"شيعة شيعة شيعة"... صرخة اللاسياسة في زمن التحوّلات السياسية

الثلاثاء 17 ديسمبر 201904:39 م

"شيعة شيعة شيعة". بات هذا الهتاف الأبرز بين هتافات مناصري حزب الله وحركة أمل في الآونة الأخيرة. تصدح حناجرهم به وهم يستقلّون دراجاتهم النارية الصغيرة، المتهالكة في معظم الأحيان، أو يسيرون حاملين عصياً للاعتداء على متظاهرين.

لا يهم أين هو المكان ولا تهم انتماءات المتظاهرين الذين يتوجه الهاتفون للاعتداء عليهم. هذا الشعار اللاسياسي، والذي يحمل في الآن نفسه كماً هائلاً من الشحنات السياسية، صالح لكل زمان ومكان، بحسب وعي مناصري الثنائية الشيعية. لذلك، يرددونه في وسط بيروت كما يرددونه في مدن صور والنبطية وبعلبك، حيث كل المتظاهرين ضد السلطة هم أيضاً من الشيعة.

قوة هذا الشعار في بساطته. هو لا يلخّص فكرة سياسية أو مطلبية، كما الحال في الشعارات التي تظهر أثناء الاحتجاجات، وبالتالي يعفي مردده نفسه من احتمال الاضطرار إلى خوض اشتباك نظري مع خصوم له، يتطلب مقارعة الحجة بالحجة. هو فقط إعلان انتماء إلى فضاء محدد، وتحديد تموضع من الأحداث الجارية على هذا الأساس. نقطة. انتهى الأمر.

لسان حال حاملي هذا الشعار والجائلين به في الساحات اللبنانية هو: كل مَن معنا يستطيع ملء خزان دراجته النارية بليترات قليلة من البنزين أو يستطيع اقتناء عصا غليظة أو حتى استعارتها والسير معنا وكل مَن سنصادفه هو علينا. هو كلمة سحرية تلغي الفروقات بين مردديه وتجعل من التماثل بطلاً للمشهد.

في طبقة ما تحت هذا الظاهر، لا يمكن إغفال أن هذا الشعار محمّل بالكثير من التاريخ والسياسة وبعقود من التعبئة الإيديولوجية التي مارسها كل من حزب الله وحركة أمل في مناسبات مختلفة ولأغراض مختلفة. لا يمكن تفكيكه وتحديد ما يعبّر عنه وهذا من عوامل قوته وفعاليته. هو قادر على التعبير عن مروحة واسعة من مطالب حامليه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمكن تخيّل أن مردديه قد يشتبكون في مقهى شعبي هنا أو هناك إذا ما تناقشوا ببعض أحوال البلد لأنهم يختلفون عليها. ولكن في وقت سيادة هذا الشعار يتشابه الجميع وتوحدهم فكرة واحدة عريضة: الشيعة مُستهدَفون.

لماذا وكيف ومتى وأين ومَن؟ هذه الأسئلة غير مهمة وليست ذات فعالية في أوساط مرددي هذا الشعار. هؤلاء يمتازون بأن لديهم قابلية مسبقة لتموضعهم الحالي، وأسباب ذلك كثيرة، وهذه القابلية تمهّد لشحنهم بأيّة فكرة أو شائعة.

هنا، تخرج الأفكار من دائرة التحليل العقلاني، والصح والخطأ والمنطق واللامنطق، إلخ. الأفكار والقصص التي يبحثون عنها هي ما يتيح لهم اختلاق سرديات تبرر تموضعهم أثناء أحاديثهم في المقاهي والمنازل مع أشخاص وأقارب لديهم نفس القابلية المسبقة، ولا يهمّ التدقيق فيها أو تحليلها. هي مناسِبة للاستهلاك لأنها تؤدي الغرض الوظيفي الذي يبحثون عنه فيها.

أما الآخر فهو خارج حساباتهم. قليلاً ما يحتكّون به بشكل فعّال. ولذلك عندما يحدث ذلك يكون محدد التواصل هو فرض علاقة اللاتواصل معه عبر الاعتداء عليه في مناسبات، أو تخوينه في مناسبات أخرى. المهم أن يبقى الآخر بعيداً لأن أي تقارب معه يخلق تشوشاً مقلقاً لا يمكن التحكّم بتبعاته.

شعار "شيعة شيعة شيعة" الذي يردده المعتدون على المتظاهرين في لبنان... شعار محمّل بالكثير من التاريخ والسياسة وبعقود من التعبئة الإيديولوجية التي مارسها حزب الله وحركة أمل في مناسبات مختلفة ولأغراض مختلفة
شعار "شيعة شيعة شيعة" الذي يردده المعتدون على المتظاهرين في لبنان صالح لكل زمان ومكان، بحسب مطلقيه. يرددونه في وسط بيروت كما يرددونه في مدن صور والنبطية وبعلبك، حيث كل المتظاهرين ضد السلطة هم أيضاً من الشيعة

في أحد جوانبها، تعكس علاقة هؤلاء المتوترة بالآخر أزمة علاقة بالذات، أساسها التوفيق بين ولاءات سياسية وبين حرمان يعرفون أن الأحزاب التي يرفعون راياتها تتسبب به مع آخرين.

هم ليسوا كائنات فضائية وليسوا شباباً من عصور تاريخية قديمة. هؤلاء مثلهم مثل كل اللبنانيين، المتظاهرين ضد السلطة والجالسين في منازلهم، يعانون من تبعات فشل المنظومة السياسية في تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطنين، لا بل هم من أكثر المتضررين من هذه المنظومة.

ولكن حزبي الثنائية الشيعية، وحزب الله بالأساس، هما من آخر الأحزاب اللبنانية التي لا تزال قادرة على مدّ مناصريها ببعض فتات المائدة الذي لطالما بنى العلاقة الزبائنية بين اللبنانيين وأحزاب طوائفهم، بدون استثناء.

لذلك لن يكون المشهد الشيعي مماثلاً للمشهد الذي تصدّره عكّار وطرابلس حيث توقفت الزعامات السنّية عن لعب دورها في هذه العلاقة، أي تقديم الخدمات والمساعدات، فساعد ذلك في تحلل جزء كبير من قاعدتها التقليدية منها.

وهناك عوامل أخرى طبعاً على رأسها أنه لا يوجد أي زعيم سنّي يمثل في وعي السنّة الراهن صورة الطائفة القوية، وهو ما تبحث عنه كل الطوائف، بعكس الحال مع الشيعة الذين لديهم أمين عام حزب الله حسن نصر الله. ومنها أيضاً تراجع "نغمة" الطائفة المستهدفة في أوساط السنّة، الفكرة المشجعة على الصبر لما تبثه من خوف في النفوس، وهو ما لم يحدث في أوساط الطائفة الشيعية التي تروّج أحزابها منذ وقت طويل لفكرة "التآمر" الكوني عليها.

ومما يميّز الطائفة الشيعية عن باقي الطوائف أن فيها حزب الله، أكثر الأحزاب اللبنانية تنظيماً عبر التاريخ. هذا الحزب لا يزال يمتلك رصيداً معنوياً اكتسبه في العقود الثلاثة الأخيرة، ولا يزال قادراً على إحداث تأثير حاسم في العلاقات اليومية بين أبناء الطائفة الشيعية، إذ يمتلك القدرة على الهمس لمقاطعة صاحب مصلحة من هنا ولعزل شخص من هناك ببث الشائعات حوله، وعلى رأسها تهمة العمالة بنسخها المختلفة، ولفتح ملفات لأشخاص يغضّ الطرف عنهم طالما لم يخرجوا عن طاعته. وفوق كل ذلك، هو حزب يمتلك تنظيماً عسكرياً-أمنياً ولا يتردد في استخدام إمكاناته لقمع مخالفيه مباشرة وعلناً إذا لم تنجح تكتيكاته في دفع "الأهالي" إلى تحقيق مراده.

هل هذا يعني أن مَن يجولون هاتفين "شيعة شيعة شيعة" هم أشخاص يرتبطون بمصلحة مادية مباشرة مع حزبي الثنائية الشيعية أو يخافون من تبعات الخروج عن سياساتهما؟ ليس بالضرورة والأرجح لا. هؤلاء مقتنعون بتموضعهم، ومقتنعون به إلى درجة أن لديهم حافزية على الانتقال إلى مرحلة الفعل، ولديهم نسختهم الخاصة من قراءة كل ما جرى سابقاً وما يجري حالياً وما سيجري لاحقاً.

ما سبق تفصيله هو محاولة لفهم الظروف الموضوعية التي ينمو فيها نمط تفكير محدد، نمط ليس من السهل مقارعة معتنقيه بالحجج والبراهين، لأنه مؤسس على "خرافات" مرغوبة لبناء اللحمة الطائفية، في دولة متفككة. ويجري ذلك في وسط طائفة تقول سردية أبنائها إنها عانت كثيراً في الماضي، وفي ذلك الكثير من الصحة بجانب بعض المبالغات، وإنها الآن في موقع القوة، وفي ذلك الكثير من الصحة بجانب الكثير من المبالغات. وعليه، ليس من السهل إحداث خروقات في تموضعات أبنائها من مدّعي لعب دور البطولة في الحلقة الحالية من مسلسلها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard