كيف تناولت السينما الغربية واقع المهاجرين العرب؟

الأربعاء 18 ديسمبر 201904:55 م

"الرحيل عن الوطن هو سُنة الحياة، وأحياناً تفرضه الأحداث؛ وإلا فيجب أن نخترع له عذراً"، ربما يعد هذا المقتطف من رواية "التائهون" لأمين معلوف، الروائي اللبناني المقيم في فرنسا منذ أكثر من 40 عاماً، مدخلاً للتقرب من المهاجرين العرب، الذين يعيشون تجارب ثرية ومتباينة في بلدان اتخذوها أوطاناً ثانية، غالباً لأن الأولى لم تكن على قدر الأحلام.

انشغلت السينما العالمية بتمثيل قصص المهاجرين على الشاشة منذ بدايتها، حيث قدم شارلي شابلن فيلمه الكوميدي الصامت (المهاجر- 1917)، بعدها أنتجت السينما أفلاماً عديدة تطرقت إلى وهم الحلم الأمريكي مثل (أتذكر ماما -1948) و(أمريكا أمريكا-1963)، وظهرت أفلام تنتقد العنصرية ضد المهاجرين في أوروبا مثل (فتاة سوداء -1966) و(علي: الخوف يأكل الروح -1974)، وغيرها الكثير من الأفلام المهمة حتى بداية الألفية الجديدة.

أما في العقد الحالي، فزاد عدد الأفلام الروائية التي تدور حول حياة المهاجرين في الغرب، وتحديداً المهاجرين العرب الذين تركوا بلادهم آملين بالحصول على حياة أفضل.

عربي "مثالي" في "أرض الأحلام"

يعتبر ما شهدته أمريكا في 11 سبتمبر 2001 من الأحداث المفصلية في تاريخها، وقد اهتم الكثير من صناع الأفلام بمناقشته وتحليل تبعاته على كافة الأصعدة، من بين هؤلاء كان المخرج السوري الأمريكي سام قاضي، الذي صنع فيلم (المواطن -2012) ليتناول تأثير هذه الكارثة على المهاجرين العرب، مستنداً إلى عدد من القصص الواقعية.

يقدم الفيلم صورة نمطية عن المهاجر، طالما ظهرت في أعمال سينمائية عربية، حيث "العربي المثالي" في أمريكا، الذي يتميز بالطيبة والشهامة وحسن النية، في مجتمع ساحق، يتظاهر بحرية التعبير والمساواة بين البشر، لكن يحمل في باطنه عنصرية تجاه كل مختلف عنه.

بطل فيلم "المواطن" مهاجر لبناني يصل إلى أمريكا قبل يوم واحد من التفجيرات، محملاً بالكثير من الأحلام الوردية التي تتحطم على صخرة الواقع، ومع ذلك يظل صامداً حتى بعد رفض طلبه في الحصول على الجنسية الأمريكية، إذ يستمر في خوض المعركة القضائية مثبتاً أن الآخر يخشاه لأنه لا يبذل مجهوداً ليعرفه بحق.

في فيلم "فاطمة" نشاهد سيدة مغربية مسلمة قادها زوجها، قبل أن تنفصل عنه، إلى العيش في فرنسا، دون أن تتمكن من تعلم الفرنسية، فانتهى بها الحال عاملة نظافة في مجتمع ينظر إليها باحتقار
في مدينة كاليه الفرنسية، قبلة الباحثين عن أوطان أكثر أمناً واستقراراً، يدور فيلم "نهاية سعيدة" حيث عائلة ثرية تربط أفرادها علاقات هشة جامدة لا روح فيها، وتجمعهم التعاسة، بينما يعاني المهاجرون في خلفية الأحداث

وبالرغم من أن الفيلم ينتقد الشعارات الأمريكية الزائفة، ويعرض معاناة المهاجرين في أرض الأحلام، فإن نهايته تأتي متماشية تماماً مع الحلم الأمريكي. حيث يصبح أمريكياً، ويؤسس مشروعاً مستقلاً، ويكوِّن عائلة سعيدة بعد زواجه من فتاة حسناء، ربما فضل قاضي الانتصار للمهاجر العربي حتى وإن كان ذلك في عمل سينمائي.

يشير المعهد العربي الأمريكي إلى أنَّ عدد الأمريكان من أصول عربية يصل إلى3.7 مليون نسمة، فيما يقدر مكتب الإحصاء السكاني الأمريكي عددهم بنحو 1.9 مليون نسمة.

عاملة نظافة يحتقرها فرنسيون

تركز الكثير من الأفلام التي تنتمي إلى سينما المهاجرين على ثنائية الهوية والاغتراب التي يواجها غالبية من غادروا أوطانهم، أو من ولدوا لآباء تعود جذورهم لمكان آخر، ويعدّ من أهم هذه الأفلام في السنوات الأخيرة، فيلم (فاطمة- 2015) للمخرج الفرنسي من أصول مغربية فيليب فوكون.

"كوني فخورة بكل فاطمة تنظف بيوت هؤلاء النساء العاملات"، هكذا تقول (فاطمة) أو الشخصية الرئيسية في رسالتها الموجهة إلى ابنتها الصغرى الناقمة على عملها.

فاطمة سيدة مغربية مسلمة قادها زوجها، قبل أن تنفصل عنه، إلى العيش في فرنسا، دون أن تتمكن من تعلم اللغة الفرنسية، فانتهى بها الحال عاملة نظافة في مجتمع ينظر إليها باحتقار. تعيش حالة من الاغتراب، خاصة مع عدم قدرتها على التواصل مع ابنتيها المتقنتين للفرنسية. فتشرع في الكتابة بالعربية للتعبير عما تعجز عن قوله بلغتهما، فتدافع عن نفسها ووظيفتها وحقها في معاملة كريمة.

الفيلم المأخوذ عن تجربة حقيقية عايشتها المهاجرة فاطمة الأيوبي، يتعرض أيضاً لمأساة الأبناء الذين لا ينجون من سؤال الهوية والشعور بالاغتراب. الابنتان تعيشان في مجتمع منفتح، ومع أم لاتزال متمسكة بالعادات والتقاليد الشرقية، ووسط جالية عربية تراقب تحركاتهما، وتطلق أحكاماً على نمط حياتهما.

ويُذكر أنّ المغاربة يتصدرون قائمة مكتب الإحصاء الأوروبي المتعلقة بالهجرة العالمية لعام 2017، فهم أكثر الشعوب حصولاً على جنسيات دول الاتحاد الأوروبي، بواقع 67 ألفاً و848 شخصاً، وقد احتل الجزائريون في المرتبة الثانية عربياً بواقع 20 ألف و146 شخصاً، يليهم السوريون حيث حصل 13 ألفاً و515 مواطناً سورياً على الجنسيات الأوروبية.

ووفقاً لإحصاءات منظمة الدولية للهجرة لعام 2019، تحتضن قارة أوروبا الجزء الأكبر من المهاجرين الدوليين، حيث يصل عددهم إلى 82 مليوناً، تليها قارة أمريكا الشمالية بواقع 59 مليوناً، أي يعيش في هاتين القارتين أكثر من نصف مهاجري العالم.

يقودنا هذا إلى البحث حول تعريف المهاجر الذي لا يوجد نص قانوني واضح يحدده، فمثلاً تعتبره الأمم المتحدة أي شخص أقام في دولة أجنبية لأكثر من سنة، بغض النظر عن الأسباب أو الوسيلة، سواء كانت نظامية أو غير نظامية، فيما تصر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على الفصل بين حرية الاختيار والإجبار، فتعرّف المهاجر بأنه شخص قرر السفر لتحسين ظروف معيشته بشكل أساسي، أما اللاجئ فهو من يضطر إلى الفرار خوفاً من التعرض للاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الآراء السياسية أو الانتماء لجماعة معينة. ومع ذلك، بات التداخل بين التعريفات أمراً طبيعياً، خاصة مع زيادة تدفق الأشخاص على حدود الدول الغربية، وتحول كثيرين من طالبي اللجوء المرفوضين إلى مهاجرين غير شرعيين.

صداقة بين سوري وفنلندي

تباينت أساليب الدول الغربية في التعامل مع أزمة المهاجرين الأخيرة، لكن جميعها لم تخل من التخاذل والقسوة في بعض الأحيان، لذلك حاول بعض صناع السينما ذائعي الصيت تناول هذه السلوكيات بطرق مباشرة وغير مباشرة في أفلامهم، معتمدين على نبرة ساخرة من الواقع.

"خالد"، شاب سوري من حلب وصل إلى فنلندا بعد رحلة شاقة عبر الحدود، أضاع خلالها شقيقته الوحيدة المتبقية من عائلته. يتقدم بطلب لجوء، لكنه يُرفَض بحجة أن الحالة الأمنية في حلب مستقرة، فيتحول إلى مهاجر غير شرعي.

يتقاطع طريق "خالد" مع رجل فنلندي في منتصف العمر، تنشأ بينهما صداقة غير متوقعة، تقوم على أساس تشاركهما في اللهث وراء فرص أفضل في الحياة، وعدم الامتثال لشروط الواقع. هذه القصة يسردها سينمائياً، المخرج الفنلندي أكي كاوريسمكي في فيلم (الجانب الآخر من الأمل -2017)، والذي تعكس مسيرته الفنية اهتماماً واضحاً بقضايا المهاجرين واللاجئين.

في هذا الفيلم، يسخر كاوريسمكي من قوانين اللجوء والهجرة القاسية في بلده، وعنصرية بعض الأفراد تجاه الآخر، وينتصر للجانب الإنساني في البشر.

الأمر لا يختلف كثيراً عند المخرج النمساوي مايكل هانيكه في فيلمه (نهاية سعيدة -2017)، الذي يسخر من المجتمع الأوروبي، وتعامله مع المهاجرين لكن بطريقة أقل مباشرة.

تقع الأحداث في مدينة كاليه الفرنسية، قبلة الباحثين عن أوطان أكثر أمناً واستقراراً، حيث عائلة ثرية تربط أفرادها علاقات هشة جامدة لا روح فيها وتجمعهم التعاسة، بينما يعاني المهاجرون في خلفية الأحداث، متمثلين في الأسرة المغربية المهاجرة التي تخدمهم، والرجال الملونين الفقراء الذين يظهرون فجأة في حفل خطوبة باهظ التكاليف.

صراع بين واجبات الوظيفة والقلق على الأسرة

في السنوات الأخيرة، استخدم عدد من الأحزاب اليمينية الغربية خطابات عنصرية معادية للمهاجرين في التحشيد للانتخابات، مشككين بقدرة الحكومات على حماية حقوق أبنائها الأصليين. وقد وقعت العديد من جرائم الكراهية في الاتحاد الأوروبي وأمريكا، بحسب تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش.

المخرج علاوي سليم، الدنماركي من أصول عراقية، كان واحداً من المخرجين المهتمين بالصراعات العرقية الناشبة في الغرب، واختار أن يكون عمله الأول (أبناء الدنمارك -2019) عن هذه الظاهرة، ليحذِّر من خطورة التعصُّب وسط تقاعس السلطات. تدور الأحداث في المستقبل القريب، حيث يقع تفجير إرهابي في كوبنهاجن، ينمو إثره التيار اليميني، ويبزغ نجم سياسي مضطهد للمهاجرين، فيما تجند الجماعات الإسلامية المتطرفة شباباً للانتقام.

وسط كل هذا، يوجد عميل المخابرات عربي الجذور، الذي يعمل لدى جهاز أمني، يغض الطرف عن جرائم النازيين الجدد، وينشغل فقط بتتبع الإسلاميين، فيجد نفسه في حالة صراع بين واجبه الوظيفي وقلقه على أسرته، حتى تقوده الظروف إلى الدخول في دائرة العنف.

من المتوقع أن تستمر السينما في تناول أزمات المهاجرين، خاصة وأن الواقع لا ينبئ بتغير الأوضاع قريباً. ومن المؤكد أيضاً أنها ستخضع للفرز وإعادة التقييم، مع ظهور العديد من الدراسات السينمائية المختصة في هذا النوع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard