المساءلة الضرورية… لماذا لم تنصف هدى شعراوي زوجة ابنها المطربة في قضية النسب؟

الخميس 12 ديسمبر 201906:21 م

"أقرُّ أنا الموقع على هذا... محمد علي شعراوي، نجل المرحوم علي باشا شعراوي، من ذوي الأملاك، ويقيم بمنزل في شارع قصر النيل رقم 2 قسم عابدين بمصر، أنني تزوجت الست فاطمة كريمة المرحوم سيد بيك المرواني، المشهورة باسم (فاطمة سري)، من تاريخ أول سبتمبر سنة 1924، ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين أفرنكية، وعاشرتُها معاشرة الأزواج، وما زلتُ معاشراً لها إلى الآن، وقد حملت مني مستكناً في بطنها الآن، فإذا انفصل، فهذا ابني، وهذا إقرار مني بذلك... وأنا متصف بكافة الأوصاف المعتبرة بصحة الإقرار شرعاً وقانوناً، وهذا الإقرار حجة عليَّ تطبيقاً للمادة 135 من لائحة المحاكم الشرعية، وإن كان عقد زواجي بها لم يعتبر، إلا أنه صحيح شرعي مستوف لجميع شرائط عقد الزواج المعتبرة شرعاً".

محمد علي شعراوي

القاهرة في 15 يونيو 1925

هذا الموقّع كان ابن واحدة من رائدات النسوية في العالم العربي، لُقّبت بـ"محررة المرأة"، وسعت إلى نيل حقوقها ونادت بمساواتها بالرجل في مجتمعنا في مطلع القرن العشرين. إنها هدى شعراوي. ولكن ما إن طالت حقوق المرأة وفكرة المساواة عائلتها ومكانتها وطبقتها الاجتماعية، حتى تبرأت من العلاقة التي جمعت ابنها المذكور بالفنانة المصرية الراحلة فاطمة سري، والتي نتج عنها حملها ببنت.

وبحسب ما رواه الكاتب الكبير مصطفى أمين في كتابه "مسائل شخصية"، أقامت هدى شعراوي حفلاً كبيراً في "سرايتها" بعد اختلافها مع الزعيم سعد زغلول وقتذاك، وفي الحفل شاهد ابنها المطربة التي أحيت الحفل فأعجب بها ووقع حبها في قلبه، فراح يلاحقها من حفل إلى حفل، ومن مكان إلى مكان، وهي معرضة عنه، ما أشعل حبها في قلبه، وبدأت قصة الحب تتطور.

التناقض في موقف نصيرة المرأة، التي أجبرت ابنها على فراق زوجته وإنكار نسب ابنته منها، هي القصة الحقيقية والتي حوّلها مصطفى أمين إلى عمل سينمائي باسم (فاطمة) أدت بطولته أم كلثوم

أشارت إحدى المجلات إلى هذه القصة أيضاً على صفحاتها، فانزعجت المطربة، لكن الباشا لم ينزعج، وقال لها: "أريد أن تعرف الدنيا كلها أني أحبك".

يواصل "أمين" سرد تفاصيل الحكاية في كتابه: "عندما علم طليق المطربة بالقصة، ثار عليها وحرمها من ولديها، ففكر محمد شعراوي في الانسحاب بعدما تورطت معه وثارت من حولهما الشبهات، فكتب لها شيكاً بمبلغ كبير ثمناً للوقت الذي أمضاه معها، فما كان منها إلا أن مزَّقت الشيك وداسته بأقدامها وتركته وهي ثائرة غاضبة، فلحق بها محمَّد شعراوي واعتذر لها عن سوء تصرفه وعرض عليها الزواج بشكل عرفي، فاعترضت المطربة وقالت إنها تريد عقداً شرعياً، فطلب منها أن تمهله حتى يسترضي والدته... في هذه الأثناء كانت المطربة قد شعرت بدبيب الحمل وقررت إجهاض نفسها، وعندما أخبرها الطبيب بأن هذا الإجراء خطر على حياتها، تمسك شعراوي بها وبالجنين"، وكتب إقراره المشار إليه سابقاً.

هذا التناقض في موقف نصيرة المرأة، التي أجبرت ابنها على فراق زوجته وإنكار نسب ابنته منها، وهي القصة الحقيقية التي حوّلها مصطفى أمين بنفسه إلى عمل سينمائي باسم (فاطمة) أدت بطولته سيدة الغناء العربي أم كلثوم، ونُشرت تفاصيله في الجرائد مطلع القرن الماضي، يصيبنا بالأسف والخذلان، فالعقائد التي اتخذتها "شعراوي" ضد "نظام الحريم" عندما نزلت أرض الاختبار بدت هشة، ولا يدل ذلك إلا على بناء ثقافي مظهري للرواد، حيث لم يكن الأمر بالنسبة لهم أكثر من "شو حضاري"، لكن إنْ مسّهم مبدأ تذويب الفوارق تسقط شعاراتهم فوراً في وحل التجربة.

هذه المرأة القوية، التي طرحت "البُرقع" أرضاً عام 1923 وهي تنزل من القطار في القاهرة وشجعت أخريات على مثل فعلها بالإضافة إلى تأسيسها الاتحاد النسائي المصري، لم تقبل أن يتزوج ابنها دون رضاها، خاصة إذا كان الولد المدلل العابث يعشق فنانة أو مطربة، ورأت "شعراوي" أن ابنها، حفيد محمد باشا سلطان، رئيس أول مجلس نواب في تاريخ مصر وقائم مقام الحضرة الخديوية على الصعيد، "لا يجوز أن يتزوج هذه المطربة مع ثروته وأصوله الرفيعة".

إلقاء التقاليد القديمة في الأرض هنا ربما يسير على سطر ويجافي آخر إذا ما اقتضت الضرورة...

استخدمت "نصيرة المرأة" شبكة علاقاتها ونفوذها للضغط على المطربة الشابة بالتهديد بتلفيق ملف سري لها في شرطة الآداب بتهمة الدعارة... هكذا حكى مصطفى أمين في "مسائل شخصية".

عار كبير ما نقرؤه عن ماضينا المفكك...

ما إن طالت حقوق المرأة وفكرة المساواة عائلة هدى شعراوي ومكانتها وطبقتها الاجتماعية، حتى تبرأت من العلاقة التي جمعت ابنها المذكور بالفنانة المصرية الراحلة فاطمة سري، والتي نتج عنها حملها ببنت

معارك عنيفة خاضتها "شعراوي" ضد المطربة، وبعد سنوات من المرافعات والضغوط والتدخلات، إذا بالمحكمة الشرعية تحكم بأن "ليلى" هي ابنة محمد شعراوي، وخضعت شعراوي لحكم القضاء، لكنها حرمت الطفلة من رؤية والدتها

ليس على الهامش

اشتُهرت فاطمة سرّي في عشرينيات القرن الماضي. وُلدت عام 1904، والدها هو سيد بك المرواني، درست في المدارس الإنكليزية وأكملت دراستها في المنزل حتى تزوجت من سيد بك البشلاوي، الذي اهتم بموهبتها الغنائية، وسمح لها بالتدرب على يد الموسيقار الرائد داوود حسني... حققت نجاحات مقبولة في الفرق المسرحية، فكانت عضوة بفرق "الجزايرلي وعلي الكسار ونجيب الريحاني"، وأصبحت أول مصرية تغني أوبرا كاملة هي "شمشون ودليلة".

اشتعلت المعركة بين هدى شعراوي وابنها وزوجته المطربة، فقرر ابنها السفر إلى أوروبا وطلب من زوجته اللحاق به، فكان يتنقَّل من مدينة إلى أخرى تاركاً لزوجته في كل بلد رسالة مفادها أن الحقي بي، لكنها برغم حرصها على اللحاق به لم تعثر عليه في أي مكان، يبدو أنه كان يتهرب منها، فعادت المطربة إلى مصر ومعها طفلتها "ليلى"، التي أخفتها عن العيون خوفاً عليها.

وبعد مدة عاد الأب ليسأل عنها وعن ابنته ويسألها أيضاً عن الإقرار، فسألته: هل يهمك الحصول على هذه الورقة؟ فقال: بهذا تثبتين إخلاصك لي إلى الأبد، فمدت يدها تحت الحشية التي كان يجلسان عليها وأخرجت الورقة وسلمتها له، بعد أن قامت بتصويرها "زنكوغراف" صورة مطابقة للأصل.

لم يتبين "شعراوي" الابن أنها صورة، ظناً منه أنه نجا من إثبات النسب، وكانت هذه الخدعة نصيحة من محامي "سرّي".

معارك عنيفة خاضتها "شعراوي" ضد المطربة، وبعد سنوات من المرافعات والضغوط والتدخلات، إذا بالمحكمة الشرعية تحكم بأن "ليلى" هي ابنة محمد شعراوي، وخضعت شعراوي لحكم القضاء، لكنها حرمت الطفلة من رؤية والدتها، بحسب مجلة المسرح الأسبوعية في عددها المنشور يوم 27 يناير 1927.

لا يشكك أحد في تاريخ الشعراوي، لكن هذه الواقعة تكشف عن فجوة عظمى بين ما ندعيه وما نمارسه حال الاختبار.

كل المبادئ تحتاج إلى معمل يثبت صدقها...

أكتب هنا لأدافع عن الأفكار التي كسرتها هشاشة أصحابها، لا أغوص وراء أسباب الهشاشة لكني أرصدها، والرصد كالتشخيص المبدئي في عالم الطب وهو أول العلاج والشفاء... ولا أقصد أبداً ذم السيدة هدى شعراوي، فلها ما لها وعليها ما عليها. تربينا على ما لها من صيت مهم وجريء، لكنه صيت يستحق المراجعة قبل طرح القول الفصل فيه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard