"شمل حكومات برمتها"... رويترز تكشف عن تفاصيل برنامج "التجسس" الإماراتي

الأربعاء 11 ديسمبر 201901:31 م

كشفت وكالة رويترز، في 10 كانون الأول/ديسمبر، عن تفاصيل برنامج التجسس الإماراتي بين عامي 2008 و2018، بمساعدة "محاربين قدامى في الاستخبارات الأمريكية" وكيف كان ذراعاً لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ضد "الأعداء الجيوسياسيين".

لرصد برنامج التجسس الإماراتي، درست رويترز أكثر من 10000 وثيقة وأجرت مقابلات مع أكثر من عشرة متعاقدين وعملاء استخبارات أمريكية سابقين ومطلعين حكوميين سابقين على دراية مباشرة به. تشمل الوثائق مخاطبات داخلية تصف لوجستيات المشروع وخططه التشغيلية وأهدافه.

في السنوات التي أعقبت هجمات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة، اقترح خبير مكافحة الإرهاب ومنسق الأمن القومي الأول في عهد الرئيس بيل كلينتون، ريتشارد كلارك، على الكونغرس امتلاك مزيد من قدرات التجسس لمنع وقوع كارثة أخرى. هذا الاقتراح نفسه نقله بعد خمس سنوات من مغادرته العمل لدى الحكومة الأمريكية، إلى "شريك متحمس" ودولة عربية ثرية هي الإمارات.

أصبح كلارك مستشار مواجهة الإرهاب في الإمارات منذ عام 2008، وكانت الإمارات قد أنشأت بالفعل قدرة على مراقبة الإنترنت تعتمد على مسؤولين قدامى في الاستخبارات الأمريكية لديهم الخبرة التي تدعم جهودها في مراقبة أي تهديدات ضدها.

لكن علاقة كلارك بحكام الإمارات كانت قديمة. ففي الأشهر التي سبقت الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق عام 1991، إبان غزوه الكويت، أرسل كلارك، وكان دبلوماسياً أمريكياً كبيراً حينذاك، إلى الخليج لطلب المساعدة من الحلفاء الإقليميين.

وقد ساعد ولي عهد أبو ظبي في الحصول على إذن من الحكومة الإماراتية لشن عمليات القصف في المجال الجوي الإماراتي. من هنا بدأت العلاقة بين كلارك وبن زايد.

"دريد": النشأة والتطور

الوحدة السرية التي ساعد كلارك في ابتكارها حملت اسم "DREAD"، وهو اختصار لـ"قسم استغلال وتحليل بحوث التنمية". لكن اسم الوحدة تداول باسم رمزي، هو Project Raven، بين العملاء الأمريكيين العاملين عليه منذ عام 2012.

وسبق أن نشرت رويترز، نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، تقريراً عن برنامج "Raven" أو الغراب، مبينةً كيف شمل حكومات ونشطاء حقوقيين. لكن التقرير الحالي يرصد بشكل أكثر توضيحاً مراحل برنامج التجسس الإماراتي.

بني "دريد" عام 2008 داخل مبنى صغير يستخدم مخبأ للطائرات على حافة مطار البطين في أبو ظبي. وبدأ البرنامج ذراعاً لديوان ولي عهد أبو ظبي وكان يديره في البداية نجله خالد.

تبلغ موازنة المشروع السنوية نحو 34 مليون دولار أمريكي، وفق ما تكشفه الوثائق التي حصلت عليها رويترز.

عام 2009 ، شرع البرنامج في إنشاء أداة تجسس يطلق عليها اسم "the Thread"، وهي تمكن الإماراتيين من سرقة الملفات من أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بنظام Windows ونقلها إلى الخوادم التي يسيطر عليها ديوان ولي العهد.

كانت مهمة الوكلاء الأمريكيين في المشروع تدريب الموظفين الإماراتيين المحتملين على تقنيات القرصنة وإنشاء شبكات كمبيوتر سرية وحسابات إنترنت مجهولة يمكن أن تستخدمها الإمارات في عمليات المراقبة.

وبرغم أن هدف البرنامج المعلن كان "مراقبة التهديدات الإرهابية المحتملة"، فإن الإمارات وسعت مهماته خلال سنوات قليلة للتجسس على الناشطة السعودية لجين الهذلول ومسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) ودبلوماسيين في الأمم المتحدة.

وعام 2010 تخلت شركة كلارك، Good Harbor، عن السيطرة على "دريد" الذي كان من اقتراحه بالأساس، لمصلحة شركة أمريكية أخرى مقرها ولاية ماريلاند الأمريكية. واجتذبت الشركة الجديدة مزيداً من عملاء الاستخبارات الأمريكية إلى المشروع.

عام 2011، انتقل مقر البرنامج إلى "الفيلا"، المقر الأول ضمن سلسلة من القصور السرية انتقل إليها المشروع، وهنا بدأ تعريف المتعاقدين الأمريكيين بالاسم الرمزي للمشروع Project Raven.

وفي العام نفسه، دفعت احتجاجات الربيع العربي بالحكومة الإماراتية إلى تكثيف التجسس الرقمي ضد المتظاهرين بسبب خشيتها من أن تكون التالية في قائمة الأنظمة التي قد تواجه ثورات. تضمنت أهداف "دريد" نشطاء سياسيين وحقوقيين محليين، منهم أحمد منصور.

تحول البرنامج الإماراتي بذلك إلى استهداف فئة منفصلة تسميها السلطات "أهداف الأمن القومي" تشمل كل من يمثل تهديداً سياسياً، وضمت مجموعة ألمانية مدافعة عن حقوق الإنسان داخل الإمارات، وموظفين في مكاتب الأمم المتحدة في نيويورك.

بدءاً من عام 2014، استهدف "دريد" مئات المسؤولين الحكوميين القطريين، مع تكليف العاملين في البرنامج التسلل إلى حكومات أجنبية منافسة داخل نطاق الشرق الأوسط، مثل إيران وقطر.

مع تحول مهمات البرنامج إلى التجسس على الخصوم، لا سيما الأجانب، تزايدت الخلافات بين الأمريكيين والإماراتيين على اختيار الأهداف التي رأى الأمريكيون أنها تخطت الحدود في بعض الأحيان.

بدأ الإماراتيون تقييد وصول الأمريكيين إلى قواعد بيانات المراقبة بالبرنامج، ووضعوا علامة يسمح لـ"عيون الإماراتيين فقط".

وعام 2016،تولي شركة DarkMatter الإماراتية السيطرة على المشروع، مع منح العملاء الأمريكيين خيار العودة إلى بلدهم أو العمل ضمن فريق الشركة الإماراتية.

أهداف أمريكية

ساعد العملاء الأمريكيون في تحديد موقع الحسابات المستهدفة واكتشاف نقاط ضعفها والتوصل إلى هجمات إلكترونية من دون أن يضغطوا زر الهجوم النهائي، تجنباً لمخالفة القانون الأمريكي، لكنهم غالباً يقفون حرفياً على أيدي الإماراتيين وهم يفعلون ذلك، بحسب تأكيدات شهود لرويترز.

يمنع القانون الأمريكي عموماً العملاء الأمريكيين من اختراق أنظمة الكمبيوتر في أي مكان، ويحظر بشكل خاص استهداف أشخاص أو شركات أو خوادم أمريكية أخرى.

برغم الحظر على التعرض لخوادم الولايات المتحدة، استهدف عملاء "دريد" حسابات البريد الإلكتروني على غوغل وهوتميل وياهو عام 2012. وفي نهاية الأمر، اكتسحت شبكة المراقبة الموسعة حتى بعض المواطنين الأمريكيين.

تقرير مدعوم بنحو 10 آلاف وثيقة ومقابلات عدة يكشف عن تفاصيل برنامج "التجسس" الإماراتي على مدار عقد من الزمان، وكيف كان ذراعاً لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وقد شمل "حكومات أجنبية كاملة"
التقرير يرصد دور التجسس الإماراتي في عمليات اعتقال وتعذيب لنشطاء حقوقيين من بينهم السعودية لجين الهذلول والإماراتيان أحمد غيث السويدي وأحمد منصور
وليد الهذلول عن دور برنامج التجسس الإماراتي في اعتقال شقيقته وتعذيبها: "من المخيب للآمال أن نرى الأمريكيين يستفيدون من المهارات التي تعلموها في الولايات المتحدة لمساعدة هذا النظام. هم هكذا مثل المرتزقة"

"فرق خاصة لاستهداف حكومات كاملة"

عام 2017، وسّع "دريد" من أدواته بتجربة اختراق أجهزة الآيفون لإعلاميين ومعارضين وسياسيين بارزين، على رأسهم أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني نفسه.

وبين عامي 2012 و2015، جرى تكليف فرق فردية التسلل إلى الحكومات المتنافسة بأكملها. إذ ذاك تحول تركيز البرنامج تماماً من مكافحة الإرهاب إلى التجسس على "الأعداء الجيوسياسيين"، وفق الوثائق.

وعندما أصبحت قطر أول دولة في الشرق الأوسط تفوز بحق استضافة كأس العالم في كانون الأول/ديسمبر عام 2010، ساعد أحد المحللين السابقين في وكالة الأمن القومي الأمريكية، يدعى كريس سميث، الإمارات على استهداف أجهزة الكمبيوتر الخاصة بمسؤولين قطريين ومسؤولين في "الفيفا" أملاً في الكشف عن معلومات تضر بالعرض القطر أو تكشف عن تلاعب في فوزه بتنظيم البطولة. 

أطلقت الإمارات على عمليتها هذه "التحدي الوحشي" أو Brutal Challenge. وخلالها، أرسل عملاء البرنامج رسائل عبر البريد الإلكتروني وفيسبوك تحتوي على رابط خبيث لموقع ويب يسمى "worldcupgirls" أو "فتيات كأس العالم". بالنقر على الرابط تنشر برامج تجسس بجهاز الكمبيوتر الخاص بالهدف.

من أهداف هذا الهجوم: الشيخ محمد بن حمد بن خليفة آل ثاني شقيق أمير قطر والعضو المنتدب لهيئة تنظيم كأس العالم 2022 في قطر، وحسن الذوادي الأمين العام لهيئة تنظيم كأس العالم 2022 في قطر، ومحمد بن همام عضو اللجنة التنفيذية السابقة للفيفا، وأموس أدامو عضو اللجنة التنفيذية السابقة أيضاً. لم يتبين لرويترز ما إذا كان التجسس على هؤلاء قد أسفر عن شيء. وقال "الفيفا" إنه لا يعلم شيئاً عن هذا الأمر فيما رفض مسؤولون قطريون التعليق.

"اعتقالات وتعذيب"

قادت بعض عمليات البرنامج إلى "اعتقالات وتعذيب"، أبرزها ما جرى للاقتصادي الإماراتي وعضو جماعة الإخوان المسلمين في البلاد أحمد غيث السويدي الذي استهدفت حساباته على جيميل وفيسبوك عام 2011، وبينها وثيقة يتنازل فيها عن جميع ممتلكاته لزوجته إذا حدث له مكروه.

مطلع عام 2012، ألقي القبض على السويدي واحتُجز في سجن سري، حيث قال إنه تعرض للتعذيب وأجبر على التوقيع على اعتراف، بحسب منظمة العفو الدولية. عام 2013، ضمن محاكمة 94 ناشطاً بتهمة محاولة الانقلاب، أُدين وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات.

عام 2017 أيضاً، اعترض عملاء البرنامج الإماراتي رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالناشطة السعودية في مجال حقوق المرأة لجين الهذلول، التي كانت تدرس في أبو ظبي، بعدما حاولت تحدي الحظر المفروض على قيادة المرأة في السعودية، بحسب ناشط سابق في "دريد". وقد منحها عملاء برنامج التجسس الإماراتي المكلفين مراقبتها الاسم الحركي "السيف الأرجواني". وعام 2018، قبل أسابيع قليلة من صدور مرسوم ملكي بمنح السعوديات حق القيادة، ألقت قوات الأمن الإماراتية القبض على الهذلول في أبو ظبي ووضعتها في طائرة خاصة إلى الرياض.

بحسب أسرة الهذلول، جرى احتجازها وتعذيبها في منشأة سرية خارج جدة قبل أن تنقل إلى سجن بالقرب من الرياض.

تعليقاً على ما ورد في التقرير، قال وليد الهذلول، شقيق لجين: "من المخيب للآمال أن نرى الأمريكيين يستفيدون من المهارات التي تعلموها في الولايات المتحدة لمساعدة هذا النظام. هم هكذا مثل المرتزقة".

رداً على ما تقدم أيضاً، قال كلارك لرويترز إن فكرة البرنامج كانت تكمن في إنشاء وحدة قادرة على تعقب الإرهابيين، لافتاً إلى أن الخطة تمت بموافقة وزارة الخارجية الأمريكية ووكالة الأمن القومي.

أما شريكه السابق بول كورتز فأشار إلى أن "البرنامج توسّع ليصبح منطقة خطرة" وأن "انتشار المهارات السيبرانية يستحق إشرافاً أكبر من الولايات المتحدة"، مضيفاً "لقد شعرت بالاشمئزاز عندما قرأت ما حدث في النهاية"، أي ما وصل إليه التقرير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard