الحكام حققوا مكاسب خرافية... هكذا كانت تجارة السلاح في الخليج العربي منذ 140 عاماً

الأحد 12 يناير 202011:46 ص

باتت منطقة الخليج العربي محطة كبرى لتجارة السلاح في العالم بسبب الحروب التي شهدتها خلال العقود الماضية، وقد تشهدها السنوات القادمة في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

يدلل على ذلك تقرير "معهد ستوكهولم لأبحاث السلام" (سايبري) الذي صدر في آذار/ مارس 2019، وكشف عن أن السعودية تأتي على رأس دول العالم استيراداً للسلاح بنسبة 12% من حجم تجارة السلاح العالمية بين عامي 2014 – 2018، وأنها أكبر مشترٍ للسلاح الأمريكي بنسبة 22%، في حين استقبلت نصف صادرات بريطانيا من الأسلحة.

أما الإمارات فاستأثرت بنسبة 3.6% من واردات السلاح العالمية، وجاءت ثالثة في قائمة الدول المشترية للسلاح الأمريكي بنسبة 6.7%، لكنها حلت في المرتبة 18 عالمياً في صادرات السلاح بنسبة 3%، لتكون الدولة العربية الوحيدة في قائمة أكبر عشرين دولة مصدرة للسلاح.

وفقاً للتقرير، اشترت قطر 2% من إجمالي واردات السلاح العالمية، في حين حصلت سلطنة عمان على 1.6%، والكويت1%.

مؤتمر بروكسل.. الخليج بديلاً لإفريقيا

أن تكون منطقة الخليج العربي محطة مهمة لتجارة السلاح فذلك ليس جديداً عليها، حيث كانت منذ عام 1881 بالأهمية نفسها وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.

بحسب جون غوردون لوريمر في الجزء السادس من كتابه "دليل الخليج/ القسم التاريخي"، كانت تجارة الأسلحة في الساحل الشرقي لأفريقيا ملحقة بتجارة الرقيق، لكنها ضُربت بالقرار العام لمؤتمر بروكسل عام 1890 الذي حظر تجارة السلاح في هذه المنطقة، فاضطر المنتجون والمصدرون للبحث عن سوق لبضائعهم، وكانت النتيجة تحول تجارة الأسلحة إلى الخليج الذي لم يخضع لشروط الحظر.

غير أن هذا التحول أثار قلق بريطانيا، لأن شحنات كبيرة من الأسلحة التي تفد إلى منطقة الخليج كانت تتجه إلى الثوار في أماكن نفوذها في أفغانستان والحدود الشمالية للهند، ما دفعها للبحث عن إجراءات لوقف هذه التجارة.

مسقط... أرباح خيالية للسلطان

بموجب قرارات بروكسل، غدت مسقط أكبر سوق للسلاح في الشرق الأوسط، ووصلت حصة السلطان من أرباح هذه التجارة إلى 30%.

وبحسب لوريمر، كانت الأسلحة البريطانية والفرنسية المنشأ تُشحن من مسقط إلى إمارات ساحل عمان والبحرين وقطر والكويت، أو تُهرّب إلى الأقاليم الإيرانية والتركية في الخليج مخبأة في بالات البضائع وصناديق الحلوى أو الليمون الجاف، في حين كان بعضها يُرسل إلى الموانئ الصغيرة على البحر الأحمر حيث لا يوجد دور للجمارك.

وفي عام 1897، رفع سلطان مسقط فيصل بن تركي بن سعيد الضريبة على الأسلحة والذخائر إلى 6% بدلاً من 5%، بحجة أنه يرغب في الحد من هذه التجارة التي باتت تشكل خطراً على حكومته خصوصاً بعد الثورة التي اندلعت ضده سنة 1895، ولكنه في الواقع كان يهدف إلى زيادة عائداته الجمركية.

فيصل بن تركي بن سعيد

غير أن تعقد الموقف السياسي والعسكري في أفغانستان والحدود الشمالية الغربية للهند، وخشية بريطانيا من وصول الأسلحة الحديثة إلى الثوار هناك، دفعها لفرض حصار بحري حول مسقط أدى لضبط سفن تحمل السلاح.

لم يحل الحصار دون استيراد الأسلحة، ما دفع بريطانيا للموافقة عام 1912 على تشييد مخزن سلاح في مسقط يكون تحت مسؤولية موظفين تابعين للسلطان يتعاونون مع الجانب البريطاني، على أن توضع علامة على كل الأسلحة المباعة، وتخضع المصدرة منها بحراً للتسجيل.

وإزاء ذلك، طلب السلطان 100 ألف روبية تدفع له سنوياً، بجانب 80 ألف دولار كتعويض عن خسائر السنتين اللتين انقضتا من الحصار، وفق ما ذكر لوريمر.

إمارات ساحل عمان... دفن الأسلحة في الرمال

بدأت تجارة الأسلحة في إمارات الساحل العماني (دولة الإمارات الآن) منذ عام 1881، وبلغت ذروتها بين عامي 1896 و1898، كما ذكر رحيم كاظم محمد الهاشمي في كتابه "تجارة الأسلحة في الخليج العربي 1881- 1914" قائلاً إن عجمان كانت السوق الرئيس للساحل ثم حلت محلها دبي.

وفي 24 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1902، عقد المقيم البريطاني في الخليج تشارلز أرنولد كمبل معاهدة مع شيوخ ساحل الإمارات تعهدوا فيها بعدم استيراد الأسلحة أو تصديرها، غير أن ذلك لم يمنع تدفق الأسلحة من مسقط، فاستمر الحال على ما هو عليه حتى جاء عام 1910 الذي شهد حادثة مهمة.

روى الهاشمي عن الحادثة بأن السلطات البريطانية طلبت من شيخ دبي بطي بن سهيل الأول آل مكتوم تفتيش بيتين لوجود أسلحة فيهما، لكن الشيخ رفض فتوجهت قوة من البحرية البريطانية مؤلفة من 70 رجلاً للتفتيش وحدها، ففتح العرب عليهم النار وردت القوة البريطانية بالمدافع والبنادق، لتنتهي العملية بسقوط 14 بريطانياً و37 عربياً بين قتيل وجريح.

بعد هذا الاشتباك وجّه المقيم البريطاني في الخليج برسي كوكس تحذيراً للشيخ، وطالبه بتسليم 400 بندقية صالحة تُجمع من الأهالي ودفع 50 ألف ريال كتعويض، لكن الشيخ الذي رفض في البدء عاد وأذعن للأمر في نهاية المطاف، حسب الهاشمي.

برسي كوكس

ورغم استيلاء شيخ دبي في آب/ أغسطس عام 1911 على كمية من الأسلحة لإبداء تعاونه في منع هذه التجارة، إلا أن التقارير البريطانية أشارت إلى استمرار تدفق الأسلحة التي كان التجار العرب يدفنونها في الرمال، ثم ينقلونها بالتدريج إلى منطقة غير مأهولة، لتُنقل عبر القوارب - بغفلة من سفن الحصار الإنكليزية - إلى الساحل الفارسي.

قطر... مدّ السعوديين بالسلاح

كانت قطر مستثناة من المعاهدات التي عقدتها بريطانيا مع شيوخ الخليج العربي للقضاء على تجارة الأسلحة، لأنها كانت تحت النفوذ العثماني منذ عام 1871، ما أثار قلق الإنكليز لأن الوضع شجّع على وصول الأسلحة إلى مناطق الخليج الأخرى.

مع بداية القرن العشرين، ازدهرت تجارة الأسلحة في قطر، حيث كانت تصل 2000 بندقية شهرياً من مسقط على ظهر مراكب يملكها قطريون، لتشق طريقها إلى أواسط الجزيرة العربية، أو إلى البحرين ومنها إلى الإيرانيين.

ومع بداية القرن العشرين، ازدهرت تجارة الأسلحة في قطر، حيث كانت تصل 2000 بندقية شهرياً من مسقط على ظهر مراكب يملكها قطريون، لتشق طريقها إلى أواسط الجزيرة العربية، أو إلى البحرين ومنها إلى الإيرانيين.

وبحسب لوريمر، شارك عدد من شيوخ آل ثان وأصحاب النفوذ والأثرياء بهذه التجارة، خاصة أن سعر البندقية كان يزيد بحوالي 15 روبية عن سعرها في مسقط، وكان التجار يدفعون لشيخ الدوحة رسماً قيمته 3.80 روبية عن كل قطعة تُستورد.

وفي عام 1908، تحولت قطر لمركز رئيس يمد الرياض بالأسلحة، بسبب علاقات التعاون بين الشيخ جاسم بن محمد آل ثان وعبد العزيز آل سعود الذي كان بحاجة ماسة للأسلحة لبناء الدولة السعودية، وفق الهاشمي.

وللحد من هذه التجارة صدرت الأوامر إلى البحرية البريطانية بتفتيش جميع الزوارق التي ترفع الأعلام العربية ومصادرة شحناتها بغض النظر عن وجهتها، أما السفن القطرية التي ترفع العلم العثماني فقضت الأوامر بالقبض عليها لكن من دون تدمير الأسلحة والذخائر التي بحوزتها إلا بموجب أمر خاص من حكومة الهند.

عبد العزيز آل سعود وبرسي كوكس وغيرترود بيل

بيد أن الأمر تغير في 14 شباط/ فبراير عام 1910، وذلك عندما أعلنت بريطانيا عدم اعترافها بالسيادة العثمانية على قطر، فبدأ الإنكليز بحرق كل المراكب التي تحمل السلاح بعد مصادرة محتوياته.

ورغم ذلك، لم تتوقف التجارة إلا عندما فرضت الحماية البريطانية على قطر وفق معاهدة 3 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1916، إذ تعهد شيخ قطر عبد الله بن قاسم بإنهاء دخول الأسلحة لبلاده إلا في حدود الاستخدام المطلوب لحفظ الأمن.

عبد الله بن قاسم

البحرين... اقتسام الأرباح مع الشركات

لم يكن لدى البحرينيين وقت تعرضت بلادهم لهجوم حاكم قطر جاسم آل ثان عام 1885 سوى 100 بندقية تقريباً، لكن بريطانيا ساهمت في صد الغزو حسب اتفاقية الحماية التي عقدتها مع البحرين عام 1820.

وبحسب الهاشمي، نبّه هذا الحادث الذي انتهى بتدمير مدينة الزبارة شيوخ البحرين إلى ضرورة الحصول على الأسلحة للدفاع عن بلادهم ضد أي تهديد، لذا بدأت شحنات الأسلحة المستوردة إلى عمان تخضع لإعادة تصدير إلى البحرين.

وفي 21 كانون الثاني/ يناير عام 1896، أصدر حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1869 – 1932) إعلاناً مبهماً بمنع تجارة الأسلحة في بلاده.

الشيخ عيسى بن علي آل خليفة

في المقابل، ألزم المخالف بدفع ربع قيمة الأسلحة، ثم أعطى امتياز هذه التجارة إلى وزيره عبد الرحمن بن عبدالوهاب مدى الحياة بشرط عدم بيع الأسلحة في البحرين وقطر والساحل العربي عدا ساحل عمان، على أن يقوم الوزير بتمويل الشيخ بثلاثين بندقية سنوياً و600 حزام عتاد، فضلاً عن ضريبة سنوية تقدر بثلاث بنادق عن كل 100 بندقية و200 طلقة لكل بندقية، حسب ما روى لوريمر.

أن تكون منطقة الخليج محطة مهمة لتجارة السلاح فذلك ليس جديداً عليها، فمنذ عام 1881 وما تلاه بدت بالأهمية نفسها وإن كان ذلك لأسباب مختلفة وقيود إنكليزية عثمانية متباينة... عودة إلى تجارة السلاح في الخليج منذ 140 عاماً
مسقط كانت أكبر سوق للسلاح في الشرق الأوسط وقطر لم تكن مشمولة بمعاهدات بريطانيا مع شيوخ الخليج العربي والكويت دخلت في لعبة قط وفأر مع البريطانيين... تجارة السلاح في الخليج العربي منذ 140 عاماً

وبعد فترة، نقل الوزير امتيازه إلى التاجر الآغا محمد رحيم، وبدوره نقل الامتياز كله إلى الشركة الإيرانية "فراسيس وتيمز" وشركاه بشرط اقتسام الربح.

بموجب ذلك تدفقت واردات الأسلحة على البحرين، لتنطلق إلى بوشهر ولنجة والمحمرة على الساحل الفارسي ونجد والكويت وعمان على الساحل العربي، بل وإلى قطر والبحرين متحدية شروط الامتياز، كما ذكر لوريمر.

ويذكر عبد العزيز عبد الغني إبراهيم في كتابه "سياسة الأمن لحكومة الهند في الخليج العربي 1275- 1333هـ/1858- 1914: دراسة وثائقية" أن بريطانيا خشيت من تحول البحرين لمخزن أسلحة، فضغطت على الشيخ عيسى لإصدار قرار في 30 نيسان/ أبريل 1898 بحظر تجارة الأسلحة وتوريدها إلى بلاده، ومصادرة كل الأسلحة المضبوطة.

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1905، رفع الشيخ عيسى مذكرة إلى الحكومتين الهندية والبريطانية يشكو فيها تأثير الحظر على جماركه، لكن الحكومة البريطانية ردت بأنها لا تفكر في تعديل أو تخفيف أي اتفاق عقدته معه.

وبحسب إبراهيم، لم يبال الشيخ برد الإنكليز، وخفف من تلقاء نفسه القيود ليتسنى له الحصول على موارد مالية من جمارك الأسلحة.

إزاء ذلك، زادت السلطات البريطانية من تفتيش البواخر حتى توقف الاستيراد المباشر من مسقط، لكن ذلك لم يحل من انتقال الأسلحة بين قطر والقرى الساحلية للبحرين.

الكويت... لعبة القط والفأر مع البريطانيين

لم تكن الكويت مركزاً لتهريب الأسلحة إلا في عام 1892 عندما استورد منها التجار الفرس حوالي 1000 بندقية من نوع "مارتيني هنري". لكن هذه التجارة نمت بعد تولي الشيخ مبارك الصباح الحكم (1896 – 1915)، وبحسب لوريمر يبدو أن أسلاف الصباح حظروا التجارة خوفاً من العثمانيين، حيث كانوا يخضعون لسيادتهم.

الشيخ مبارك الصباح

على كلٍ، خشيت بريطانيا تحويل الكويت إلى مركز لتهريب الأسلحة بما يهدد طريق التجارة إلى الهند، فعرضت على الصباح تعويضات تساوي دخل سنة من رسوم استيراد الأسلحة نظير وقف هذه التجارة، لكن شيخ الكويت كان دائماً ينفي وصول الأسلحة إلى بلاده.

وفي عام 1899، عقدت بريطانيا معاهدة مع الصباح أعلنت بموجبها الحماية على الكويت لضمان الطرق التجارية، وضغطت لإصدار أمر في 24 أيار/ مايو عام 1900 بحظر استيراد الأسلحة إلى الكويت وتصديرها، ومصادرة كل الأسلحة المضبوطة، وفق قول إبراهيم.

ومع ذلك، لم تمنع تلك التدابير تدفق الأسلحة إلى الكويت بسبب الأوضاع التي كانت تمر بها الجزيرة العربية واحتدام الصراع بين آل الرشيد وآل سعود، إذ مدّ الشيخ مبارك عبدالعزيز بن سعود بالأسلحة وتساهلت بريطانيا في ذلك لرغبتها في إبعاد ابن الرشيد الموالي للعثمانيين، حتى تمكن ابن سعود من السيطرة على الرياض في كانون الثاني/ يناير 1902، كما روى الهاشمي.

عادت بريطانيا من جديد لتشديد مراقبتها للسفن المحملة بالأسلحة لكن ذلك لم يوقف توريدها للكويت، ومنها إلى العراق ووسط الجزيرة العربية وفارس.

بعد الحرب العالمية الأولى ووقوع الخليج العربي بكامله تحت النفوذ البريطاني، لم تعد تجارة السلاح ملموسة، بسبب جدية الحصار المفروض عليه من قبل بريطانيا.

ورغبة من الشيخ مبارك في إرضاء السلطات البريطانية وافق على رفع علم خاص على سفنه لتمييزها عن غيرها تنفيذاً لأوامر الحظر وتسهيلاً لتفتيشها، كما رفع الضريبة المفروضة على الأسلحة إلى 6 دولارات عن كل بندقية، وبحسب الهاشمي، وصل دخل الشيخ إلى 100 ألف دولار سنوياً بسبب ذلك.

وعندما شرعت بريطانيا في فرض الحصار البحري على الخليج العربي لمنع وصول الأسلحة بالقوة العسكرية، ونتيجة للضغوط البريطانية المتزايدة، صرّح الشيخ في مارس 1910 بمنع هذه التجارة منعاً باتاً.

نجد والإحساء... مقايضة السلاح بالخيول والأغنام

بعد الحملة العثمانية بقيادة مدحت باشا على الإحساء عام 1871، كان استيراد الأسلحة محظوراً ولو اسمياً على الأقل، لكن في الواقع كان أهالي نجد والإحساء يحصلون على أسلحتهم من مسقط ويرسلونها إلى بلادهم عن طريق قطر لعدم وجود ما يعيق وصولها، كما كانوا يزورون الكويت ويقايضون الأسلحة والبارود بالخيول والأغنام والأبقار، على ما ذكر الهاشمي.

أسهم ذلك في امتلاك القبائل الأسلحة الحديثة، ومنها "عجمان" في الإحساء و"العتبان" و"المطير" في وسط الجزيرة و"حرب" في أطراف نجد التي كانت تستورد الأسلحة من ميناء ينبع على البحر الأحمر.

وبحسب إبراهيم، بعد الحرب العالمية الأولى ووقوع الخليج العربي بكامله تحت النفوذ البريطاني، لم تعد تجارة السلاح ملموسة، بسبب جدية الحصار المفروض عليه من قبل بريطانيا التي أرادت ضمان عدم وصوله إلى العناصر الوطنية في آسيا وأفريقيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard