16 شهادة عن الاعتداء والتحرش الجنسي في فلسطين

الأربعاء 11 ديسمبر 201904:49 م

تتعدد حكايات النساء مع العنف الموجّه ضدهنّ، بقصد أو من غير قصد، في ظل المجتمعات الذكورية المهيمنة. وتختار الكثيرات الصمت لأسباب عدة، منها "ثقافة العيب" ونظرة المجتمع التي غالباً ما تُحمّل المرأة ذنب تعرضها لهذه التجربة، فيبقى الجرح على حاله، ويكبر مع مرور الأيام.

هذا ما تكشف عنه القصص التي نشرتها "السوار"، وهي "حركة نسوية عربية تعمل على محاربة ظواهر العنف عامة والاعتداءات الجنسية على النساء على وجه الخصوص في المجتمع العربي الفلسطيني"، مقرها في مدينة حيفا. نقلت الحركة 16 شهادة من فلسطين، معظمها لنساء فلسطينيات ومنها شهادات لغير فلسطينيات مقيمات في الداخل الفلسطيني أو جئن إليه للمشاركة في أعمال تطوعية، وذلك ضمن "حملة الـ16 يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي" وهي حملة دولية تبدأ كل عام في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني، بالتزامن مع اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، وتستمرّ حتى 10 ديسمبر/ كانون الأول.

تشير "السوار" إلى ضرورة البوح وتقول إنه "لمناهضة ثقافة التحرش وللكشف عن وجوهها المتعددة، علينا الحديث عنها علناً، لا لمراكز المساعدة فقط". واتهمت الحركة شخصيات فلسطينية بارزة بالتحرش، واستنكرت إبعاد هذه التهمة عن أي متحرش بذريعة "وطنيته وحبه لفلسطين"، مؤكدة أن المجتمع الذكوري هو الذي يرى تناقضاً بين المسألتين. وفي ما يلي بعض الشهادات:

المتحرّش عجوز

قررت إحدى النساء مشاركة قصتها لعلها تخفف من "الألم" الذي تشعر به، على حد تعبيرها، مشيرة أولاً إلى أن "قصّتها غريبة". قالت إن شخصاً يبلغ من العمر 92 عاماً تحرش بها، موضحة أنها مطلقة وأم لتسعة شباب وشابات أكبرهم في الـ35 من العمر وأصغرهم في العشرين. ولتعيل أسرتها وتعلّم بناتها في الجامعة، عملت في خدمة مسن على مدار 24 ساعة، أي انتقلت إلى منزله.

تقول: "خرمشني وأنا أحممه، غضيت النظر. بعد يومين، عرض عليّ الزواج. قلت له مستحيل أنا بدي أعلم بناتي وبدي أشتغل وأستر حالي. طلع جنونه لما انرفض. ثاني يوم وأنا بحممه، مدّ إيده على صدري وقرصني، ضربته، رجع قرصني وحسس على قفاي".

وتابعت أنها هربت إلى بيت الجيران حينذاك، واتصلت بحفيدته لتخبرها عن الأمر، فاتهمتها الأخيرة بأنها تنوي سرقة جدها. بعد الحادثة، انتقلت السيدة للعمل في منزل أسرة أخرى. وعن ذلك تقول بعد عرض شهادتها: "خلقت من جديد".

"غضبي من أهلي خفّ لأنهم صدّقوني"

تروي إحدى الفتيات غضبها تجاه نفسها وتجاه والديها اللذين كانا يتركانها (وهي في عمر الخامسة أو السادسة) وشقيقتها (وهي في عمر الثالثة أو الرابعة) في منزل خالتها كلّما أرادا الخروج وحدهما.

في إحدى الليالي، بعدما ذهب أهلها لحضور حفل زفاف، تحرش بها زوج خالتها. تقول في شهادتها: "قعّدني زوج خالتي في حضنه وصار شوي شوي يفوّت إيدو جوا بنطلوني وتحت الكلسون ويلحس أذناي. مفهمتش شو بدو وشو بعمل". 

شعرت الطفلة منذ تلك الحادثة بأنها ليست كباقي الأطفال. وبعد مرور سنوات، صارحت والدها بالأمر، فصُدم وسألها هل هي متأكدة. وحين أكدت له الأمر، قال "هاد إنسان مريض، تخليش الإشي يأثر عليكي"، فما كان عليها سوى قول "أكيد ولا يهمك" بعدما خاب أملها بردة فعله.

وفي سياق حديثهما، كشف لها والدها عن تعرضه هو أيضاً للتحرش في صغره، إذ حاول أحد شباب حارته نزع بنطاله عنه، ولكنه استطاع أن يدافع عن نفسه. وللمصادفة، حين كشفت عن الأمر لوالدتها، اعترفت لها بأنها هي أيضاً تعرضت للتحرش من قبل جارها في طفولتها. ولم يشارك الأب والأم قصتيهما مع أحد من قبل.

تقول الفتاة: "حسيت غضبي على أهلي خف شوي. عالقليلة صدقوني. بس الغضب برجع مع كل مناسبة عائلية لما أشوفهم بسلموا وبتبادلوا أطراف الحديث معه بشكل عادي".

"قعّدني زوج خالتي في حضنه وصار شوي شوي يفوّت إيدو جوا بنطلوني"... حكايات ترويها نساء بعد مرور سنوات على تعرضهنّ لاعتداءات جنسية
تعرَّضت لاعتداء ولم تشعر للحظة واحدة بالذنب. تركت الذنب للمجرم وأتباعه... 16 شهادة اعتداء جنسي ترويها نساء في فلسطين

اسمي هايدي…

"خلال عملي في جمعية الأهالي، وهي جمعية لتطوير المجتمع والزراعة، كان جمال زحالقة المدير العام للجمعية آنذاك، والذي أصبح في ما بعد عضو كنيست، تعرضت لتحرّش جنسي منه.

في إحدى الليالي، كنت مع بعض الأصدقاء في ساعة متأخرة في المكتب، وكنا نتعلم اللغة العربية على يد معلم محلي. وفر لنا جمال زحالقة غرفة الاجتماعات كي نستخدمها. لكن في تلك الليلة كان جمال أيضاً في المكتب. فاستدعاني ليريني شيئاً ما. ذهبت إليه. طلب مني أن أقترب لأقف إلى جانبه كي أرى أمراً على شاشة الحاسوب.

ذهبت من دون أن أفكر أو أتردد للحظة. وإذ به يقترب ويضع وجهه على نهديّ. لم تكن هذه الحادثة غير مقصودة. بل كانت فعلاً متعمداً. كنت في حالة صدمة وذهول. استدرت وخرجت من مكتبه. عندما عدت إلى أصدقائي ومنطقة الأمان، لم أكن قادرة على فعل أي شيء ولم أستطع التفكير ولم أتمكن من فهم ما حصل للتو". 

تتهم هايدي، التي كشفت عن اسمها، عضو الكنيست عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي بين عامي 2003 و2019 جمال زحالقة بالتحرش بها وتقول إنها برغم معرفتها بأن مديرها مخطئ كانت تبحث عن أي مبرر لتصرّفه، وبدأت تلوم نفسها بطرح بضعة أسئلة: "ألعلّ ملابسي فاضحة؟ هل اقتربت منه كثيراً؟ هل كنت ودودة كثيراً ففهمني بصورة مخطئة؟ لماذا لم أتصرف على نحو أكثر حزماً؟ ألست امرأة نسوية قوية؟".

وأشارت إلى أنها لم تتوجه إلى الشرطة، وقررت بعد ذلك الموقف العمل مع نساء فقط لأنها "تعبت من حرصها المفرط في تصرفاتها، ولبسها"، على حد قولها. 

وخلصت إلى أن التحرّشات الجنسية ليست حالات استثنائية، ولا يتميّز بها مكان دون آخر، وتؤثر في كل من عاش تجربتها. 

لم أشعر بالذنب

"في اللاوعي، يتحول المعتدي في المجتمع الذكوري إلى ضحية، والمُعتدى عليها إلى معتدية لكونها تتنفس". 

هذا ما تقوله سعاد التي تعرضت لاعتداء منذ "نعومة أظافري حتى آخر سنوات مراهقتي" من قبل "شقيق والدتي"، هكذا تسميه لاعتبارها أن "الخال" ليس مجرد صلة دم. ولفتت إلى أنها لم تشعر للحظة واحدة بالذنب، بل تركت الذنب للمجرم وأتباعه (المدافعين عنه). 

وحاولت في شهادتها أن توصل رسالة لكل فتاة تتعرض لأي نوع من أنواع التعنيف مفادها ألا تلوم نفسها بل تُحارب الظلم. ولفتت إلى أنها استمدت قوّتها من والديها معتبرةً أنهما "هدية ربّانية".

وكشفت حركة السوار عن أن شقيق والدتها يقضي عقوبة السجن لـ13 سنة الآن بعدما قاضته سعاد.

شاب يبوح أيضاً

وسط شهادات النساء، ظهرت شهادة لشاب يبلغ من العمر 36 عاماً. قال إنه تعرّض في طفولته طوال سنتين لاعتداء واستغلال جنسي وهو في نحو السابعة من عمره، من قبل مراهق في حارته. 

يقول: "مرة كنت نازل ألعب بالحارة، اقترح عليّ أروح معه، وأخذني على غرفة جنب بيتهم. صار يعطيني بطاقات عليها صور لاعبي كرة القدم وشوي شوي بلّش يعمل أشياء غريبة". 

وقال في شهادته إنه لو وُجد "الأمن" في منزله، لما استمر تعرّضه للاعتداء سنتين. كان يُهدده المعتدي بأنه إذا رفض الذهاب معه فسـ"يفضحه" ويقول للجميع "ماذا يفعل معه"، حسب تعبيره. 

لم ينتهِ هذا الاستغلال الجنسي حتى انتقلت العائلة إلى بلد آخر. يقول الشاب إنه بدأ منذ سنتين رحلة العلاج النفسي، ويوماً بعد يوم، يكتشف تفصيلاً كان قد نساه. 

شهادتان تتهمان الشخص نفسه

اتهمت شاهادتان نفس الشخص، وهو مدير مركز مساواة جعفر فرح، بالتحرش بهما، وزعمتا أنه لمس رقبة الفتاة الأولى وشعرها في مكتبه، ولمس رقبة الثانية داخل السيارة أثناء عودتهما من اجتماع في إحدى المؤسسات. 

ولفتت حركة "السوار" إلى أن هناك عدة شهادات موجّهة ضد فرح تتحدّث عن "سلوكياته العنيفة وتهديداته" في العمل. 

وتضمنت القصص الأخرى تحرّشاً من قبل مُحاضر جامعي، ولحّام في الحيّ، واعتداء على طالبة مدرسة لم تعرف إذا كان ما تعرضت له في أحد الأيام تحرشاً أم اغتصاباً لعدم تذكرها أي تفصيل، وغيرها من اعتداءات مشابهة، وكان العامل المشترك الأبرز بين الـ16 قصة هو الخوف الذي ثارت غالبية النساء ضدّه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard