مهرجان "كوز" للأفلام في حيفا… سردية فلسطينية كويرية مناهضة لإسرائيل ولمنظومات القمع المتنوعة

الأربعاء 11 ديسمبر 201905:58 م

أختتم مهرجان كوز للأفلام الكويرية يوم السبت الماضي، السابع من كانون الأول/ ديسبمر 2019 دورته الرابعة في مدينة حيفا في فلسطين، تحت عنوان "الهجرة، التهجير والاغتراب"، بتنظيم من جمعية "أصوات"، وقد احتضن "مسرح خشبة" الفلسطيني المستقل في حيفا المهرجان على مدار ثلاثة أيام.

تمحور المهرجان حول أفلام كويرية تحكي قصصاً وتجارب أشخاص لا معياريين، فلسطينياً وعربياً ودولياً.

شمل المهرجان هذه السنة 14 فيلماً، منها القصيرة والروائية الطويلة والوثائقية، تتطرق إلى أشخاص يعيشون تحت منظومات قمع مختلفة أو قصص تشبه بطريقة أو بأخرى سيرورات اللامعياريين الفلسطينيين.

تمحور المهرجان حول أفلام كويرية تحكي قصصاً وتجارب أشخاص لا معياريين، فلسطينياً وعربياً ودوليًا.

إن التعريف الرسمي للكويرية، حسب موقع "ويكي جندر"، هو مصطلح يطلق على كل الهويات الجندرية غير النمطية أو الخارجة عن الثنائية الجندرية. يمكن أن يعبّر الأشخاص كويريات/ي الجندر عن أنفسهم/ن بخليط من الأنوثة والذكورة، أو خارج البعدين أو يرتحلون/يرتحلن بينهما.

كما يمكن أن يعرّفوا/ يعرفن أنفسهم/ن في طيف كبير من الجنسانيات، فبعضهم/ن يكتفون/يكتفين فقط بلفظ جندر كوير والبعض يعرفون/ يعرفن أنفسهم/ن أنهم/ن مزدوجو/ مزدوجات الهوية الجندرية أو معدومو/معدومات الهوية الجندرية agender أو انسيابيو/ انسيابيات الهوية الجندرية genderfluid أو منتمون/ منتميات إلى جندر ثالث، حيث تقع هذه الهويات الجندرية كلها تحت مظلة كويرية الجندر.

فن وثقافة ومقاومة

تنظم المهرجان جمعية "أصوات"، مركز فلسطيني نسوي للحريات الجنسية والجندرية، يعمل على التوعية الجنسانية ودعم أفراد المجتمع المثليين وإنتاج المعرفة وتوفير المعلومات باللغة العربية حول التعامل مع المثلية الجنسية وخصوصياتها في المجتمعات العربية. يقع المهرجان تحت إطار مشروع بعنوان Art, Culture, Resistance، (فن، ثقافة، مقاومة) الذي يبحث عن الدمج بين المشهد الكويري والفنون بأنواعها.

أقيم مهرجان كوز لأول مرة سنة 2015 لتوفير بديل للغسيل الوردي الإسرائيلي، وهو التسمية التي تطلق على أداء إسرائيل تجاه المثلية الجنسية، إذ تُصوّر دولة إسرائيل نفسها "جنة" للمثليين/ات في الشرق الأوسط، لتظهر أنها الدولة الوحيدة التي تحميهم، وتُظهر العرب والمسلمين بالمقابل شعوباً تقمع المثليين الجنسيين، الّذين يلجأون إلى تل أبيب هرباً من مجتمعاتهم.

كذلك أقيم المهرجان لمناهضة السرد الاستشراقي الموجود عامة في الأفلام التي تتطرق إلى مواضيع الجنسانية والمثلية في فلسطين. ويسعى المهرجان إلى كسر الحواجز والتحريمات المجتمعية في المجتمع الفلسطيني التي يغذيها الاحتلال والتفريق الجغرافي للفلسطينيين.

في حديث لرصيف22 مع حنان واكيم، إحدى المنظمات، قالت: "مهرجان كوز بدأ رد فعل لكمية الأفلام التي ظهرت في السنوات الأخيرة عن المثليين الفلسطينيين من وجهة نظر استشراقية أو لإظهار أفكار نمطية مسبقة وسطحية، فيها مثلاً يظهر الإسرائيلي منفذاً للفلسطيني العربي من مجتمعه".

وتتابع: "قلما تظهر في هذه الأفلام وجهة نظر الفلسطيني نفسه. من هنا جاءت المبادرة للمهرجان بغية خلق مساحة بديلة للسرد الفلسطيني العربي الكويري في الأفلام. البداية كانت متواضعة جداً، فقد تساءلنا إلى أي مدى يعرف الناس ما معنى الكويرية والأفلام الكويرية وهل يتقبلون هذه الفكرة؟". برغم ذلك، كان الإقبال جيداً وازداد مع السنين، فنما الاهتمام به وتوسّع المهرجان.

ثيمة المهرجان: الهجرة والتهجير والاغتراب

مع ذلك، لا يزال موضوع الكويرية يثير التساؤلات والبلبلة. للإجابة عن هذه التساؤلات قامت "أصوات" مع بداية المبادرة والتحضير للمهرجان بتنظيم ندوة لمناقشة أسئلة مثل: لماذا لا تحكي السينما الفلسطينية أكثر عن هذه المواضيع؟ ما الذي يسبب هذا التغييب الكامل عن قضايا الجنس والجندر؟ وهل يوجد أساساً أي نوع من سينما فلسطينية كويرية؟

أما برنامج أفلام المهرجان هذه السنة فتخللته مجموعة أفلام من العالم العربي، أو من مجتمعات عربية أو عرب في المهجر، وأفلام من العالم، وهي تطرح مواضيع وقصصاً تتشابه وتتقاطع مع الواقع الفلسطيني.

أما في ما يتعلق باختيار العنوان "الهجرة والتهجير والاغتراب" ومضامين المهرجان في دورته الرابعة فقد ذكرت واكيم أن: "الموضوع قد فرض نفسه. لقد جمعنا الأفلام بطريقتين، قمنا بدعوة مفتوحة لتقديم الأفلام وبشكل موازٍ فتشنا عن أفلام كويرية. من ضمن ذلك بحثنا عن مهرجانات أخرى تعرض أفلاماً كويرية وعاملين/ات في مجال السينما طالبين توصياتهم/ن".

وتضيف: "قررت لجنة المهرجان اختيار الأفلام وفق مضمونها. بعد القيام بتصفية الاختيارات وجدنا أن الأفلام التي اخترناها تتطرق في غالبها إلى الهجرة والتهجير والاغتراب".

وأشارت إلى أن الأفلام المختارة التي عرضت خلال المهرجان جريئة، فيها مشاهد أحياناً عنيفة، منها أفلام تحكي عن الحرب والهجرة أو عن التعذيب المجتمعي أو الشخصي، وهي تعكس جزءاً كبيراً من الواقع الذي يعيشه الكثير من الكويريين العرب، وغير العرب، اليوم حول العالم.

تقاطع النضالات

افتتح المهرجان بالفيلم الوثائقي الطويل "ميستر جاي سيريا" (Mr. Gay Syria) للمخرجة عايشة تبرك. وهو يتطرق إلى مسابقة جمال للمثليين السوريين أقيمت في تركيا نتيجة صعوبات تعيق إقامتها في سوريا، وكي تحتضن هجرة المثليين السوريين، الذين اختاروا الهجرة أو فُرض عليهم اللجوء لأسباب مختلفة، منها السياسية والمجتمعية.

يطرح الفيلم تقاطعية النضالات الموجودة وعمق المشاكل وتركيبها من خلال قصص المشاركين في المسابقة والقائمين عليها، فلكل خلفيته وواقعه ومصيره.

ثمة فيلم آخر طرح تقاطعية النضالات بطريقة أخرى هو "ماركو" للمخرج سليم حداد، يحكي عن مثليين من لبنان وسوريا يلتقون في بريطانيا، كل منهم على ظهره الحمل الذي جلبه معه من بلد مولده.

وهنالك فيلم "سينما الفؤاد"، وثائقي طويل للمخرج محمد سويد، إنتاج العام 1993. يحكي عن العلاقة بين السياسة والوجود في المكان، من خلال قصة متحولة جنسياً تضطر إلى الهجرة من حلب لتعيش في لبنان.

وعُرِض قبله فيلم وثائقي قصير بعنوان "هاردينج وكاميرته" للمخرج روب ايجل، فيه صور أرشيفية من أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ20، التقطها مستشرق بريطاني في المنطقة العربية، يظهر من خلالها وجود نوع من علاقة أو مناداة الجنس بينه وبين المحليين.

ويحكي الفيلم الروائي الطويل "خوسيه" للمخرج لي شينج قصة شاب من السكان الأصلانيين في غواتيمالا يذهب في مسيرة بحث عن أصله وهويته، في الأدغال بعيداً عن المدينة الكبيرة والاستعمار.

شمل برنامج المهرجان كذلك مجموعتي أفلام قصيرة، الأولى بعنوان "اغتراب الجسد"- عن أشخاص يعيشون غرباء في أجسادهم بسبب عوامل طبية، وميول جنسية، وإعاقة وغيرها من الأسباب. أما المجموعة الثانية فهي بعنوان "اغتراب المكان"، وقد تطرقت إلى علاقة الشخص بالمكان، والهجرة والشعور بالغربة أحياناً في البيت وفي المهجر.

تنظم المهرجان جمعية "أصوات"، مركز فلسطيني نسوي للحريات الجنسية والجندرية، يعمل على التوعية الجنسانية ودعم أفراد المجتمع المثليين وإنتاج المعرفة وتوفير المعلومات باللغة العربية حول التعامل مع المثلية الجنسية وخصوصياتها في المجتمعات العربية

 أقيم المهرجان لمناهضة السرد الاستشراقي الموجود عامة في الأفلام التي تتطرق إلى مواضيع الجنسانية والمثلية في فلسطين. ويسعى المهرجان إلى كسر الحواجز والتحريمات المجتمعية في المجتمع الفلسطيني التي يغذيها الاحتلال والتفريق الجغرافي للفلسطينيين

الفيلم الفلسطيني الوحيد في المهرجان

أما الأفلام الفلسطينية، فكان هنالك فيلم واحد هو "نزيف" لمعاذ غدير، بسبب قلة الإنتاج الكويري في السينما الفلسطينية.

عرض "نزيف" كان مهماً جداً لمنظمات المهرجان، حسب تعبيرهن، وكذلك حضور مخرجه للإجابة عن أسئلة الجمهور بعد عرض الفيلم.

معاذ غدير هو طالب سينما، قام بإخراج الفيلم في إطار تعليمه الجامعي. تظهر من خلاله تساؤلات عن جسده، وميوله، والمنظومات المختلفة حوله وكذلك عن عمله الفني كمخرج في بداية طريقه. في إجاباته عن الأسئلة، قال غدير: "الفيلم رحلة بحث واستكشاف لم تنتهِ بعد"، وتابع: "أردت أن أوجه رسالة من خلاله للأهل: انتبهوا على أولادكم، انتبهوا على التفاصيل الصغيرة، لأن الأطفال يحاولون أن يوصلوا لنا رسائل بطرق مختلفة، كثيراً ما تكون غير مباشرة وأحياناً مخفية تحت السطح".

وقد أهدى غدير الفيلم لوالدته.

بعد ذلك، تحدثت إحدى المتطوعات في المهرجان عن "نزيف"، قائلة: "في الفيلم نجد طرحاً قوياً لقضية الجسد وأجسادنا التي يتم انتهاكها من المنظمات المجتمعية والطبية. ليس فقط الإناث هن اللاتي يتعرض لتجارب اضطهاد وعنف ناتجة عن المنظومات الأبوية، بل أيضاً الأجساد اللامعيارية الذكورية، تمرّ بتجارب مشابهة. وهذا ما يعرضه الفيلم بصورة قوية وجريئة".

الرسالة أوّلاً

كذلك أقامت منظمات المهرجان ورشة نقاش بالتعاون مع مساحة "أمان" الفنية في عمّان، تضمنت عروض الأفلام نفسها بين حيفا وعمّان، حول مواضيع كويرية ومتعلقة بالجنسانية، وبعد عروض الأفلام، قام/ت المشاركون/ات في كلتا الورشتين بإدارة حلقة نقاش عبر السكايب.

من المهم الإشارة إلى أن مهرجان كوز يضم ما هو أوسع من الجانب الترفيهي، إذ يركز على مواضيع التعددية الجنسية والجنسانية والجندر في مجتمعنا الفلسطيني ومجتمعاتنا العربية، ويبحث عن تقاطعات هذه المواضيع في أماكن ومجتمعات أخرى في العالم.

عن هذا تقول واكيم: "نبحث طبعاً عن أفلام قوية فنياً وبصرياً، لكن كون المهرجان يحمل رسالة، تميل الكفّة أحياناً أكثر في اتجاه أهمية الموضوع المطروح في الفيلم أو العاملين/ات على إنتاجه".

وتتابع: "هذه الأشياء متشابكة أصلاً، لا يمكن فصل الحرب والعنف وغيرهما مما يحدث في المجتمع عن الإنتاج الفني بشكل عام والكويري بشكل خاص، ويظهر ذلك بوضوح في الإنتاجات التي عُرضت هذه السنة في المهرجان".

وتختم: "نأمل أن تتحسن أوضاعنا السياسية والاجتماعية في السنين المقبلة، ومعها جماليات الأفلام ومضامينها، بالإضافة إلى الفنون الأخرى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard