تراث بيروت المعماري تحت أعمدة الناطحات... لنا أم علينا؟

الثلاثاء 28 يناير 202011:50 ص

قبل هبوط الطائرة بثوانٍ فوق مطار بيروت، قد تفركون أعينكم وتظنون أنكم لم تنتبهوا جيداً، أو أنكم ستهبطون في بلدٍ آخر. ناطحات سحاب بين الأحياء السكنية! هل أنتم في دبي أم نيويورك أم مومباي؟

بيروت: حضارة معمارية متوارية في ظل سباق نطح السحاب

لقد ‎تغير منظر بيروت في السنوات العشر الأخيرة كثيراً بحسب موقع نقابة المهندسين اللبنانية، إذ أخذت الأبراج وناطحات السحاب بالتكاثر بين أحياء المدينة، وقد كانت في السابق تستخدم لأغراض تجارية فقط، لكنها الآن تستخدم لأغراض سكنية أيضاً. ظاهرة ازدادت حتى باتت المدن تُعرف بأبراجها، بينما كانت في الماضي تعرف بآثارها التاريخية ومواقعها السياحية.

يشرح الموقع أن ظاهرة الأبراج انطلقت من دافعين: التقليل من استغلال المساحات الأفقية لحساب المساحات العمودية، وتجاوز كلّ العقبات الطبيعية والبشرية في وجه الإطلالة على البحر أو األفق مع ما يشكله عامل الارتفاع من هدوء حتى في قلب العاصمة، وإمكانية الاسترخاء من جهة أخرى.

فهل يحصل الإنسان الذي يسكن هذه الأبراج على الهدوء، وينعم بالطمأنينة والاسترخاء فعلاً؟

في هذا الإطار قابل رصيف22 المعماريَّ التقليدي اللبناني صهيب مراد، والذي تتلمذ في بداية حياته المهنية على يد الپروفيسور عبد الواحد الوكيل، وهو المعماري المصري الذي له مكانة دولية وشهرة على مستوى العالم الإسلامي كلّه، حيث بنى مساجد ودوراً مميزة في عدد كبير من دول العالم الإسلامي والغربي.

‎تميُّز الوكيل يأتي من فلسفته وامتلاكه لرؤية خاصة في تصميماته، وتمسّكه بالهوية المكانية والمعمار التقليدي الملائم لبيئة البلد وإيمانه بأن الانقياد بأساليب العمارة الغربية يعد ابتعاداً عن الهوية العربية الإسلامية، ولذلك نادى بإحياء "قيم" العمارة الإسلامية.

وقد تأثّر مراد بكل ذلك وهو يحاول أن يعكس هذا الموروث المهمَّ في أعماله الحالية، انطلاقاً من إيمانه بضرورة إحياء القيم الإنسانية المعتمدة في العمارة الإسلامية. وينادي مراد بأهمية استنباط التصاميم الحياتية التي تتبع التقليد والاحتياجات الاجتماعية في ظلّ مبدأ المعمار الإنساني، وهو يؤمن بأهمية استخدام مواد البناء الصديقة للبيئة وتقنيات البناء التقليدية مع تطويرها لتتناسب مع المتطلبات الحديثة.

‎يحاول مراد أن يعمل بتناغم مع الظروف البيئية للمكان وهذا نابع من إيمانه بأن العمارة يجب أن تعبر عن الشخصية المحلية وتكون أمينة لحضارة وروح المكان، فبالحفاظ على التراث يصبح الانسان أكثر قدرة على بناء مستقبل مستقر ومستدام للأجيال القادمة.

بيروت مدينة حساسة

يقول لنا "معمار صهيب"، كما يحبّ أن يسمّي نفسه، إن بيروت لطالما كانت مدينة حساسة وقدوة لمدن كثيرة أخرى، وكان الذي يحصل في بيروت يُعتمد عليه في الدول العربية كموضة. لكن الآن انعكس الوضع، وهنا الخلل؛ بيروت كانت تشتهر وتزدهر بجمالياتها المعمارية والحياتية والتي كانت تتمثل بالذوق الرفيع المجدّد منفردةً بجرأة عن باقي الدول العربية.

الجانب الإيجابي في الأمر أنهم لم يهدموا المدينة بل رمّموا ما كان موجوداً، ولكن السلبي أنهم طوروا وسط بيروت برؤية استثمارية تخدم مصالح المتنفذين الخاصة

أصبحت بيروت تستنسخ ناطحات السحاب وتجلسها في وسط الدار وصدر المجلس المعماري البيروتي، وآثر المصمّمون التسابقَ للتطاول في البنيان فأصبح الإشغال أبدى من الأصول والاستثمار التجاري أهم من الاستثمار الإنساني. ‎القيمة السليمة للإعمار تاهت بين اتجاه منفصل عن الواقع الاجتماعي ومحفز للتطور المعماري المستَورَد على حساب التراث المعماري المفعم بعبق الأصالة والمحترِم للتطور الطبيعي للمجتمع اللبناني وحاجاته. ‎وعندما يطغى المبتغى الربحي على العمارة ينتج انحداراً ثقافياً وقيمياً وانفصالاً حضارياً ومجتمعياً بطبيعة الحال.

‎ ارتباط العمارة بالحاكم

يؤكد صهيب مراد أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تؤثر بشكل كبير على العمارة عبر الأزمنة والأمكنة المختلفة: رؤية الحاكم، الربح المادي والأيديولوجيا السياسية. ويوضح قائلاً إنه عبر التاريخ كانت العمارة مرتبطة بالحاكم الذي يأخذ قراراً بالبناء بحسب رؤيته والأيديولوجيا الخاصة به، كما في ارتباط تكليف الكثير من المعماريين على امتداد الأزمنة ببناء الصروح التي نحجّ إليها سائحين في مختلف أصقاع العالم كالأهرامات في مصر وجنوب أمريكا، والكنائس التي أشرف على بنائها ليوناردو داڤينشي ومايكل أنجلو، ومباني غاودي، وقصور ومساجد سنان، إلخ.

ويعود ذلك لعدة أسباب، أهمُّها الناحية الرمزية للدلالة على القوة والسلطة وهيبة الحكم أو الأثر الدالّ على الشخصية، بالإضافة إلى الناحية الربحية والماورائية. ‎قرارات السلطة الحاكمة تنعكس مباشرة على ثقافة المكان، وهذا ما حصل لبيروت على مدى العصور والتي كونت آثارها التراثية الحياتية والمعمارية والاجتماعية. الآن ومع التخبّط السياسي والانتمائي نرى اختلاطاً غير متجانس من المباني التي تشوّه هوية وخصوصية المكان، لذلك نسمع أن الكثير من الناس لا يجدون الراحة في المدينة، ويقولون “هذه المدينة لا تشبهني".

روح بيروت تغيرت

يرى المعمار مراد أن ما يميز بيروت هو الروح، بالإضافة إلى الشكل، حيث أن هناك جمالية اجتماعية بوسط بيروت مثل باقي المدن الكولونيالية المستعمرة. تاريخياً كانت كلُّ الطبقات الاجتماعية من ميسورة وعاملة تعيش في وسط المدينة. والطبقات الميسورة بطبيعة الحال بحاجة لخدمات من الطبقة العاملة، وهناك أيضاً التواجد الطلابي المتنوّع نظراً لموقع المؤسسات التعليمية العريقة في المكان.

‎وكانت البنايات التي تعيش فيها الطبقات الغنية تصطفّ على الشوارع الرئيسية، تليها من خلفها مباشرة صفوف البنايات المتواضعة إنشائياً، والتي يسكنها الناس الذين يقدمون خدمات لهذه الطبقة. ‎ هذه هي بيروت الحقيقية وهذا التوازن بين الطبقات الاجتماعية والتفاعل الانساني يؤمنه التخطيطُ السليم وينعكس في المعمار. وللأسف لم يعد هذا التوازن موجوداً اليوم؛ إذ تمّ فصل وسط بيروت عن امتداده الطبيعي وتشعّبه التفاعلي في المدينة.

تطوير عشوائي لوسط المدينة جعلها مدينة أشباح

يقول المعماري صهيب مراد إن البناء التطويري العشوائي لمدينة بيروت حدث مع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان وإعادة إعمار وسط بيروت والترميم. الجانب الإيجابي في الأمر أنهم لم يهدموا المدينة بل رمّموا ما كان موجوداً، ولكن السلبي أنهم طوروا وسط بيروت برؤية استثمارية تخدم مصالح المتنفذين الخاصة، وقد تمّ فصل وسط بيروت عن بيئتها الأساسية التي هي بيروت الكبرى، وهنا بان الخلل.

مع ذلك نجحت عملية إعادة الترميم لأنهم استخدموا اليد العاملة السورية الحلبية المتخصصة، وهي يد عاملة متقنة وتهتمّ بجمالية التفاصيل. و‎لكن إن نظرنا إلى عملية التشغيل والإدارة، نجد أنهم أغلقوا مداخل المكان وأحاطوا وسط المدينة بجسور من كلّ الاتجاهات وشوارع تفصل هذا المكان عن امتداده الطبيعي، فأصبح مكاناً خالياً من الحياة.

قرارات السلطة الحاكمة تنعكس مباشرة على ثقافة المكان، وهذا ما حصل لبيروت على مدى العصور والتي كونت آثارها التراثية الحياتية والمعمارية والاجتماعية

‎بالإضافة إلى ذلك، نجد أن التخطيط المدني المستجد على بيروت حاصر الوسط، وفصله عن بيئته الحقيقية، وأدى هذا إلى الركود الاقتصادي الذي تشهده المنطقة الآن. توقَّعنا أن إعادة الترميم ستعيد التوازن الاقتصادي والاجتماعي للمدينة بعد الحرب بطريقة عصرية، ولكن تراكمت الأخطاء، وحال دون ذلك ثلاثة عوامل أساسية، يختصرها لنا صهيب مراد:

‎أولاً أيديولوجية التشغيل السلبية؛ وثانياً محاصرة المدينة الممنهجة وتحييدها من قبل التنظيم المدني الذي يعزل الوسط عن المحيط المجتمعي؛ وثالثاً الفساد بالتشغيل، مما أوصلنا إلى النتيجة الحالية اليوم: "مدينة أشباح"؛ بنايات غير مسكونة، بلا دكان بقالة، ولا مدرسة، ولا ملعب، ولا أماكن من هذا القبيل؛ هكذا أصبح وسط بيروت، وقلبها مكاناً للاستثمار وليس للتفاعل الاجتماعي.

بيت الإنسان فوق ثيابه

يذكر المهندس صهيب مراد عن لسان شيخ المعماريين العرب الفيلسوف حسن فتحي بمقابلته مع الإعلامي طارق حبيب عند سؤاله عن سبب اختياره لمنزله "أن المنزل هو بَعد الثياب يحيط بجسم الإنسان، ويجب أن ينتمي الإنسان إلى منزله كما يجب أن ينتمي منزله إليه"؛ إنما كيفية انتماء المنزل إلى الإنسان هي مسألة إيقاع في النِسب والفراغات، لأن العمارة عُرفت بأنها الفراغ الذي يقع بين الجدران، وليست هي الجدران.

ويقتبس المعمار مراد قائلاً إنه إذا كان المنزل أقرب شيء للإنسان بعد ثيابه، فالمدينة هي حاضنة العمارة المكونة للمنازل وهذا الإيقاع يجب أن ينطبق على تطلّعات الروح البيروتية ليشكّل هذه السمفونية المتناغمة الجميلة.

‎ناطحات السحاب في نيو يورك نعم أما بيروت فلا!

بالنسبة لناطحات السحاب يرى صهيب مراد أن العمارة الحديثة يمكن أن تكون حلاً لبعض التطورات الحياتية المجتمعية الناجمة عن استعمال التكنولوجيا الحديثة ومتطلبات العصر وسهولة التعامل مع البناء الذكي، لكن العمارة الصحيحة، برأيه، مرتبطة بالمكان والزمان والحركة وهذا ثالوث إنساني منذ الأزل، وكلّ شيء مرتبط به؛ فكل الأفعال الإنسانية، حتى ممارسة الجنس بين شخصين، محكومة بهذا الثالوث.

ويضيف مراد شارحاً وجهة نظره: " أنا لست ضدّ العمارة الحديثة كمعماري تقليدي؛ أنا أيضاً أؤمن بالتجدّد في حدود الثلاثية السابق ذكرها، فالفكر التقليدي ليس مأسوراً بالماضي، وإنما هو طريقة التزام مبدأي وعلمي محترم لقيمة الإنسان وحاجاته بالعمارة."، وهذا سبب نجاح بناء ناطحات السحاب بنيويورك، فهي حاجة اقتصادية واجتماعية وعملية تنجح بمكانها وزمانها والحركة، أي تفاعل الإنسان فيها. ففي استراحة الغداء أو في أوقات الذروة، ينزل الآلاف دفعة واحدة، ويعودون إلى منازلهم التي غالباً ما تكون على أطراف المدينة، لذا كلّ شيء مصمم للعمل بهذه المدينة لتلبية حاجات العمال والموظفين والقاطنين.

وهذا يتبع أسلوب الحياة في نيويورك، ولكن بيروت لا تحتاجه، لأن طبيعة الحياة والعمل فيها مختلفة. فلنجعلْ بيروت تعود لتمسكَ زمام القيادة الثقافية في ترسيخ مبادئ وقيم الأمكنة والأزمنة، ولتزهو روحها البهية وتسمو بعمارة تعكس جمال شعبها وعراقته وتواضعه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard