"القضية الغريبة جداً"... ماذا حلّ بالفلسطينيين الذين خسروا الجنسية الأردنية؟

الخميس 19 ديسمبر 201912:24 م

أحد عشر عاماً والداخلية الأردنية ترفض تجديد هوية الأحوال المدنية الخاصة بشوقي الأسطل.

شوقي هو أحد الأشخاص الذين عانوا كثيراً من موضوع رفض تجديد هويته الشخصية لدى الأحوال المدنية، ويشرح في حديثه لرصيف22 أنه لا يحمل رقماً وطنياً كونه من أبناء غزة، ومشكلته عدم موافقة الدوائر الأمنية على تجديد أوراقه الثبوتية كلها، فهو محروم من هوية شخصية لتسيير معاملاته فضلاً عن جواز السفر ورخصة القيادة, وقد فقد بسبب ذلك عمله ومصدر رزقه الوحيد.

لم تقتصر الأضرار على عمل شوقي، فمؤخراً تمّ حرمان أصغر أبنائه وهو طالب مدرسة من استخراج هوية يتقدم بها إلى امتحان أساسي (امتحان التوجيهي). 

ولا تزال مسألة سحب الرقم الوطني الأردني للأردنيين من أصول فلسطينية ويحملون هويات فلسطينية في داخل الضفة الغربية -تحت ذرائع مختلفة - تؤرق الآلاف.

"فك الارتباط" وذرائع أخرى

من ضمن الحجج التي اعتمدتها الداخلية الأردنية في تجريد كثير من جنسياتهم الأردنية كانت مسألة "فك الارتباط" بين الضفة الغربية والأردن، وهو القرار الذي اتخذه الملك حسين عام 1988 بإنهاء ارتباط الضفة الغربية إدارياً وقانونياً مع المملكة.

وزارة الداخلية أكدت أنه يحق لكل شخص كان يحمل الجنسية الأردنية وهو من أصل فلسطيني ويحمل وثائق سفر فلسطينية أو إسرائيلية تصويب وضعه واستعادة الرقم الوطني إلا أن المماطلة بقيت تحكم.

وعلى الرغم من أن وزارة الداخلية أكدت في كثير من المرات أنه يحق لكل شخص كان يحمل الجنسية الأردنية من أصل فلسطيني ولديه وثائق فلسطينية أو إسرائيلية تصويب وضعه واستعادة الرقم الوطني إلا أن المماطلة بقيت تحكم المئات من الحالات.

الحجج الأخرى التي اعتمدتها السلطات في سحب الجنسية تمثلت في عمل الشخص في أجهزة ومؤسسات السلطة الفلسطينية وهذا لم يحدث مع كثير من الحالات، أو في حصوله على جواز فلسطيني، أو في زواج أردنية ترجع أصولها إلى الضفة الغربية، أو إقامة أردني من أصول فلسطينية في الأراضي الفلسطينية أكثر من أربع سنوات.

لا تسير الأمور على ما يرام في محاولات استعادة الجنسية... هذا ما يشير إليه شوقي الذي تقدم أكثر من مرة بطلب استرحام وتوجه بشكل شخصي إلى المركز الوطني لحقوق الإنسان وإلى ديوان المظالم وتدخل العديد من أعضاء مجلس النواب لحل قضيته لكن دون أي فائدة، فالرد في كل مرة يأتي من دائرة الاستخبارات بعدم الموافقة.

وبطبيعة الحال، لم يطل الضرر شوقي وحده بل تعداه إلى أسرته، وهو يشير إلى أن الدوائر الحكومية لدى تجديد أي معاملة أو استخراج أي وثيقة رسمية تعرقل معاملاتهم وتتعمد تأخيرها، لافتاً إلى أن تهديدات متكررة وصلته من دائرة الاستخبارات تحمل في طيها رغبة معاقبة أبنائه من الحين والآخر.

يقول شوقي الذي يقيم في الأردن منذ ما يزيد عن نصف القرن: "ولدي الآن لا يستطيع التقدم للامتحان دون هوية وقد عاقبوه بسببي، وتهمتي هي الانتماء السياسي إلى جماعة الإخوان المسلمين ولا تهمة غيرها".

معاناة أخرى لأكثر من عشر سنوات

حكاية أخرى يسوقها مصطفى فواز محمود الذي كان يحمل الجنسية الأردنية قبل عام 2009. قبل ذلك التاريخ، مكث مصطفى في الأراضي الفلسطينية - وتحديداً في مدينة نابلس - حوالي أربع سنوات ونصف لإكمال دراسته في جامعة النجاح الوطنية.

وقتها، لم يكن يعرف أن أربع سنوات من إقامته داخل الأراضي الفلسطينية ستكون ذريعة لدائرة المتابعة والتفتيش في الأردن لاستبدال الكارت الأصفر الذي يعني أنه يحمل الرقم الوطني الأردني بالكارت الأخضر الذي يعني سحب كافة مزايا المواطنة منه والاكتفاء بجواز سفر أردني مؤقت ليس له ميزات على الإطلاق.

الذريعة التي احتجت بها دائرة المتابعة والتفتيش في تجريد مصطفى من جنسيته الأردنية هي أنه مكث أكثر من أربع سنوات في الضفة الغربية، وهذا يعني بحسب حديثه لرصيف22 أن الدائرة طبقت عليه الذريعة الأكثر استخداماً في سحب الجنسية الأردنية من الكثير من الحالات: قرار "فك الارتباط".

وبينما يشير قانون الجنسية الأردنية إلى أن صفة المواطنة يمكن الحصول عليها بالولادة أو بالتجنس، ويتم نقل الجنسية عن طريق الأب الذي يمنحها لأطفاله وزوجته الأجنبية، يلفت مصطفى إلى أن ملابسات وذرائع سحب الجنسية منه غير قانونية، معتبراً أن ما حصل معه قرار سياسي لا علاقة له بقرار بفك الارتباط عن الضفة الغربية.

ويضيف: "جميع أفراد أسرتي، والدي ووالدتي وشقيقي وشقيقتي يحملون الجنسية الأردنية إلا أنا، وهذا بطبيعة الحال يعني أنني بدون حقوق مدنية ولا أملك حق العمل والتملك والتعليم ولا الصحة، حتى أنني متزوج من أردنية لكن أبنائي الصغار يحرمون من كافة حقوقهم كونهم يتبعون والدهم من حيث القانون".

تم سحب الرقم الوطني من مصطفى أثناء عودته من الضفة الغربية إلى الأردن عبر جسر الملك حسين (جسر أللنبي) الذي يربط الضفة الغربية بالأردن. حينها، طلب منه موظفو الداخلية والاستخبارات الأردنية مراجعة دائرة المتابعة والتفتيش لمعرفة مبررات استبدال الكارت الأصفر بأخضر.

كيفية استرجاع الجنسية

قبل مدة، زعمت وزارة الداخلية أنها أعادت نحو 750 رقماً وطنياً لأردنيي الضفة الغربية بتوصية من "لجان التصويب"، لكن هذا الرقم - لو صح - يظل قليلاً مقارنة بأعداد من سحبت منهم الجنسية والمقدر عددهم بـ4000 شخص.

وتفيد السلطات بأن من يرغب باستعادة الرقم الوطني عبر المتابعة والتفتيش التابعة لوزارة الداخلية، عليه تقديم طلب استرحام داخل الدائرة مرفقاً بوثائق عدة من وزارة الداخلية الفلسطينية، على رأسها:

- ورقة أنك لا تعمل في السلطة الفلسطينية.

- ورقة أخرى تثبت بأنّك لا تحمل جواز سفر فلسطيني

- ورقة ثالثة أنّك لا تتقاضى راتب مدني ولا عسكري.

ويتم استخراج الأوراق الثلاثة من أي دائرة للأحوال المدنية تابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية في الضفة الغربية، بالإضافة إلى أوراق لا حصر لها مثل أوراق الدراسة الابتدائية إلى مرحلة الدراسة الجامعية أو الدراسات العليا، وهذا ما قام به مصطفى لمرتين الأولى عام 2009 والثانية عام 2018، وفي المرتين باءت محاولاته بالفشل.

بعد أن تقدم بملفه إلى دائرة المتابعة والتفتيش، طمأنه الموظفون القائمون على ملفات الاسترحام إلى أن موضوعه سيُعرض على لجنة مكونة من وزارة الداخلية والاستخبارات، لكن شيئاً من هذا لم تظهر بوادره الإيجابية بحسب مصطفى حتى اللحظة.

ويربط البعض الأمر بوجود مكتب للارتباط في الاستخبارات الأردنية داخل دائرة المتابعة والتفتيش، وهو من يبت في قضايا استرجاع الأرقام الوطنية ويعطي قراره النهائي والأخير بأحقية استعادة الجنسية من عدمها، علماً أن من لديه خلفيات سياسية يُحرم من حقه في استعادة الرقم الوطني. 

النائب الذي أخذ الموضوع على عاتقه

خلق موضوع سحب الأرقام الوطنية إشكالية كبيرة جداً مع كل القطاعات في الأردن.

ويشرح النائب في مجلس النواب الأردني موسى هنطش الذي أخذ على عاتقه موضوع المطالبة بحقوق من سحبت جنسياتهم وأرقامهم الوطنية عبر مجلس النواب، أن سحب الأرقام الوطنية لم يكن له أسباب واضحة وقانونية، مضيفاً في حديثه بالقول: "نحن نتحدث عن أشخاص مقيمين عاشوا بالأردن ولم يصلوا ويذهبوا إلى الأراضي الفلسطينية، ولم يتزوجوا فلسطينيات أو العكس".

من ضمن حجج الداخلية الأردنية لتجريد كثر من جنسياتهم الأردنية استُخدم قرار "فك الارتباط" بين الضفة الغربية والأردن الذي كان الملك حسين اتخذه عام 1988... آلاف الفلسطينيين انقلبت حياتهم بعد خسارة الرقم الوطني
قام مصطفى بتقديم طلب استرحام لمرتين عام 2009 و2018، وفي المرتين باءت محاولاته بالفشل... قصة آلاف الفلسطينيين مع محاولات استعادة جنسيتهم الأردنية بعد سحبها منهم مستمرة، فما جديدها؟  

ويشير هنطش في حديثه لرصيف22 إلى وجود عائلة كاملة من مخيم الحسين مكونة من 11 فرداً ذكوراً وإناثاً سحبت منهم أرقامهم الوطنية، وأصبحوا بالتالي من دون جنسية وبلا حقوق. لا هم أردنيون ولا فلسطينيون.

وتقدم هنطش شخصياً بهذا الموضوع إلى وزير الداخلية السابق سمير المبيضين الذي تسلم المنصب في شباط/ فبراير عام 2018، قبل أن يتم تعيين سلامة حماد في أيار/ مايو 2019 خلفاً له.

ويلفت إلى أن المبيضين استقبل ملفات متكاملة تتعلق بمن سحبت منهم الأرقام الوطنية، وآليات سحب الجنسية منهم، وتمّ تشكيل لجنة مختصة بهذا الخصوص، لكن استقالة الوزير كانت أسرع من إمكانية الوصول إلى نتيجة إيجابية في المسألة. 

على صعيد آخر، يشير هنطش إلى أنه لجأ قبل عدة أيام إلى أحد المحامين لبحث كيفية رفع شكاوى جماعية على الحكومة الأردنية الي تم من خلالها سحب الأرقام الوطنية، معلقاً: "هناك لا مبالاة من طرف الحكومات الأردنية المتعاقبة ومن طرف وزراء الداخلية والمتعاقبين وحتى من الاستخبارات الأردنية، فعندما سُئلوا عن الأمر تنصلوا منه".

ويعترض هنطش على العديد من الحالات التي تمّ سحب الأرقام الوطنية منها بشكل غير مبرّر، قائلاً: "بعض من سحبت منهم الأرقام الوطنية كانوا في فلسطين لزيارة الأهل وعادوا للأردن مرة أخرى، ثم تمّ استدعاؤهم بعد زيارة الأراضي الفلسطينية، وتوجيه أسئلة لهم على أثرها تم سحب أرقامهم الوطنية".

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن عدد المواطنين الأردنيين من أصول فلسطينية الذين يحملون البطاقات الصفراء يصل إلى 307 آلاف مواطن وهؤلاء يسمح لهم بالسفر إلى أراضي الضفة الغربية عبر جسر الملك حسين، وجميع هؤلاء مهددون بتطبيق إجراء "فك الارتباط" عليهم في أي لحظة.

"هناك محاولات لتسييس قضية "إرجاع الجنسية الأردنية" إلى أصحابها عبر ربطها بالقضية الفلسطينية، لكن الجنسية هي حقوق إنسانية محضة لا علاقة لها بالجوانب السياسية".

في المقابل، والكلام لهنطش، ثمة الكثير من الحالات التي سحبت منها الأرقام الوطنية لم تغادر الأراضي الأردنية قطعياً، ومنهم أيضاً من هو مقيم في الخليج ولم يدخل الضفة الغربية والأراضي الفلسطينية. 

وينقل النائب عن المبيضين وصفه للقضية بـ"الغريبة جداً"، وبناء عليه تمّ تشكيل لجنة لمتابعة ذلك، مؤكداً أنه سيعيد طرح الموضوع مع وزير الداخلية الحالي في القريب العاجل.

ويختم هنطش حديثه بالقول: "لو رفع من وقع عليهم الظلم قضايا ودعاوى مباشرة لرجعت لهم الأرقام الوطنية لأنه لا يوجد أي سند أو مبرر قانوني دستوري أو غير دستوري يقضي بسحب الأرقام الوطنية منهم".

تسييس القضية

بدوره، يلفت عضو مجلس النواب أحمد الرقب أن الحكومة الأردنية في المرحلة الحالية تحاول البحث عن أية ذريعة أو مسوغ لعدم إعادة الرقم الوطني المستحق، مشدداً في تصريحاته لرصيف22 على أن الحكومة تناقض نفسها.

كيف ذلك؟ قبل أشهر بدا وكأن هناك سلاسة من نوع ما في عهد وزيري الداخلية سمير المبيضيين وسلفه غالب الزعبي، لكن الأمور رجعت إلى تعقيداتها السابقة وروتينها الممل في عهد الحكومة الحالية الممثلة في عمر الرزاز.

ويشير الرقب إلى أن القضية ليس لها علاقة بالمحافظة على الهوية الفلسطينية داخل أراضي الضفة الغربية، حيث تحتج دائرة المتابعة والتفتيش بحجة أن إسرائيل تسعى إلى توطين الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية وذلك عبر توطينهم في الأردن الأمر الذي يشجعهم على عدم العودة إلى بلدهم الأصلية في فلسطين.

في المقابل، يرى الرقب وهو عضو لجنة فلسطين النيابية أن "هناك محاولات لتسييس قضية إعادة الجنسية الأردنية إلى أصحابها عبر ربطها بالقضية الفلسطينية"، معلقاً: "لكن الجنسية وبكل تأكيد هي حق إنساني محض لا علاقة له بالجوانب السياسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard