ارتبط اسمهم بداية بالصراع على الخلافة ثم اتخد بعداً روحياً... من هم "الأبدال"؟

السبت 11 يناير 202005:46 م

عرفت الثقافة الإسلامية العديد من الأسماء ذات الصبغة السياسية أو الروحية والتي حظيت بقدر عظيم من الاحترام والتبجيل عبر القرون.

من تلك الأسماء اسم الأبدال، وهو مصطلح غامض إلى حد بعيد، ولا يوجد اتفاق على تفسيره، رغم أنه قد ورد أحياناً في متون بعض الأحاديث والروايات المنسوبة إلى الرسول وصحابته.

الملاحظة المهمة على الاسم أنه ارتبط في الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي بالصراع السياسي على الخلافة والحكم والسلطة، ومع مرور الوقت، اكتسب حمولة روحية صوفية، فكان تغير دلالة هذا المصطلح رهناً بتبدل الظروف والسياقات السياسية والفكرية عند المسلمين.

في النسق السني: من أهل الشام ومناصري معاوية

رغم عدم ذكر مصطلح الأبدال في صحيحي البخاري ومسلم -أهم كتب الحديث عند أهل السنة والجماعة- تكرر كثيراً في العديد من المصادر الحديثة والتاريخية المُعتبرة عند أهل السنة، منها مصنف عبد الرزاق الصنعاني والمعجم الأوسط للطبراني ومسند ابن حنبل.

على سبيل المثال، ورد المصطلح في مُسند الإمام أحمد بن حنبل في مجموعة من المواضع، منها رواية على لسان الرسول نفسه يقول فيها:"الأبدال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاَ".

وفي رواية أخرى منسوبة إلى علي بن أبي طالب أن بعض جنده قد طلب منه أن يلعن جند الشام الذين خرجوا لقتاله في موقعة صفين عام 37 هـ، لكن الخليفة الرابع رفض طلبهم، وفسر موقفه بقوله:"سمعت رسول الله يقول الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل، أبدل الله مكانه رجلاً، يُسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب".

أشار العلامة رضا إلى أهمية أحاديث الأبدال في تقوية جانب معاوية بن أبي سفيان ومن تبعه من خلفاء الدولة الأموية الذين اعتمدوا على الجند الشامي، في حروبهم الضروس ضد العلويين والهاشميين.

وينقل ابن أبي الدنيا في كتابه "الأولياء" عن علي بن أبي طالب أنه سأل الرسول عن الأبدال، فقال له: "هم ستون رجلاً... ليسوا بالمتنطعين، ولا بالمبتدعين، ولا بالمتعمقين، لم ينالوا ما نالوا بكثرة صيام، ولا صلاة، ولا صدقة، ولكن بسخاء النفس وسلامة القلوب والنصيحة لأئمتهم، إنهم يا علي من أمتي أقل من الكبريت الأحمر".

ورغم شيوع الأحاديث والآثار التي تذكر الأبدال، وتربطهم بأهل الشام على وجه الخصوص، فإن الكثير من علماء أهل السنة رفضوها وردوها وعدوها من الموضوعات والأكاذيب.

من أشهر هؤلاء ابن تيمية الحراني الذي كتب في "مجموع الفتاوى" أن "الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة... والأبدال الأربعين... أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي أيضاً مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف...".

وتابعه في هذا الرأي تلميذه الأشهر ابن القيم الجوزية بقوله: "ومن ذلك أحاديث الأبدال والأقطاب والأغواث والنقباء والنجباء والأوتاد كلها باطلة"، وذلك بحسب ما ورد في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف".

في العصر الحديث، كان العلامة اللبناني محمد رشيد رضا من أوائل من لمسوا البعد السياسي في أحاديث الأبدال، فقال في "مجلة المنار"، رداً على أحد الأسئلة التي وردته بخصوص تلك الأحاديث: "اعلم أن هذه الأحاديث باطلة رواية ودراية سنداً ومتناً".

محمد رشيد رضا

وعزا رضا أسباب اختلاق ووضع الكثير من تلك الأحاديث إلى ما جرت به العادة من أن "أنصار كل دولة وصنائعها كانوا يروون لها ما يقوي ثقة الأمة بها، وهذا الحديث يرجع إلى مدح أهل الشام أنصار بني أمية...".

وأشار العلامة رضا إلى أهمية أحاديث الأبدال في تقوية جانب معاوية بن أبي سفيان ومن تبعه من خلفاء الدولة الأموية الذين اعتمدوا على الجند الشامي، في حروبهم الضروس ضد العلويين والهاشميين.

وممن وافق رضا على ما ذهب إليه، كان الباحث المصري الأزهري المعاصر محمود أبو رية في كتابه "أضواء على السنة المحمدية"، إذ قال إن المتزلفين إلى بني أمية كانوا هم الذين اخترعوا تلك الأحاديث للإعلاء من شأن دولتهم، وإضفاء نوع من أنواع الشرعية السياسية عليها.

في النسق الشيعي: مرتبطون بالمهدي

لم يدخل مصطلح الأبدال إلى النسق الشيعي الإمامي إلا في مرحلة متأخرة نسبياً عن دخوله للنسق السني، ومن هنا، كان من الطبيعي أن تختلف دلالته ومعانيه، وإن ظل محافظاً على بعده السياسي الواضح.

في هذا النسق، رُفضت جميع الروايات التي تربط بين الأبدال وأهل الشام من مناصري بني أمية، وظهرت روايات تعمل على إيجاد علاقة بين الأبدال ومفردات المنظومة الشيعية بشكل أو آخر.

على سبيل المثال، هنالك بعض الآراء التي تجعل الأبدال اسماً من أسماء الأئمة الإثني عشر، وذلك اعتماداً على ما ذكره أبو منصور الطبرسي، من علماء القرن السادس الهجري، في كتابه "الاحتجاج"، عن الإمام الثامن علي الرضا أن "الأبدال الأوصياء، جعلهم الله عز وجل في الأرض بدل الأنبياء، إذ رفع الأنبياء وختمهم محمد صلى الله عليه وآله".

هناك رأي آخر يرى أن الأبدال هم مجموعة من خيار أصحاب الأئمة، وذلك بناء على ما نقله محمد باقر المجلسي في موسوعته "بحار الأنوار"، من الدعاء المنسوب إلى الإمام جعفر الصادق، في النصف من رجب، والذي يقول فيه: "اللهم صل على محمد وآل محمد... الله صل على الأوصياء والسعداء، والشهداء، وأئمة الهدى، اللهم صل على الأبدال والأوتاد، والسياح والعباد، والمخلصين والزهاد، وأهل الجد والاجتهاد".

محمد باقر المجلسي

وفي السياق نفسه، يوسع العالم الشيعي فخر الدين الطريحي من دلالة المصطلح، فيقول في كتابه "مجمع البحرين ومطلع النيرين" إن "الأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر".

مع ذلك، تقف أغلبية التفسيرات الشيعية في صف ربط هذا المصطلح بالمهدي المنتظر وأحداث آخر الزمان.

على سبيل المثال، يذهب محمد بن إبراهيم النعماني في كتابه "الغيبة" إلى أن الأبدال هم مجموعة محددة من جند المهدي المنتظر، إذ "يبايع القائم –وهو المهدي المنتظر- بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدة أهل بدر فيهم النجباء من أهل مصر والأبدال من أهل الشام والأخيار من أهل العراق...".

عرفت الثقافة الإسلامية أسماء ذات صبغة سياسية أو روحية حظيت بقدر عظيم من التبجيل، ومنها "الأبدال" الذي بقي مصطلحاً غامضاً إلى حد بعيد... فمن هم الأبدال؟ وكيف ذكرتهم المصادر التاريخية؟

ارتبط اسمهم في الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي بالصراع السياسي على الخلافة والحكم ومع الوقت اكتسب بعداً روحياً صوفياً... من هم "الأبدال"؟ وكيف ذكرتهم المصادر التاريخية والحديثية؟

أما المجلسي، فيذكر أن المهدي بعد أن يظهر من غيبته، ويلتقي بأعدائه في ساحة القتال، ستخرج مجموعة من جنده وتنضم لأعدائه، بينما ستخرج مجموعة من جيش العدو وتنضم إلى صفوف جند المهدي، فهؤلاء هم الأبدال، ويُسمى هذا اليوم بـ"يوم الأبدال".

وهنالك رأي آخر يطرحه رجل الدين الشيعي المعاصر علي الكوراني في كتابه "المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي"، اعتماداً على إحدى الروايات المنسوبة إلى جعفر الصادق، والتي يذكر فيها أن الأبدال هم "ثلاثون مؤمناً يلتقي بهم المهدي المنتظر في غيبته وكلما مات منهم واحد اُستُبدِلَ بغيره، ولذلك يُسمون الأبدال".

علي الكوراني

النسق الصوفي: أولياء يتمتعون بقدرات إعجازية

مع مرور القرون، تمكن الخط الصوفي من التضخم والتعاظم شيئاً فشيئاً، حتى وصل لذروته في العصرين المملوكي والعثماني، عندما تم تنظيم الطرق الصوفية التراتبية، وأضحى لكل طريقة بناء هرمي متكامل، تتوزع فيه القدرات والصلاحيات بشكل منظم.

الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي كان من أوائل الصوفية الذين اهتموا بوضع الهيكل التراتبي الصوفي الذي يعتمد بالمقام الأول على النزعة الروحية، ومن ثم أولى اهتماماً كبيراً بالمصطلحات القديمة التي تهتم بتوصيف الصالحين، مثل الأقطاب والأوتاد والأبدال والأغواث وغيرها.

ابن عربي

في موسوعته الكبرى المسماة "الفتوحات المكية"، حدد ابن عربي عدد الأبدال بأربعين، وذكر أن منهم سبعة موكلون بحفظ أقاليم الأرض السبعة، وشبههم بالأنبياء، إبراهيم وموسى وهارون وإدريس ويوسف وعيسى وآدم، وذكر أن هؤلاء الأبدال السبعة "عارفون بما أودع الله سبحانه في الكواكب السيارة من الأمور والأسرار في حركاتها ونزولها في المنازل المقدرة".

فسر ابن عربي تسميتهم بالأبدال لطبيعتهم الخارقة، فهم "إذا فارقوا موضعاً ويريدون أن يخلفوا بدلاً منهم في ذلك الموضع... يتركوا به شخصاً"

وفسر ابن عربي تسميتهم بالأبدال لطبيعتهم الخارقة، فهم "إذا فارقوا موضعاً ويريدون أن يخلفوا بدلاً منهم في ذلك الموضع... يتركوا به شخصاً على صورته لا يشك أحد ممن أدرك رؤية ذلك الشخص أنه عين ذلك الرجل وليس هو بل هو شخص روحاني يتركه بدله...".

التأكيد على وجود الأبدال وعظم مكانتهم لقي ترحيباً من الأوساط الصوفية المتأخرة، فعلى سبيل المثال، صنف جلال الدين السيوطي كتاباً في تصحيح أحاديث الأبدال، وسماه "الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال".

أما عبد الوهاب الشعراني ومحمد عبد الرؤوف المناوي -وكلاهما من أكابر الصوفية الذين اهتموا بسرد سير الشيوخ والزهاد- فقد رويا العشرات من القصص الخارقة عن الأبدال، ومن ذلك ما نقله المناوي في كتابه "فيض القدير: شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير" الذي قال فيه: "وإذا رحل البدلُ عن موضعٍ ترك بدله فيه حقيقة روحانية؛ يجتمع إليها أرواح أهل ذلك الموطن الذي رحل عنه هذا الولي، فإن ظهر شوقٌ من أناس ذلك الموطن شديد لهذا الشخص، تجسدت لهم تلك الحقيقة الروحانية التي تركها بدلُه ، فكلمتهم ، وكلموها ، وهو غائب عنهم...".

وتابع العديد من الصوفية المعاصرين تلك الآراء، بل أضافوا إليها المزيد من الصفات الخارقة للعادة، ومن ذلك ما ذكره الشيخ أحمد حجاب في كتابه "العظة والاعتبار: آراء في حياة السيد البدوي الدنيوية وحياته البرزخية"، الذي تحدث فيه عن صفات الأبدال.

وقال: "خصائص هذه الفئة من الأولياء أن الصور التي يتمثلون بها لا تحكم عليهم بها، بمعنى أنك لو أحدثت في الصور الممثلة مثلاً أو ضرباً أو حبساً أو أي ضرر آخر لم يظهر لذلك أثر في الصورة الأصلية، ومثل ذلك كمثل التمثيل الحسي الذي يرى بالبصر، والتمثيل المعنوي الذي يكون في المنام، فإنه لو تم تمثل ذلك في المنام بذاته وصفاته وضربت أحداً بسكين فسال دمه، فإن هذا لا يؤثر في عدوك الحقيقي أي تأثير".

 الإباضية: تهميش للمصطلح واستخدامه بشكل نمطي

لم يول النسق الفكري الإباضي –والذي يُعد أحد الأنساق الفكرية المنبثقة من المذهب الخارجي- اهتماماً يُذكر بذلك النوع من الأحاديث، ومال في معظم الأحيان إلى التشكيك فيها أو تهميشها والتقليل من قيمتها.

من هنا، فإن الأحاديث التي تذكر مصطلح الأبدال لم يتم تصحيحها عند الإباضية، ولم ينشغل علماء المذهب الإباضي بالبحث عن عددهم ومكانهم ومواصفاتهم، كما جرى الأمر عند السنة والشيعة.

مع ذلك، دخل المصطلح إلى الحيز الإباضي من خلال ما يُعرف باسم "السلوك" -وهو التيار الروحي المكافئ للتيار الصوفي عند الإباضية- فقد اعترف الإباضية بوجود ما يُعرف باسم الأقطاب والأوتاد والأبدال، وفهموها درجات للعلم ولم يضفوا عليها تلك المسحة الغيبية التي اصطبغت بها في أقوال الصوفية.

وعلى سبيل المثال، يذكر المؤرخ الإباضي بدر الدين الشماخي في كتاب "السير" أخبار بعض العلماء الذين اشتُهروا باسم الأبدال السبعة في منطقة وادي ريغ في الجزائر في القرنين الخامس والسادس الهجريين، ومنهم عبد الله بن يعقوب بن هارون الوغلاني الذي وصفه الشماخي بأنه "علم من أعلام وغلانة... أوتي العلم وهو صغير، فكان عالماً متقـياً، واعتُبر من الأبدال السبعة.".

يُضاف إلى هؤلاء معاذ بن أبي علي الذي وُصف بأنه "من الأبدال السبعة المذكورين في أريغ... كان رجلاً صالحاً زاهداً نقي القلب، محموده".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard