"بعد الإصابة أصبح ينظر إليّ باشمئزاز"... غزيات بوجوه مشوهة يحكين قصصهن

الجمعة 13 ديسمبر 201905:39 م

لم تملك سارة ذات الـ12 عاماً أن تضبط مشاعرها حين صادفت برفقة والدتها في أحد الأسواق الغزية سيدة بدا على وجهها التشوه الكامل. نظرةٌ واحدة وضعت الطفلة أمام أسئلة كثيرة حاولت أن تعرف الإجابة عنها من والدتها التي شعرت بالحرج من تصرف ابنتها الطفولي وكأنها رأت وحشاً.

يكشف الموقف عن قسوة ما تواجهه النساء اللواتي يتعرضن لتشوه في الوجه نتيجة حروق من الدرجة الثانية أو الثالثة، حتى يصبح من النادر مصادفة امرأة مشوهة الوجه تجوب الشوارع وتتسوق وتزاول حياتها العملية والاجتماعية على نحو طبيعي، إذ يطاردهن المجتمع بنظرات يختلط فيها الاشمئزاز بالشفقة والفضول لمعرفة حقيقة ما أصاب وجوههن.

وتُسجل إحصاءات المستشفيات الحكومية في قطاع غزة دخول قرابة 2000 امرأة ممن تشوهت وجوههن وأجسادهن بين عامي 2010 و2019.

وتعاني غزيات التشوه بسبب القصف أو نتيجة العنف الممارس بحقهن من قبل الأسرة والمجتمع، ومنهن اللواتي يعانين بسبب حوادث الطرق التي تؤدي إلى تشوهات يصعب تجاوزها بأدوات التجميل.

صاروخ لم يقتلها لكنه حطّم حياتها

خديجة أبو دقة واحدة من هؤلاء. تعرضت وعائلتها للقصف الإسرائيلي بصاروخ طائرة استطلاع خلال عدوان 2014 وما زالت تُعاني تبعاته على المستوى الصحي والنفسي والاجتماعي.

"بعد الإصابة أصبح ينظر إليّ باشمئزاز ويُمارس العنف ضدي وأجبرني على ترك بيت الزوجية مع أبنائي الثلاثة".

تقول خديجة لرصيف22: "بعد وصولي للمستشفى، لم يكن للأطباء خيار سوى استئصال عيني اليُسرى ومحاولة ترميم ومعالجة ما أحدثه الانفجار في وجهي من كسور في الفكين وخلل في العصب السابع، بالإضافة إلى استخراج الشظايا التي علقت في رأسي وترقيع لحم يدي الذي تآكل بفعل الشظايا".

تصمت خديجة قليلاً، ثم تضيف بهمهمات كئيبة: "كانت تلك اللحظة بداية الألم والبؤس".

مكثت خديجة ثلاثة أشهر في العناية المركزة، أُجريت لها خلالها عدة عمليات جراحية لتحسين ما فعلته الإصابة بها، وما زالت بحاجة إلى العديد من العمليات التجميلية لكن قصر ذات اليد يمنعها.

كانت تلك الفترة الأصعب في حياة خديجة، فقد انقلبت رأساً على عقب، لم تتمكن من النظر لوجهها في المرآة ولم تستطع أن تهتم بأطفالها ساهر (6 سنوات) وملك (4 سنوات) وغزل (سنتان) بعدما باتت تشعر بالعجز في رعايتهم.

تشكو أن ثمن الإصابة كان باهظاً وأنها تحملته وحدها. فالزوج الذي كانت تنتظر مساندته ورعايته بعد عودتها من رحلة علاج طويلة أوصد في وجهها المشوه باب قلبه، ولم يعد كسابق عهده مهتماً حتى أنه بات ينفر منها ولا يتقرب إليها كزوجة منهياً علاقته بها.

تقول: "بعد الإصابة أصبح ينظر إليّ باشمئزاز ويُمارس العنف ضدي وأجبرني على ترك بيت الزوجية مع أبنائي الثلاثة".

ما زاد عبء الإصابة على قلبها نظرات الخوف التي يبادلها بها أبناؤها وتساؤلاتهم في كل حين عن سبب تغير ملمس يدها وكيف أصبحت عينها من زجاج لا تُبصرهم بها، فيما وجنتها مجعدة.

تشير خديجة إلى أن تقبل أبنائها شكلها الجديد استغرق عاماً كاملاً، فابنها الأكبر ساهر الذي لم يكن قد تجاوز السادسة، كان يرفض أن يخرج معها للسوق وينكرها إذا ما ذهبت لمدرسته للسؤال عنه خشية استهزاء أقرانه منها وتجنباً لأسئلتهم.

تعلق بنبرة تخنقها الدموع: "كنت أضطر لتغطية وجهي بالنقاب عند الخروج من المنزل، وما زلت".

اليوم، بعد مرور حوالي 6 سنوات على تشوه وجهها، لا تزال خديجة تعاني من نظرة المجتمع السلبية التي تُسبب لها الحزن وتُدخلها في الاكتئاب، لكنها مضطرة للتحمل من أطفالها فهي لا تُريد لهم أن يحملوا عبء تشوهها.

بموازاة ذلك، تتمنى أن تحظى بفرصة لاستكمال علاجها وإجراء عملية تجميلية لوجهها لتتمكن من تقبيل صغيرتها غزل من دون أن تشعر بتسارع نبضات قلبها خوفًا من الندوب التي خلفتها الإصابة.

غضب شقيقتها شوّه ملامح وجهها

بالذهاب إلى أقصى جنوب القطاع، بالتحديد في حي زلاطة في مدينة رفح، التقينا بإكرام نصر، البالغة 31 عاماً.

حديث إكرام بدا مشبّعاً بألم أكبر، فوراء تشوهها شقيقتها. تروي أنها كانت يومذاك في بيتها، عندما نشب خلاف بينها وبين شقيقتها التي تُعاني من مرض نفسي، ولم تدرك أن ثورة غضب شقيقتها ستنتهي بمعاناة ستلازمها ما بقي من حياتها.

خديجة وإكرام وخلود... ثلاث نساء غزيات يروين قصصهن مع تشوه وجوههن جراء قصف أو عنف أسري. ما يعانينه من ضغوط عائلية وعنف اجتماعي يختصر قصص كثيرات مررن بظروف مماثلة 
تُسجل الإحصاءات دخول قرابة 2000 امرأة ممن تشوهت وجوههن وأجسادهن إلى مستشفيات غزة بين 2010 و2019... لكل واحدة قصة مؤلمة، وكثيرات يعانين مع نفور زوج وهروب عائلة من مسؤولياتها ووصمة اجتماعية لا ترحم

وتحكي ندوب وجه إكرام قصة الحادث المأسوي الذي غير تفاصيل حياتها منذ عام 2014 عندما ألقت شقيقتها مادة البنزين الحارقة على جسدها وأشعلت به النار، فأصيب كله بحروق بالغة من الدرجة الثالثة والرابعة.

تقول إكرام: "كانت حياتي عادية أقضيها بين تلبية حاجات زوجي والعناية بابني الذي يُعاني من الصمم، والآن بت بحاجة لمن يُساندني"، مضيفةً أن زوجها بات ينظر لها كعبء، فهي من وجهة نظره لم تعد صالحة لأن تكون زوجة أو أُماً يُمكنها رعاية بيتها.

وتلفت إلى أن المجتمع أيضاً ينظر لها على أنها شخص غير كامل لا يُمكن الاعتماد عليه ويعتبرها وصمة عار، وتُقارن حالتها بحالة نساء أُخريات يتعرضن لبتر أحد أطرافهن لسبب ما، فتقول: "أولئك يُمكنهم إخفاء أطرافهم بالملابس أو يُمكنهم استخدام الأطراف الصناعية بعد التدريب عليها، لكن تشوه الوجه لا يُمكن الخلاص منه ولا يُمكن معه استمرار الحياة بنسق طبيعي".

وتُفسر كلمات إكرام الحالة النفسية التي تمر بها بأنها نتيجة تنكّر المجتمع والأهل لها وتركها وحيدة مع ابنها الأصم  وهي تُعاني ويلات لا حصر لها، شاكية أنها أُجبرت على عدم الخضوع للراحة بعد عمليات العلاج الطويلة التي خضعت لها وذلك لتقوم بواجبها في رعاية ابنها عدي.

ضحية زواج مبكر

خلود أبو العلا (23 عاماً) وقعت فريسة الزواج المبكر. كانت تعيش في منطقة ريفية شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة لا تزال ترى أن زواج الفتاة في صغرها سترة لها، فلم تُتم سنوات عمرها الـ15 حتى تقدم لخطبتها شاب بدا وسيماً ووعدها بحياة زاهية الألوان والمشاعر.

وافقت على الزفاف ولم يمض شهران حتى بانت الكارثة. تقول إن زوجها كان ذا طبع سيّىء، يُعنفها ويعتدي عليها بالضرب إذا ما طالبته بتوفير حاجاتها، مضيفة أنها على مدار عام كامل من الزواج تحملت صنوف العذاب من دون أن تفقد الأمل بأن تُغير حال زوجها خاصة بعد أن أنجبت مولودها البكر خالد.

كانت خلود تحلم بأن يصنع خالد من أبيه شخصاً آخر لديه الكثير من الاهتمام والحب لكن ذلك لم يحدث، فقد بات أكثر عنفاً وتراوحت معاملته لها بين إهانة لفظية وعنف جسدي تزداد حدته كلما طالبته بأن يتحمل مسؤولياته تجاهها وتجاه طفلهما.

ذات يوم، احتدمت المشكلة حتى فاجأها بإشعال النار بها على مرأى ابنهما. تقول لرصيف22:"لا يُمكن أن أنسى تلك اللحظة، كانت النار تشتعل بجسدي، بدأت أصرخ طلباً للمساعدة وحين لم أجد أحداً أطفأت النيران بيديّ. كان المشهد مخيفاً جداً".

خضعت خلود للكثير من عمليات التجميل حتى استطاعت تحسين ملامح وجهها. وبينما تلقت دعماً كبيراً من عائلتها، عانت من نظرة سوداوية من مجتمع ذكوري يلومها على مظهرها الحالي ولا يوجه لوماً لمن كان سبباً مباشراً فيه.

"كان لديّ الكثير من الأحلام لكني لم أتمكن من تحقيق أي منها، آمل أن يكبر خالد بلا ألم وأن يتقبلني كما أنا حتى ألفظ أنفاسي الأخيرة".

توضح خلود أن الكثيرين في محيطها الاجتماعي سخروا منها كلما طرقت باباً بحثًا عن عمل لتُعيل نفسها وابنها خالد، قائلة:"طوال خمس سنوات واجهت النظرة المجتمعية القاسية لكني ما مللت ولا يئست".

اليوم انضمت خلود لطاقم معلمي إحدى رياض الأطفال في مدينتها، وهذا ما ساعدها في تحسين وضعها النفسي والمعيشي، وقد وجدت في العمل فرصة جديدة للانطلاق في حياتها بعيداً عن قيود المجتمع.

تردف: "كان لديّ الكثير من الأحلام لكني لم أتمكن من تحقيق أي منها، آمل أن يكبر خالد بلا ألم وأن يتقبلني كما أنا حتى ألفظ أنفاسي الأخيرة".

وتطالب النساء الثلاث المجتمع بجميع فئاته وهيئاته بتقبلهن كأفراد فاعلين قادرين على العطاء، ليس في الجانب الأسري فحسب بل كذلك في كل مناحي الحياة. ويطالبن أيضاً بأن تسعى المؤسسات الخاصة بالنساء إلى العمل على تمكينهن اقتصادياً ودمجهن في المجتمع، خاصة أنهن عانين من العيش طويلاً معزولات، وخجولات لا يستطعن الخروج بوجوههنّ وأجسادهن المشوهة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard