“تمنيت أن يموت أخي"... المعاناة الصامتة لصعيديات تعرضن لتحرش المحارم

الجمعة 13 ديسمبر 201906:02 م

تلمح في مشيتها نوعاً من الخجل الزائد، وتكاد تشعر برغبتها في التواري عن الأنظار، قد تتخيل أنها شابة شديدة المحافظة من بعيد، لكن ما إن تقترب أكثر، ستعثر على سبب آخر.

رشا كمال (اسم مستعار)، فتاة في التاسعة عشر من العمر، حاصلة على دبلوم تجارة، تقطن في إحدى قرى سوهاج، في صعيد مصر، تقول إنها لاتزال تعيش رعباًً يوميا، خاصة عند ذهاب أخيها لأحد أعراس الأقارب أو الجيران، اعتادت أن يعود ثملاَ من أي عرس، ويتحرَّش بها.

وتحكي الشابة أن الأمر مستمر منذ أن كانت في الرابعة عشر من عمرها، وتنتظر فرصة الزواج المناسب لكي تهرب من هذا "الجحيم"، وقد حاولت أكثر من مرة الأفصاح عن الأمر لوالدتها، ولكنها تعرَّضت للتعنيف الشديد، تقول رشا لرصيف22: "لو كان والدي حيا لما حدث كل هذا".

أكثر ما تخشاه رشا كفتاة صعيدية "الوصم الاجتماعي"، فهي إن تجرَّأت وأفصحت عمَّا يرتكبه أخوها في المنزل، من تعرض لعنف وتحرش، فقد تربَّت كسائر بنات صعيد مصر على الخوف من "العار"، فعندما يعرف الغرباء ما يحدث في البيت، سيعايرها الآخرون بسلوك أحد أفراد عائلتها، حتى وإن تزوجت.

"وسواس التحرش بابنتي"

ليلى عثمان (اسم مستعار) أم في السابعة و العشرين من العمر ذات جسد هزيل، ووجه باهت، وتحكي أنَّها مُطلَّقة حديثا لسبب لا يعرفه إلا هي وزوجها، فهي تشك دائماً أنًّ زوجها يتحرش بابنتها ذات الأربع سنوات.

تعود ليلى وتُبرِّئ زوجها، ولكن هناك هاجس يلحّ عليها أنَّه ربما فعل ذلك، والسبب أنها تعرضت للتحرش من قبل والدها، فأصابتها الخشية التي تصل إلى حد الوسوسة على ابنتها، والآن بعد وقوع الطلاق، تضاعف خوفها على ابنتها، تخشى أن يتحرش "رجل غريب" بابنتها.

في النهاية، تقول ليلى التي تربت في مجتمع ذكوري يحمِّل المرأة بأكثر من الرجل، لرصيف22 أنها سامحت والدها لـ"حنانه الأبوي"، رغم ما سبَّبه لها من عقد نفسية، وتدمير علاقتها الزوجية.

"التحرش من قبل المحارم أمر يحدث بالفعل في الصعيد، خاصة بالصغيرات، ويصبح شغلها الشاغل فيما بعد أن تُخبِّئ ملامح جسدها الأنثوي، والبعض الآخر نتيجة لقلة الوعي يعتبر ذلك أمراً عادياً"
"كم تمنيت أن يموت شقيقي، وتصيبني الغرابة الشديدة عندما أجده يحذر والدي من أن أتعرض للتحرش خارج المنزل، أو يقوم بإغوائي أحد على حد قوله"

تعلِّق وفاء عشري، ناشطة نسوية من أسوان لرصيف22، أن التحرش من قبل المحارم أمر يحدث بالفعل في الصعيد، خاصة بالصغيرات، ويكون نكبة للفتاة، ويصبح شغلها الشاغل فيما بعد أن تُخبِّئ ملامح جسدها الأنثوي، وكثيرات يفقدن جزءً كبيراً من حيويتهن، والبعض الآخر نتيجة لقلة الوعي يعتبر ذلك أمراً عادياً، وفي النهاية لا بد للفتاة على الأقل من وقفة مع نفسها حتى تتعافى، وتتصالح مع جسدها.

وترى عشري من وحي مشاهداتها وما سمعته في قرى الصعيد أن النساء اللواتي يتعرضن لذلك يصيبهن ما يشبه الوسواس خشية من التعرض لأمر مشابه لبناتهن، ويقمن بتحذير بناتهن من المحارم، بالإضافة لعملية المراقبة الصارمة التي يقمن بها.

ويختلف معها أحمد راغب، شاب ثلاثيني، مدرِّس تربية فنية، يسكن في محافظة قنا، يرى أنَّ الاعتداء على المحارم في محيطه القروي أمر نادر الحدوث من جهة، ويقتصر على حالات فردية، ولكنه يحدث بالفعل.

"الصعيد مجتمع مغلق، لا يسمح بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج".

ويرجع راغب السبب في تلك السلوكيات إلى كون الصعيد مجتمع مغلق، لا يسمح فيه بالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، ومع ارتفاع معدلات الفقر، وزيادة معدلات الإستثارة التي يتعرض لها الشباب هناك نتيجة كثرة الولوج إلى مواقع التواصل الإجتماعي، يفرّغون شهواتهم داخل بيوتهم، ضاربين بكل "مواثيق الإنسانية" عرض الحائط، خاصة في النجوع البعيدة عن المدن، لإن التحرش بفتاة غريبة قد يدفع ثمنه غالياً.

ويضيف راغب في تصريح لرصيف22 بأنه لا يوجد رجل يقرّ لآخر أنه تحرش بمحارمه إلا إذا كان علي صداقة وثيقة معه، أو في لحظة ثمالة شديدة، وفيما يتعلق بالضحايا، وبحكم عمله كمدرس رسم مولع بعلم النفس، يستطيع التخمين من رسومات الصغيرات إذا ما كن تعرضن للتحرش، ولكن ليس بشكل يقيني، لذا تدفعه بعض الرسومات إلى التحقيق في الأمر، وهو ما حدث، ولا يدري ما هو التصرف المناسب في تلك الحالات.

"إثبات قوّة عبر التحرش"

سهى فؤاد طالبة في الصف الرابع بكلية الحقوق، تسكن في محافظة قنا، تقول لرصيف22 أنها باتت لا تشعر بالراحة فيما ترتديه داخل بيت أسرتها، بعد أن تعرضت لتحرش جسدي من شقيقها الذي يكبرها بخمس سنوات، عندما كانت بعمر الثالثة عشر، وبعدها ظلت فترة تعاني من تحرشاته بالنظر، وهو ما ترك لديها أثراً سلبياً جدا في شخصيتها الحساسىة.

تقول سهى عن شقيقها: "كم تمنيت أن يموت شقيقي، وتصيبني الغرابة الشديدة عندما أجده يحذر والدي من أن أتعرض للتحرش خارج المنزل، أو يقوم بإغوائي أحد على حد قوله".

وتصف لمياء إدريس، تعمل في استشارات الصحة النفسية، شخصية المعتدي في جرائم التحرش بأنه "ذو نفسية ضعيفة، يبحث عن إثبات مواطن قوته عن طريق التحرش، بغض النظر عن الحاجه الجسدية للإشباع الجنسي والاستثارة، فما يجعله يرجح كفة حاجاته الفسيولوجية للجنس أكثر من حاجاته الإجتماعية هو شروخ في شخصيته، وهشاشتها".

وأشارت إدريس في تصريحات لرصيف22 إلى أنّ التعرض للتحرش يسبِّب للفتاة إحساساً بالذنب، وشعوراً بالحزن يلازمها طويلاً، فضلاً عن القلق والفزع الدائم الذي يجعل الفتاة تقدم على الانتحار في بعض الأحيان، ويمتد أثر تعرضها للتحرش لمدى بعيد يصل لشهور وأعوام، وأحياناً مدى الحياة، طبقا لنفسية كل فتاة، وأحياناً في تعرضها لتلك الجريمة من أحد المحارم، يسلبها الشعور بالأمان.

"المرأة التي تعرضت لتحرش من قبل المحارم، ترى كثيراً أن زوجها لا يهتم سوى بجسدها فقط".

أما إيمان أحمد، طبيبة نفسية، فترى أن تأثير تحرش المحارم يتضح  على الفتاة أكثر في الخلافات الزوجية، فهو أحد أسباب هذه الخلافات وليس كلها، حيث كثيرا ما ترى زوجها لا يهتم لشخصيتها، ومشاعرها، وأنَّ "كل همه العلاقة الجنسية"، بينما الحقيقه قد تكون غير ذلك، ولكن رؤيتها ناتجة عن تراكمات، وصدمتها الناجمة عن التحرش.

وقد أشارت دراسة  ميدانية متعلقة بمحافظة سوهاج، نشرتها عام 2007 مؤسسة "قضايا المرأة المصرية" حول الأبعاد الاجتماعية للتحرش الجنسي وزنى المحارم إلى أنَّ 39.3% من عينة البحث تعرضن لأفعال التحرش الجنسي من أحد محارمها أو أقاربها.

ولم تقتصر أفعال التحرش الجنسي بالمحارم على شكل واحد في سوهاج، بحسب الدراسة، بل تعددت أشكال أفعال التحرش الجنسي بالمحارم، من تحرش باللمس، ونسبته 47.2%، وهناك تحرش بالكلام، وبلغت نسبته 25%، وتحرش بالنظر، نسبته 22.2%، وهناك اغتصاب كامل بنسبة 5.6%.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard