هل كتبت النساء تفسيرا للقرآن؟ قصة زيب التفاسير

الثلاثاء 14 يناير 202003:47 م

زيب النساء بيكم (1114هـ- 1043م) بنت أورنك زيب، طفلة لم تتخط السابعة من عمرها بعد، أتمّت حفظ القرآن عن ظهر قلب، عرفت منذ طفولتها بالذكاء، ما جعلها كَلِفة بالعلوم والآداب، فعهد بها والدها إلى معلّمة تسمى "مياباي" لازمتها وقتاً طويلاً، وعلمتها اللغة العربية والفارسية، كما اختار لها والدها صفوة المعلمين، فبرعت على أيديهم في الدين والأدب والفنون الأخرى، ورأت أن تكتب تفسيراً للقرآن، فنهاها أبوها عن ذلك لصغر سنها.

عاشت زيب النساء سنيّ حياتها الخمسين متسامية بشاعريتها وصوفيّتها على مطامع الحياة الدنيا، فقد كانت شاعرة صاحبة نفس متواضعة رغم عيشها في بيت السلطة، وكانت تقول: أنا ابنة ملك، ولكني اتخذت طريق إنكار الذات، وهذا فخري، كما أن اسمي زيب النسا- يعني زين النساء وفخرهن!

ويقال إن زيب النساء كانت تنظم الشعر خفية في أول الأمر، حتى عثر أستاذها "شاه رستم غازي" ذات يوم على بعض قصائدها مخفية في كراساتها، فأعجبته وحثها على المضي في هذا الطريق. نظمت زيب النساء الكثير من الأشعار، ولما كانت تحظى بمحبة عمها "دار شيكوه" اعتادت أن تهدي إليه بواكير أشعارها، وقد كانت تنزع في نظمها مثل جدها "أكبر" إلى التسامح الديني والتفاهم بين الأديان، فقد درست إلى جانب الأسفار المقدّسة لمختلف الأديان، دواوين من سبقها من الشعراء، لا سيما المتصوفة منهم، وكثيراً ما كانت تشير في بعض أشعارها إلى أعلام المتصوفة، مثل رابعة العدوية وذي النون المصري، والحلاج، وفريد الدين العطّار، وجلال الدين الرومي، ومن أشعارها التي تؤكد على هذا الجانب:

إلى حبك تتعطش روحي وجسدي

ومثل منصور الحلاج، تصرخ في ذرّات هذا الهيولي

هي الجزئيات، وأنت الكل.. وهي هي الله

وكما يحدث عند قدوم أمطار الربيع، فتسرى أنهار من العصير في الأشجار النامية

كذلك يجري حبك في عروقي حتى إلى الشعيرات الدقيقة من قلبي!

البلبل يترنم بحبك

وحبك هو ما جذب الفراشة نحو النار فأحرقت جناحيها.

ومن أشعارها التي تبين مدى تأثرها بسلفها "أكبر" و"دار شيكوه" فيما اعتقدوا من لقاء بين الأديان والمذاهب المختلفة:

سواء أفي حرم مكة المقدس أم في المعبد الذي يقصده الحجاج

فأنت لي هناك

وحيثما يعبد الـله فهناك ربي

وفي يوم القيامة سوف نلقى صعوبة كبرى لنبرهن على أننا كنا مؤمنين صادقين

ما لم نأت معنا بوثن معبودنا كشاهد علينا!

عرفت زيب النساء بمحبتها للعلم واهتمامها بالعلماء، وما يبرهن على ذلك في سيرتها اهتمامها بالكتب والمخطوطات، فأنشأت مكتبة ضخمة كانت عامرة بالمؤلفات، وكلفت مهرة النسّاخ بنقل الكتب المهمة والنادرة، وعينت في كشمير عدداً منهم لهذا الغرض، إذ كان لهذه البلدة صيت في ذلك، فكان عمل النسّاخ متصلاً، وكانت تقضي ساعات كثيرة بين الكتب متصفحة ما يرد إليها من أعمال النسّاخ.

أنا ابنة ملك، ولكني اتخذت طريق إنكار الذات، وهذا فخري، كما أن اسمي زيب النسا- يعني زين النساء وفخرهن! عن العالمة الصوفية التي نسب لها تفسير للقرآن

"أشارت علينا العالية القدّيسة زيب النساء بيكم، لا زالت خيام عظمتها مكفوفة الإقبال والتأييد ـ بتأليف تفسير بالفارسي، سهل المأخذ، وقريب إلى الأفهام، يمثل خلاصة جامعة لما يحتويه التفسير الكبير من درر وغرر، يعمّ نفعه للجميع، وينتفع به العامة إلى يوم القيامة"

زيب النساء من العشق والملك إلى الزهد والسجن

في لاهور في مستهل عام 1662، التقت زيب النساء بـ"عقيل خان"، الحبيب الذي لقي حتفه بسبب عشقه لها، ولم تستطع إزاء بطش والدها أن تفعل شيئاً لتنقذه من مصيره المشؤوم، فمصير العاشق صلبه من أجل مسرّة العالم! لقد كانت هذه الحادثة بداية تحوّل لمسار صعب وُضعت فيه الشاعرة، فبعد أن كانت أميرة تستمتع بالحياة وتتأمل بالطبيعة وتشاهد المسرّات وتمشي بين الحدائق، أصبحت وحيدة باكية منكسرة.

في ذلك العهد الجديد نظمت قصائدها الباكية وأقامت صلواتها الحزينة، ولجأت إلى أحضان المحبوب السرمدي، فقدت خمر ابتهاجها وتحوّل وجودها إلى يباب، فلا ينمو عشب صالح في حديقتها. فتّشت عن مسرّة فلم تجد، فبسطت أكف الضراعة للسماء، حتى لا تتحوّل صلواتها على هشيم.

لم يكتف والدها بنهاية حياة حبيبها المأسوي بل أمر بسجنها في قلعة "سالمجار"، وفي سجنها قضت أعواماً قاسية، نظمت فيها العديد من الأشعار، ولقّبت نفسها بالمخفي، ومن أشعار تلك الفترة:

عبثاً تنشد العزاء في سجن الحزن، يا "مخفي"!

ولا أمل في إطلاق سراحك.. إلى يوم القيامة

من قبر "المجنون" يصل إلى مسمعي صوت يهتف:

"ليلى" لا راحة لصريع الحبّ حتى في القبر!

ما جنيت شيئاً في حياتي غير الأسى والندم

ودموع أمنية لم تتحقق!

منفاك طويل يا مخفي، وأبديّ حنينك!

طويل ما سوف تنتظر، وقلبك في داخلك يحترق

تتطلّعُ إلى عودتك لبيتك! فأي بيت لك أيها التعس!

السنوات ولّت وتركته مهجوراً!

ولئن قال الله لك يوم الحساب: سأجازيك وفاءً، وعن شقائك سأعوضك.. فلن توازي أفراح السماء كلها شقائي!

ولو صب عليّ الإله بركاته، لظلّ مع ذلك مديناً لي!

وفي عام 1689 بلغت زيب النساء الخمسين من عمرها، وقد أصابها المرض لأسبوع واحد، ثم فاضت روحها إلى بارئها، ودفنت في حديقة "نوكوات" على مقربة من لاهور-كما أوصت بذلك. وبعد وفاتها بخمس وثلاثين سنة جمعت أشعارها في مجلد ونشر بعنوان: ديوان مخفي. ثم ترجمت مجموعة من قصائدها في العصر الحديث إلى اللغة الإنكليزية، ونشرت في سلسلة حكمة المشرق 1913م، وكثيراً ما تنشد أشعارها في الاحتفالات الدينية وموالد الصوفية.

زيب النساء وتفسير القرآن

أكّد غير واحد من المؤرخين على كون زيب النساء شاعرة تسحر الألباب، ولا تضاهيها امرأة في الهند في جودة القريحة وسلامة الفكرة ولطافة الطبع.. لكنّهم رأوا أن ديوان الشعر المنسوب إليها كان لواحد من شعراء الفرس، أما ديوانها الأصلي فقد ضاع في حياتها. كذلك ما نُسب إليها من تفسير للقرآن الكريم فهو في حقيقة الأمر ترجمة للتفسير الكبير للفخر الرازي بالفارسي، نقله من العربية إلى الفارسية الشيخ صفي الدين الأردبيلي الكشميري بأمرها، ولذلك سمّاه باسمها، فما هي حقيقة هذا التفسير؟

كان من جملة العلماء المقربين إلى زيب النساء عالم يدعى محمد صفي بن ولي القزويني، كتب بأمر منها بعض الكتب، مثل كتابه "أنيس الحجّاج" الذي كتبه في عام (1087هـ- 1676م) في دلهي، وكتاب "تحفة الأخيار" الذي كتبه في عام (1076هـ) ـ وقد أمرته زيب النساء فيما بعد بكتابة تفسير جامع ومانع ومختصر، يستطيع المرء من خلاله أن يتعرّف على أسرار الذكر الحكيم، وقد استجاب محمد صفي القزويني لرغبة الأميرة الشاعرة، لكنه لم يؤلّف تفسيراً جديداً، بل جمع همّته في تلخيص كتاب "التفسير الكبير" للفخر الرازي، وقدم عمله في عدة مجلدات، أتم المجلد الأخير في (1087هـ- 1676م). ومن حسن الحظ أن مخطوطات هذا الكتاب متوفرة اليوم، ذكرها رسول جعفريان في مقال كتبه بالفارسية ونقله إلى العربية عماد الهلالي.

ويحسن بنا أن ننقل مقدمة هذا التفسير للقارئ حتى يصير على بيّنة من أمره، ويتعرف على حقيقة هذا التفسير الذي كثرت الأقاويل حوله:

مقدمة زيب التفاسير لصفي بن وليّ القزويني

اللهم صلِّ على محمد وآله وأصحابه أجمعين، صلاة تكون لهم رضاً يوم الدين. بعد الحمد لله والثناء على نبيّه، وانطلاقاً من قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ندعو من هذا المجلس الموقر والمحفل المبجّل لدوام سلطنة العدل وظلّ الله: محيي الدين محمد أورنك زيب بهادر، خلَّده الله على العالمين.

[...] ولما كان التفسير الكبير للفخر الرازي -روَّح الله روحه- متحلِّياً في هذا الفنّ بالجمع والتحقيق، والحفظ والتدقيق، وضبط آراء كبار المفسِّرين، ولما كان تحرير الكتاب باللغة العربية، التي قصرت أفهام الناطقين بالفارسية عن فهم معانيه واقتباس مبانيه ـ زيادة على صعوبة الترجمة ـ، أشارت علينا العالية القدّيسة زيب النساء بيكم، لا زالت خيام عظمتها مكفوفة الإقبال والتأييد ـ بتأليف تفسير بالفارسي، سهل المأخذ، وقريب إلى الأفهام، يمثل خلاصة جامعة لما يحتويه التفسير الكبير من درر وغرر، يعمّ نفعه للجميع، وينتفع به العامة إلى يوم القيامة.

وشرعنا، امتثالاً للأمر الأقدس، في شهر رجب المرجَّب سنة 1077 من الهجرة، في دار الخلافة شاه جهان أباد، في تأليفه، وسمَّيناه: زيب التفاسير. حيث تجنَّبنا فيه التعقيد من العبارة، ووصل بتوفيق من الله إلى تسعة أجزاء مرتَّبة، ينطوي كل مجلد على ديباجة، وخاتمة ممتازة ومهذبة. وقد استغرقت كتابته ثمان سنوات، بعضها في دار الخلافة، وأكثرها في كشمير، متّكئين في ذلك على كتب متعددة، والتدقيق لما جاء فيها، متتبعين لكلّ نكتة ظريفة ودقيقة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

[...] ولمّا كانت مسوّدة التفسير والنسخة المقررة -كلاهما معاً- بيد السيدة زيب النساء، ولم تتح لي الفرصة لاستنساخ جميع أجزاء التفسير، قررت خلاصة المطالب بتعبير سلس وواضح. واتَّبعنا في ذلك الطريقة التجزيئية، مثل: المواهب العالية، وغيرها، بل أبسط وأبين منها، فجاء كتاباً في حلّة جديدة، وبعبارات بعيدة عن التكلُّف المتعارف في ذلك الزمن.

وهو مشتمل على فوائد جمة، وكان ذلك وفقاً لأمر السيدة زيب النساء. فصار الكتاب تسع مجلدات، وفي متناول الجميع. وأول ما صدر من المجموعة المجلد الأول؛ باعتباره جامعاً ومنقولاً من كتب متعددة، والكتب التي راجعناها هي: غرائب القرآن للنيسابـوري؛ جواهـر التفسيـر للكاشفـي، التفسير الكـبيـر للرازي. ونقلنا في المجلَّدات الثمانية، بعد نقل كلام الرازي من تفسير الكشّاف للزمخشري، وأنوار التنزيل للبيضاوي، وغرائب القرآن للنيسابوري، والعرائس لروزبهان البقلي الشيرازي، وغيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard