"كانت سهام العدو توجه إلى حامل الراية"... ألوان ونقوش رايات الدول الإسلامية عبر العصور

الأحد 22 ديسمبر 201908:34 م

كان لكل قبيلة من قبائل العرب قبل الإسلام ألوية ورايات تميزها عن غيرها، وتوارث المسلمون هذا الأمر فاتخذت دولهم عبر العصور أعلاماً بألوان معينة حملت نقوشاً محددة تعبر عن هويتها المذهبية والسياسية.

ويفرّق أستاذ التاريخ في جامعة حلوان حمادة ناجي بين اللواء والراية، فيشرح في حديثه لرصيف22 أن اللواء يُعقد لقادة الجيوش كدليل على الإذن بالانطلاق نحو الحرب، أما الراية فتُحمل أثناء المعارك من فارس يُعرف بالشجاعة والتضحية لتزيد من عزيمة الجنود وتلهب حماستهم للقتال باعتبارها شعاراً لهم.

وكانت سهام العدو كثيراً ما توجه إلى حامل الراية، لأن مقتله يعني سقوطها، وبالتالي تثبيط عزيمة الجيش واختلال صفوفه.

العصر النبوي والراشدي... الأسود والأبيض

بعد مجيء الإسلام، أبقى النبي محمد على عادة رفع الرايات والألوية، فكانت له راية سوداء تسمى "العقاب" ولواء أبيض سمي "اللواء الأعظم"، إضافة إلى رايات بألوان أخرى، فحين جهز جيش مؤتة جعل الراية بيضاء، وفي معارك أخرى رُفعت رايات بيضاً وصفراً ولواء أسود، حسب ما ذكر فاروق عمر فوزي في كتابه "الجيش والسياسة في العصر الأموي ومطلع العصر العباسي".

وليس ثمة تفسير لاختيار الرسول اللون الأبيض للواء المسلمين سوى ما ذكره عاصم محمد رزق في كتابه "رايات الإسلام من اللواء النبوي إلى العلم العثماني الأحمر"، من أن القرآن عبّر عن أسمى ما أعده الله لعباده المخلصين في الجنة "كأنهن بيض مكنون"، أما الرسول فقال: "عليكم بالبياض من الثياب فيلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم فإنها خير ثيابكم"، لذلك لم يكن غريباً أن يحرص الرسول على أن تكون ألوية سراياه وغزواته المبكرة ذات لون أبيض. ولم يرد ما يوضح سبب اختيار الرسول للون الأسود لراياته.

ورغم ذلك، سمح النبي محمد برفع رايات أخرى كانت تتخذها القبائل قبل دخولها الإسلام، فراية الأوس كانت خضراء، والخزرج حمراء، وراية بني محارب التي يقال لها "الضياء" كانت سوداء فيها عينان حمراوان، وكانت راية بني تغلب في فترة ما قبل الإسلام بيضاء ثم خضبوها بحمرة، أما راية النخع فكانت ذات ثلاث عذبات صفر كلها لها حواش، أما راية الأشعرين فكانت خرقة خضراء وبيضاء وحمراء وفي الوسط هلال أحمر، وراية همدان كانت مدبجة بالحمرة والخضرة والصفرة والسواد، أما الأزد فكانت رايتهم صفراء مربعة.

لم تخرج ألوان الرايات والألوية في عهد الخلفاء الراشدين عن اللونين الأسود والأبيض اتباعاً للرسول في ذلك، وإن كان علي بن أبي طالب أضاف إليهما اللون الأصفر.

وقد أراد النبي بذلك تحقيق هدف عسكري مهم، إذ إنه كان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه وقبيلته، وهذا ما يساعد على رص الصفوف أثناء القتال، ويُسهل مهمة القيادة وتوزيع قطاعات الجيش، فضلاً عن أن زيادة الرايات تُدخل الرهبة في نفوس الأعداء، حسب ما ذكر كل من مهند عبد الرضا حمدان وحسن خصاف عودة في دراستهما "الإعلام العسكري عند الرسول".

ولم تخرج ألوان الرايات والألوية في عهد الخلفاء الراشدين (632- 661) عن اللونين الأسود والأبيض اتباعاً للرسول في ذلك، وإن كان علي بن أبي طالب (656 – 661) أضاف إليهما اللون الأصفر.

أما بالنسبة إلى الكتابات التي نُسجت على الألوية والرايات خلال هذا العصر، فلم تجزم المصادر والمراجع بتفاصيلها، وإن كان من المرجح أنها استُمدت من الكتابات التي حملها خاتم الرسول ومن بعده خواتم خلفائه الراشدين.

وبحسب رزق، حمل الخاتم في هذه الحقبة اسم العاهل مصحوباً بصفته المرتبطة بشخصه كما في حالة النبي، أو بحكمة أو موعظة كما في حالة كل واحد من خلفائه الأربعة يتم اختيارها بمعرفته ليختص بها نفسه دينياً وثقافياً وفكرياً، وتكون عنواناً له في كل مراسلاته التي تُمهر بهذا الخاتم بواسطة الطين أو الشمع ونحوه.

والمعروف أن كتابة خاتم النبي كان نصها "محمد رسول الله"، أما كتابات خواتم الخلفاء الراشدين فأشار إليها أبو الحسن المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف"، فذكر أن نقش خاتم أبي بكر كان "نعم القادر الله"، وخاتم عمر بن الخطاب "كفى بالموت واعظاً"، وخاتم عثمان بن عفان "آمن بالله مخلصاً"، وقيل "آمنت بالله العظيم"، وقيل "لتصبرن أو لتندمن"، وخاتم علي بن أبي طالب "الملك لله".

الأمويون... أبيض بخواتم الخلفاء

رغم اتفاق كثير من المراجع على أن رايات الأمويين (661- 744) وألويتهم كانت ذات لون أبيض، لكن أبا العباس القلقشندي في "صبح الأعشى في صناعة الإنشا" رأى أن شعار بني أمية كان الخُضرة، وأيد ذلك بما حكاه عن الملك السعيد إسماعيل أحد ملوك بني أيوب في اليمن، أنه حين ادعى الخلافة وأنه من بني أمية لبس الخُضرة، وعلق على هذا بقوله "وهذا صريح في أنه شعارهم".

ومثلما كان الحال في عصر الرسول وخلفائه الراشدين، نقش الخلفاء الأمويون كتابات خواتمهم على الرايات والألوية، وبحسب المسعودي، كان نقش خاتم معاوية بن أبي سفيان "لا قوة إلا بالله"، ومروان بن الحكم "العزة لله"، والوليد بن عبد الملك "يا وليد إنك ميت"، وعمر بن عبدالعزيز "لكل عمل ثواب"، وهشام بن عبدالملك "الحكم لله".

وبحسب رزق، كان الخاتم أيضاً من أهم رسوم الخلافة الأموية في الأندلس، وكان يحمل اسم العاهل أو الأمير مصحوباً بعبارة يختارها من اثنتين، هما "بقضاء الله راض" أو "بالله يثق وبه يعتصم".

وكانت العبارة المختارة منهما تُنقش بعد ذلك على ألوية الجيش، وقيل إن خاتم كل من عبد الرحمن الداخل وعبدالرحمن الأوسط والمنذر بن محمد وعبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر كان يحمل عبارة "بقضاء الله راض"، أما خواتم هشام الرضي ومحمد بن عبدالرحمن وهشام بن الحكم فكانت تحمل عبارة "بالله يثق وبه يعتصم".

وليس ببعيد أيضاً أن الأمويين كانوا يطرزون ألويتهم وراياتهم بالشهادتين تأسياً بما فعله الرسول، أو ببعض الآيات القرآنية، أو العبارات الدينية، وفق ما ذكر رزق.

العباسيون... العلم الأسود الحزين

اتخذ العباسيون في بغداد (749 – 1242) اللون الأسود لأعلامهم ولأزيائهم أيضاً، حسب ما ذكر ابن خلدون في مقدمته المسماة بـ"العبر وديوان المبتدأ والخبر"، وذلك حزناً على شهدائهم من بني هاشم ونعياً على بني أمية في قتلهم، ولذلك سموا بالمسوّدة.

ولما افترق أمر الهاشميين وخرج الطالبيون على العباسيين في كل جبهة وعصر خالفوهم في ذلك واتخذوا الرايات بيضاً وسموا بالمبيّضة، وسار على نهجهم الفاطميون.

كان للنبي محمد راية سوداء تسمى "العقاب" ولواء أبيض سمي "اللواء الأعظم"، كما سمح برفع رايات أخرى كانت تتخذها القبائل قبل دخولها الإسلام، فراية الأوس كانت خضراء، والخزرج حمراء، وبني محارب كانت سوداء بعينين حمراوين
اتخذ العباسيون السواد شعاراً لهم، وخالفهم الفاطميون باللون الأبيض، والأمويين بالأخضر... هكذا ورث المسلمون رفع الرايات عن قبائل العرب قبل الإسلام، واتخذت دولهم ألواناً تعبر عن هويتها المذهبية والسياسية

غير أن القلقشندي ينسب هذا السواد إلى أن النبي كان قد عقد لعمه العباس بن عبدالمطلب يوم حُنين ويوم فتح مكة راية سوداء، فاتخذوا اللون شعاراً لهم.

ثم أشار القلقشندي إلى أن إبراهيم بن محمد العباسي المعروف بالإمام أول القائمين من بني العباس بطلب الخلافة كان قد قال لشيعته عندما انكشف أمره لمروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين "لا يهولنكم قتلي، فإذا تمكنتم من أمركم فاستخلفوا عليكم أبا العباس (يعني السفاح)"، فلما قتله مروان لبس شيعته عليه السواد فلزمهم ذلك وصار شعاراً لهم.

لذا اتخذ العباسيون السواد شعاراً لهم، وكذا كان الحال من تبعهم في مصر من الطولونيين (868 – 905) والإخشيديين (935- 968)، لأن كلتا الدولتين شبه المستقلتين كانتا تتبعان الخلافة العباسية رسمياً.

وكسابقيهم، نقش خلفاء بني العباس خواتمهم ببعض العبارات الدينية التي اختارها كل منهم لنفسه لتكون شعاراً له بين أمته، فنقشُ خاتم بن أبي جعفر المنصور كان "الله ثقة عبد الله وبه يؤمن"، وهارون الرشيد "بالله يثق هارون"، وأبو الفضل جعفر المتوكل "جعفر على الله يتوكل"، وأبو جعفر محمد المنتصر بالله "محمد بالله ينتصر"، وأبو القاسم المعتمد على الله "المعتمد على الله يعتمد"، بحسب رزق.

ونُسجت كتابات الألوية والرايات العباسية مشتملة على الشهادتين أو بعض الآيات القرآنية أو العبارات الدينية، فذكر القلقشندي أن علم الخلافة العباسية كان ذا لون أسود مكتوب فيه بالبياض أو بالذهب "محمد رسول الله".

كما نُسجت أسماء وطُرزت على الألوية والرايات العباسية وكان ذلك في أوائل الدولة مقتصراً على الخلفاء دون سواهم وانتقل في أواخرها إلى رايات الأمراء وكل ذي سلطان، فعبد الله المأمون بن هارون الرشيد أسبغ على مرشده الفضل بن سهل لقب ذي الرئاستين بعدما استطاع المأمون بفضله رئاسة الحرب ورئاسة التدبير، ونقش ذلك اللقب على لواء كان يحمله أمامه في المناسبات الرسمية.

الفاطميون... مخالفة العباسيين بالحرير الأبيض

حتى يخالفوا العباسيين، اتخذ الفاطميون (969- 1169) اللون الأبيض لراياتهم التي نسجوا بالذهب على أطرافها الشهادتين وبعض الآيات القرآنية أو العبارات الدينية مقرونة بأسمائهم وألقابهم، وعليها أحياناً أهلة من ذهب في كل منها صور سبع من الديباج (نسيج من الحرير الخالص) الأحمر، حسب ما ذكر ناجي.

الأغلب في كتابات ونقوش الألوية والرايات الفاطمية كانت الآية القرآنية الثالثة عشرة من سورة الصف "نصر من الله وفتح قريب".

وفي حالات معينة وُجدت كتابات أخرى، منها ما ذكره ابن عذاري المراكشي في كتابه "البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب" من أبي عبد الله الشيعي مؤسس الدولة الفاطمية كان قد كتب على أعلامه الآية الرابعة والأربعين من سورة القمر "سيُهزم الجمع ويولون الدبر"، ولكن الأغلب في كتابات ونقوش الألوية والرايات الفاطمية كانت الآية القرآنية الثالثة عشرة من سورة الصف "نصر من الله وفتح قريب".

وبحسب رزق، اتبع الفاطميون في بداية عهدهم تسمية أعلامهم باللواء والراية كما كان الحال في العصور الإسلامية السابقة عليهم، ولكنهم ما لبثوا أن غيروا هذه الأسماء إلى "البنود"، وشيدوا لها كما يقول خزانة خاصة عرفت بخزانة البنود في القاهرة بناها الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم (1005- 1036)، وجعل فيها ثلاثة آلاف صانع من أمهر الصناع، وبلغت نفقاتها سبعين إلى ثمانين ألف دينار سنوياً.

الأيوبيون... العودة إلى السواد

عندما قامت الدولة الأيوبية على أنقاض الفاطمية، دانت بالولاء للخلافة العباسية ذات المذهب السني، فاتخذت العلم الأسود شعاراً لها، غير أنها سرعان ما اتجهت إلى تصميم راياتها من الحرير الأصفر المزين بالذهب وعليها اسم السلطان وألقابه، حسب ما ذكر ناجي.

وبحسب القلقشندي، تغيرت أسماء هذه الأعلام من اللواء والراية والبند (أشار في العصر الفاطمي إلى العلم الكبير وفي العصر المملوكي إلى راية تُصنع في الغالب من الحرير الأصفر) إلى العصابة والجاليش (علم كبير توضع أعلاه خصلة من شعر الخيل ويشير إلى مقدمة الجيش) والعلم والسنجق والبيرق.

المماليك... ألوان أخرى تشبهاً بالروم

بانتهاء دولة الأيوبيين وقيام دولة المماليك (1250- 1517)، كثرت الأعلام والرايات والشارات، وأخذ المماليك من الأسماء الفاطمية البند. ومن الأسماء الأيوبية العصابة والعلم والجاليش والسنجق، وأضافوا إلى هذه وتلك البيرق والرنك. وذكر رزق أن الأعلام المملوكية أخذت من الألوان الأصفر الأيوبي وزادت عليه الأخضر والأحمر جرياً في غالب الظن على عادة ملوك الروم.

ولم تختلف النقوش والكتابات عن كتابات الألوية والرايات الأيوبية، فكانت من الحرير الأصفر المطرّز بالذهب وعليها ألقاب السلطان واسمه، حسب ما ذكر ابن تغري بردي في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة".

العثمانيون... هلال ونجمة سداسية

انحصرت ألوان الألوية والرايات خلال العصر العثماني (1299- 1923) في اللون الأحمر وعليه هلال أبيض ونجمة سداسية.

وبحسب ناجي، يشير اللون الأحمر إلى التضحية بالدماء من أجل الخلافة وتوسيع رقعة الدولة، فيما الهلال رمز إسلامي، أما النجمة فترمز إلى سطوع الدولة القوية الواحدة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard