الرهبانية في الفضاء اللبناني العام... حدود تدخل البطريرك وروما والدولة

الخميس 12 ديسمبر 201903:20 م

"لأنني سأكون عندئذ تحت حماية القانون، سيكون عليّ أن أمتثل إذا استدعيت. سأكون إذا جاز التعبير، بين العالم والدير، سأتكلم وأشتكي بحرية. سأشهد عنكن جميعاً، لن يقدمن على أفعال يمكنني تقديم شكوى عليها. سيُحجمن عن إثارة فضيحة. سأرضى شاكرة بأن يسئن معاملتي، لكنهن لن يفعلن، كوني واثقة بأنهن سيسلكن سلوكاً مناقضاً تماماً، وسوف يعمدن إلى إغرائي ويحذرنني من الضرر الذي سأوقعه بنفسي وبالدار. وتوقعي ألا يصلن إلى التهديد إلا بعدما سيتبيّن لهن جدوى عدم أسلوب اللطف والإغراء، وأنهن سيتجنبّن اللجوء إلى وسائل العنف".

(سوزان سيمونان في رواية "الراهبة"، دينيس ديدرو، 1796)

في الأساس، تقوم رواية "الراهبة" لدينيس ديدرو على محاولة تفسير مجموعة علاقات، وضمن فترة زمنية محددة: علاقة الابنة بالعائلة، وعلاقة الراهبة بالدير، والأهم علاقة الرهبنة والدير بالقانون. لا يخلو السرد من القسوة، وأحياناً بمعايير متشددة، لذلك قد يصنّفه البعض ابتذالاً. لكنه سرد حول الحقيقة، أو على الأقل باسمها.

لاقت الرواية ذماً كثيراً في زمانها، وفي أي حال هذه السيرة تقريباً أغلقت تماماً. لكن السؤال عن العلاقات التي تحدّث عنها ديدرو بلسان الأخت سوزان، وبصيغ متعددة ما زال قائماً وقابلاً لإثارة سجالات، إلى درجة تخرج في أحيان كثيرة عن سياقاتها العلمية والتاريخية.

في لبنان، وقبل بضعة أيام، رفضت الراهبة مريم حبشي تنفيذ حكم قضائي أوجب على جمعية "رسالة حياة" أو "ميسيون دو في" كما تُعرف في وسط الرهبنة، باسمها الفرنسي، أن تسلّم أطفالاً تدور شبهات حول تعرضهم لانتهاكات. تجاهلت الراهبة القرار القضائي. وبمنتهى الوضوح، أعلنت أنها ستسلّم الأطفال في حالة واحدة، وهي أن يطلب غبطة البطريرك الماروني منها ذلك، وأنها لن تسلّم الأطفال حتى لو سحلت. بالنسبة إليها، الحق بطريركي.

أوقفتها القوى الأمنية تنفيذاً للحكم القضائي، لكن لم يُسلّم الأطفال، بل عقد رئيس الجمعية مؤتمراً صحافياً هاجم خلاله القضاء. وعملياً، نفّذت الراهبة ما تحدثت عنه. القرار ليس سياسياً صرفاً، بل ثمة أصول تاريخية لهذه العلاقة.

أثر الرهبنة في الطائفة

في إنكلترا، وبسبب رفض فسخ زواجه الأول، وبعد خلافه مع الفاتيكان عام 1536، بدأ الملك هنري الثامن بإغلاق الرهبانيات. صادر الأراضي التابعة لها، إضافة إلى ثرواتها، ودمّر مكتباتها، كما أعدم رؤساء الأديرة المعترضين.

بعد أعوام قليلة لا تتجاوز أصابع اليد، ارتفع معدل إغلاق الرهبانيات إلى ما يوازي الخمسين في الشهر، حتى اختفت من إنكلترا للقرون الثلاثة اللاحقة. ويفسر هذا ما يفسره في صورة إنكلترا الحالية. ورغم الفوارق الكبيرة، ربما يكون لبنان، من بين تجارب أخرى كثيرة بعضها أكثر اتساعاً، نقيضاً لهذه التجربة.

بشكل عام، هناك تاريخ طويل للرهبنة. ولا يشذ التاريخ الرهباني السرياني الأنطاكي عما نعرفه عن الرهبنة. هذا التاريخ يفتح المجال للحديث عن اتجاهين متوازيين قام العمل الرهباني على أساسهما، أولهما العزلة عن المجتمع، أو الفردية خارج أطر المجتمع؛ وثانيهما الجماعاتية المنظمة داخل الدير.

ويعني هذا، من بين ما يعنيه، استبدال المجتمع بالدير، وتحوّل المجتمع إلى الدير. الرهبانيات المارونية ليست بعيدة عن هذا التصور. وعندما جاء المترهبنون الموارنة من حلب، في خريف 1693، وجدوا مجتمعاً مارونياً صلباً في لبنان، لكنه لم يكن مؤسساتياً، بالمعنى الذي تقوم الرهبنة على أساسه. التقوا البطريرك اسطفان الدويهي ليمنحهم "البركة".

البطريرك اسطفان الدويهي

ولكن ليس تفصيلاً أن يكون الدويهي، هو الذي التقى الرهبان الحلبيين المؤسسين لعهد جديد للرهبنة المارونية في لبنان. فالدويهي هو كاتب التاريخ الحديث للموارنة فعلياً، وهذا التاريخ هو الذي خرج منه تاريخ لبنان، من دون تشذيب كافٍ للأساطير المؤسسة للكيان اللبناني. ربما كان قراره بالموافقة على تنسكهم في الدير مدروساً، ولكن ما يمكن الجزم به، أنه كان "مفيداً" للجماعة الطائفية على مدى القرنين اللاحقين.

أحد هؤلاء الرهبان الثلاثة القادمين من حلب كان من عائلة حوا التي تعود أصولها إلى شمال لبنان، إلى إهدن تحديداً. وتبعه شابان، واحد منهما كتب مذكراته عن الأيام الأولى للديرية وثانيهما كان يوسف البتن.

في مكان مهيب، هو دير سيدة قنوبين، التقوا بالبطريرك اسطفان الدويهي، وأعلنوا رغبتهم بالتنسك. وحسب الروايات المارونية اللبنانية التقليدية، حذّرهم البطريرك في البداية من حياة الرهبنة القاسية، بينما هم الآتون من حلب اعتادوا حياةً مدينية، ولو بقوا في حلب في ذلك الوقت، كانت ربما لتتطور إلى برجوازية صريحة. وبعد إصرارهم، وافق الدويهي، لكن موافقته لم تستدعِ نقاشاً تحليلياً، واقتصر السرد التاريخي دائماً على الطابع القصصي.

دير سيدة قنوبين

ثمة سؤال طبيعي يبحث عن إجابة. لماذا وافق البطريرك آنذاك، وما هي حدود سلطته وصولاً إلى حدود سلطة روما؟ الإجابة قد تتخذ طابعاً روحانياً وهو في جانب منه قد يكون محقاً ومنطقياً. ولكن يحق الافتراض، أيضاً، أن الدويهي لم يكن بطريركاً عادياً، بل كان صاحب طموح على مستوى جماعته، ليس لأنه كتب تاريخاً للبنان انطلاقاً من تاريخ كتبه هو شخصياً للموارنة وحسب، فقد بيّنت الأحداث لاحقاً أن الرهبانيات المنظمة لعبت دوراً في مأسسة الطائفة المارونية قبل غيرها من الطوائف اللبنانية.

وبالفعل، عانت الطوائف كما نعرفها بصورتها اليوم، في الاكتمال ضمن مؤسسات واضحة، حتى أن بعضها احتاج إلى أواخر القرن الفائت لكي يتمأسس. وهذه العوامل لم تكن محسوبة بالنسبة للمؤرخين اللبنانيين، باستثناء بعض الوجوه من الجيل الأخير، فيما اقتصر التفوق الماروني في بنية الدولة على تحليل النشأة الكولونيالية، قبل أن يعيد المفكر اللبناني مهدي عامل تعريف العلاقة بين نمط الإنتاج الكولونيالي والدولة.

سلطات متداخلة لعلاقات شائكة

على عكس جميع الطوائف الأخرى، ومن بين عوامل عديدة أخرى، لعبت الرهبنة دوراً أساسياً في تنظيم الحياة المارونية في لبنان. وليس ضرورياً أن نشرح هنا أن الحياة في ذلك الوقت كانت تمرّ عبر الكنيسة، وأن الحديث عن طائفة بالمعنى الذي نعرفه اليوم، لم يكن قائماً. وهذا التنظيم، لم يكن سهلاً، بل استدعى جهداً كبيراً. وبمراجعة كتاب المستشرق الإيطالي اليسوعي، جيرولامو دانديني "رحلة إلى جبل لبنان" (1656) ، يتضح أن الأديرة لم تكن على درجة عالية من التنظيم، بل على العكس تماماً.

وفي ظل الأحداث الأخيرة، وتحول قضية متعلقة بالرهبنة إلى قضية "رأي عام"، لا بد من الإشارة إلى مسألتين، انطلاقاً من تاريخ طويل للرهبنة المارونية في لبنان، يبدأ بعمل الشبان الحلبيين الثلاثة في دير مرت مورا الإهدني، وصولاً إلى الخلاف مع "ميسيون دو في". المسألة الأولى تتعلق بعلاقة الرهبنة مع الكنيسة، والمسألة الثانية تتعلق بعلاقة الكنيسة نفسها مع الدولة.

دهمت القوى الأمنية اللبنانية مركز جمعية "رسالة حياة"، بعد شكوك ودلائل تدل على حدوث فظاعات مثل التحرش والعنف وإجبار الأطفال على مشاهدة أفلام إباحية، ولكنها لم تستطع تنفيذ قرار قضائي... عن حدود العلاقة بين الدولة والطائفة في لبنان
قبل أيام، رفضت راهبة مارونية تنفيذ حكم قضائي أوجب على جمعية "رسالة حياة" أن تسلّم أطفالاً تدور شبهات حول تعرضهم لانتهاكات. وبمنتهى الوضوح، أعلنت أنها لن تسلمهم إلا إذا طلب البطريرك الماروني منها ذلك... عن الرهبنة وتاريخها وعلاقتها بالدولة في لبنان

وحسب ما بيّنت التعليقات التي أثيرت بعد حادثة احتجاز الراهبتين للطفلتين الرضيعتين، يبدو أنه، وبالدرجة الأولى، ثمة خلط كبير في فهم العلاقة بين الرهبنة والكنيسة. من الناحية المبدئية، واستناداً إلى عدة مراجع متعلقة بالموارنة وبالروم الكاثوليك، الاختلاف بين مجموعة الكنائس الشرقية ومثيلاتها الغربية في القوانين المتعلقة بهذا الإطار ليس كبيراً. لكن يجب أن يبدأ البحث عند لحظة تأسيس الرهبنة، فإما أن تكون ذا حق حبري، وهذا يعني أنها تتبع إلى سلطة البابا مباشرةً، وإما أن تكون ذات حق بطريركي، مثل حالة "رسالة حياة"، وتتبع للبطريرك، وإما أن تتبع إلى الأسقف فتكون بذلك بحق أسقفي.

وفي حالة الرهبانيات المارونية الثلاث الكبرى (الرهبانية اللبنانية المارونية، الرهبانية المريمية، والرهبانية الأنطونية)، تعد هذه الرهبانيات حبرية وتتبع روما، بينما يختلف الوضع بالنسبة إلى رهبانيات الآباء الكريميين و"رسالة حياة"، إذ تتبعان البطريرك، مثلما هي الحال بالنسبة إلى الجمعية البولسية عند الكاثوليك على سبيل المثال.

البطريرك الماروني بشارة الراعي

فهم هذه العلاقة ضروري من الناحية المنهجية لفهم العلاقة الثانية، منهجياً، بين الكنيسة والدولة. فإنْ كان تمييز حق الرهبنة يوجب العودة إلى التأسيس، حيث تثبت قوانينها، وتسمى أحياناً فرائض، فهو الذي يحدد حدود سلطة كل مرجعية، فإن تداخل السلطات يبقى معقداً ويحتاج إلى شروح طويلة وإلى مختصين.

لكن ماذا عن علاقة الكنيسة بالدولة؟ بالمعنى القانوني، لا يوجد أي حصانة للرهبنة. وبالفعل، وتنفيذاً لأمر قضائي، دهمت القوى الأمنية اللبنانية مركز الجمعية، بعد شكوك ودلائل تدل على حدوث فظاعات، مثل التحرش والعنف وإجبار الأطفال على مشاهدة أفلام إباحية.

دهمت القوى الأمنية الجمعية، ولكن بالمعنى السياسي اللبناني، الأمر ليس بهذه السهولة. وبسبب تدخلات سياسية كبيرة، لم تستطع القوى الأمنية تنفيذ القرار، حتى أنها لم تستطع التأكد من وجودهما فعلاً. حتى أن رئيس الجمعية عقد مؤتمراً صحافياً في اليوم التالي، ما يدل إلى وعيه بأن الطائفة في لبنان أقوى من القانون. وهذا إن كان يدل على شيء فيدل على تاريخ العلاقة بين الطائفة والدولة، أو بالتحديد على تاريخ تنظيم الطائفة المبكر، مقابل التاريخ المتأخر لمحاولة تنظم الدولة.

يحيلنا الأمر بالضبط إلى أواخر القرن السابع عشر نفسه، عندما بدأت الطوائف تنظيم أنفسها، وفي لحظة الكيان اللبناني، وجدت نفسها أكثر تنظيماً منه، وأكثر وعياً بنفسها كجماعة من وعي مواطنيه به كوطن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard