المسيح مثلي؟ الحدود بين حرية التعبير وازدراء الأديان

الاثنين 16 ديسمبر 201903:51 م

يُصوّر فيلم برازيلي كوميدي يعرض حالياً على شبكة نتفليكس السيّد المسيح مثليّ الجنس، وهو ما دفع بنحو 1.7 مليون شخص في أنحاء العالم (حتى الآن) إلى توقيع عريضة مطالبة بإزالة الفيلم والاعتذار إلى المسيحيين بسبب "الإساءة الخطيرة إليهم". 

ويتمحور الفيلم الذي يحمل اسم The First Temptation of Christ أي "الفتنة" الأولى التي أصابت المسيح أو أغرته/أغوته، حول شخصية المسيح وعشيقه "أورلاندو". 

وحسبما ظهر في الإعلان الدعائي، يُحضِر المسيح "ضيفاً مفاجئاً" معه ليلة ميلاده الـ30 ليُعرفه إلى عائلته بصفة "صديق". عندئذ يكشف أورلاندو أنه "أكثر من صديق"، فيما يحاول المسيح إخفاء هذه العلاقة الجنسية المثلية. 

وتأتي حفلة عيد الميلاد التي أقامتها عائلة المسيح بعدما قضى 40 يوماً في الصحراء. وفي الحفل، يغنّي أورلاندو أغنية "جنغل بلز" بتغيير كلماتها قائلاً إنه "رأى قوة المسيح الخارقة في قلب الصحراء"، في إشارة منه إلى قيامهما بعلاقة جنسية هناك. 

وفي وصفها للفيلم الذي أطلقته يوم 3 ديسمبر/كانون الأول بالتزامن مع قرب الأعياد المجيدة، كتبت نتفليكس: "من يا ترى سيحضر هذا العشاء المقدّس؟ ملحوظة: ستكون حفلة رائعة". وتقوم ببطولة العمل مجموعة Porta dos Fundos القائمة على إحدى قنوات يوتيوب الكوميدية في البرازيل. 

ويقدّم الفيلم السيدة مريم العذراء مدمنة حشيشة الكيف، والله زانياً، وفق موقع Monsters & Critics. 

وتلقى الفيلم انتقادات واسعة على مواقع التواصل وارتفعت أصوات مطالبة بمقاطعة الشبكة التي سمحت بـ"إهانة المسيح"، ومن المعلقين نجل الرئيس البرازيلي الأكبر، إدواردو بولسونارو، الذي قال: "نؤيد حرية التعبير، لكن هل يستحق الأمر مهاجمة معتقد 86% من الشعب؟".

وقال فيمي فاني-كايود وهو سياسي ومحامٍ ومؤرخ وشاعر نيجيري إن الفيلم "إهانة لإيماننا ولربنا ومخلصنا يسوع المسيح"، موجهاً اللوم إلى نتفليكس لعرضها هذا "الشر".

وأضاف أن المشاركين في العمل يجب أن يعلنوا أنهم "أبناء الشيطان"، فيما قالت المراسلة الأمريكية ماري أولوهان: "سؤال جدي، كيف سيكون رد الفعل إن صوّرت نتفليكس النبي محمد مثليّ الجنس؟"

وفيما لم تعلق نتفليكس حتى اللحظة على النقد، قالت مجموعة Porta dos Fundos البرازيلية إنها "تقدّر الحرية الفنية والفكاهة في التطرق لهذه المواضيع الثقافية"، مضيفة أن "حرية التعبير هي البناء الأساسي لبلد ديمقراطي".

وهنا لا بد من طرح عدة أسئلة: هل يندرج ما قام به صنّاع العمل تحت حرية الفن والتعبير؟ وهل تندرج "الإساءة" للأديان في خانة الحريّات؟ وهل تصوير المسيح على أنه مثلي الجنس "إهانة" للديانة المسيحية؟ من يُحدد الممنوع؟ وما هي الحرية إذاً؟

فيلم تعرضه نتفليكس حالياً يصوّر المسيح مثليّ الجنس، وهو ما دفع نحو 1.7 مليون شخص في أنحاء العالم لتوقيع عريضة لإزالته والاعتذار على "الإساءة الخطيرة للمسيحيين"... حرية تعبير أم ازدراء أديان؟
فيلم تعرضه نتفليكس حالياً يصوّر المسيح مثليّ الجنس، والسيدة مريم مدمنة حشيشة الكيف، والله زانياً… حرية تعبير أم ازدراء أديان؟

مشروع ليلى

يذكرنا نقد الفيلم بفرقة مشروع ليلى التي أُلغي حفلها ضمن فعاليات مهرجانات بيبلوس (جبيل) الدولية في يوليو/تموز الماضي "منعاً لإراقة الدماء وحفاظاً على الأمن والاستقرار" لاتهامها بـ"الإساءة للديانة المسيحية". يعود الأمر إلى نشر عضو الفرقة حامد سنو مقالاً على موقع "فيسبوك"، مرفقاً بصورة للمغنية الأمريكية مادونا، اعتبرها البعض "مسيئة للمسيحية".

واتُهمت الفرقة في الوقت ذاته بإهانة المقدسات بسبب أغنيتين هما "أصنام" و"الجن"، فأُجبرت على حذفهما من قناتها الرسمية على يوتيوب. وشُنت ضدها آنذاك حملة تضمنت تهديدات لأعضاء الفرقة، انخرطت فيها جهات دينيّة ورسميّة وشعبية، بحجّة أن أعمال الفرقة "تمس المعتقدات المسيحية" وتدعو لـ"عبادة الشيطان".

ورفضاً للمسّ بالحريات في لبنان، أُقيم في 9 آب/أغسطس حفل موسيقي مجّاني في بيروت (لم تشترك فيه فرقة مشروع ليلى) تحت شعار "الموسيقى أعلى من القمع"، في اليوم نفسه الذي كان مقرراً أن تحيي فيه مشروع ليلى حفلتها في جبيل لأن "الدولة لم توفّر الحماية اللازمة وتجاهلت التهديدات، وحولت الضحية، فرقة مشروع ليلى، إلى متهم خاضع للتحقيق"، وفقاً لبيان حملة "القمع مش مشروع" التي نظمت الحفلة. 

وحضر الآلاف تلك الحفلة لصدّ القمع بمختلف أشكاله، خاصة ذاك الذي يتم فيه استخدام السلطتين الدينية والسياسية. 

"تهمة ازدراء الأديان"

تشمل تهمة "ازدراء الأديان" كثيرين ، وبالأخص الشخصيات الفنية التي تحاول "الخروج من الصندوق" في أعمالها دوماً. في هذا السياق، تقول الكاتبة الصحافية فريدة الشوباشي إنها ترفض أن "يقوم علماء الدين بتكفير الآخرين"، مشبهةً الوضع بصكوك الغفران التي كانت الكنيسة في أوروبا تمنحها لمن تريد وتحجبها عمن تريد.

وتضيف: "ليس هناك من لديه توكيل من الله أن يكفر شخصاً ما"، لافتةً إلى أنها مع حرية التعبير والاجتهاد "وإذا منعت دولةٌ ما هذا الأمر فسيكون ذلك من عوامل تدهورها".
في السياق ذاته، لامت الناشطة في حقوق الإنسان والمحامية أمل كلوني الأديان والزعماء والملوك (The three Rs: Royals, Rulers and Religion) على اعتدائهم على حرية التعبير، معتبرةً أن هذه العوامل الثلاثة مسؤولة عن القمع.

وأشارت إلى أنه يجب على الحكومات معرفة أن القمع قد يُولّد تداعيات خطرة. 

ويبقى السؤال: هل تتجزأ الحرّيات؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard