه 

عاصر أماري اثنين من المؤرخين المهتمين بنفس الموضوع، والذين كانا مدربين على اللغة العربية هما بيترو لانزا (Pietro Lanza) وفينتشينزو مورتيلارو (Vincenzo Mortillaro). 

مدفوعين برغبة منهما للإضاءة على تلك الفترة المجهولة في تاريخ صقلية، ساهم كل من المؤرخين في إيضاح المساهمة العربية في الحضارة الصقلية. فالعرب، برأي لانزا الذي عبر عنه في كتابه "عن العرب وإقامتهم في صقلية"، "جمعوا أجمل ما في الجزيرة، وأضافوا إليه ثمرة علومهم، التي ازدهرت هناك". أما في كتابه "رسائل الماركيز فينتشنزو مورتيلارو"، فقد رأى مورتيلارو أن تاريخ صقلية العربي هو شيء لا يمكن الوصول إليه إلا لمن وصل إلى جذور صقلية، وشاهد عمرانها: "هنا تجد المنتجات العربية، والأحجار، والمال، والمعالم الأثرية بأنواعها، وليس فقط أسماء المدن، وإنما حتى الجبال والحقول والأنهار تشهد على فترة الإقامة الطويلة للمسلمين في هذه المنطقة".

وفي القرن العشرين، عاد الاهتمام بتوثيق تاريخ العرب المسلمين في صقلية، فنشر الكاتب الفلسطيني إحسان عباس كتاب "العرب في صقلية: دراسة في التاريخ والأدب" باللغة العربية، واستند فيه إلى مصادر عربية وأجنبية ليبحث في مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والأدبية في صقلية خلال فترة الحكم الإسلامي لها، بما فيها الشعر الصقلي في تلك الحقبة.

لا عجب أن معظم سكان جزيرة صقلية أخبروا المؤرخ مايكل سكوت في زيارته لها، أنهم ينحدرن من أصول عربية وأنهم فخورون بها

وباللغة الإنكليزية نشر كتاب للمؤرخ والمترجم الباكستاني عزيز أحمد بعنوان "تاريخ صقلية الإسلامية"، وكتاب يحمل نفس العنوان للمؤرخ ليونارد كياريللي، وهو عبارة عن مسح تاريخي سياسي لفترة الحكم الإسلامي لصقلية، إضافة إلى ثلاث دراسات عن البنى الاجتماعية والاقتصادية والحضارية العربية فيها.

ومن الجدير بالذكر أن كلا المجلدين يرتكزان بشكل رئيسي على أعمال أماري في المحتوى والبناء.

عبر تاريخ طويل، كانت السيطرة على صقلية تعني السيطرة على التجارة والحركة في البلاد الواقعة غرب المتوسط ووسطه، ولأنها أكبر جزر المتوسط وبوابة بين العالمين الشرقي والغربي، أثرت المناطق الواقعة على أطرافه، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الهام وإنما لأنها تتمتع بهوية فريدة وجامعة، صاغتها الحضارات المتعددة التي سكنتها من يونان وبيزنطيين وبربر وعرب ونورمانديين.

لا عجب أن معظم سكان الجزيرة أخبروا المؤرخ مايكل سكوت في زيارته لها، أنهم ينحدرن من أصول عربية وأنهم فخورون بها. فإن ما اكتشفه المؤرخون خلال القرن التاسع عشر من وثائق عربية ساعد على قص واحدة من أروع القصص في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى، قصة مملكة مسيحية إسلامية أثرتها ثقافة العرب، فشاركت بدورها كاملاً في الحضارة المتوسطية الناطقة بالعربية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard