حكمتها السياسة قبل الدين... تاريخ العلاقات العثمانية-الأوروبية

الأحد 5 يناير 202007:22 ص

القراءة الإيديولوجية للتاريخ آفة في عالمنا العربي، تزيد من حدة الاستقطاب بيننا، وتاريخ العثمانيين من أكثر الفترات تعرضاً لذلك، إذ يُقرأ بين مَن يقدّسه ومَن يحقّره، وبين هذين تضيع الحقائق.

أكثر ما يتعرّض لذلك في تاريخ العثمانيين هو القراءة لعلاقتهم مع أوروبا، فالبعض يراها جهاداً في سبيل الإسلام، وآخرون يروها طلباً للغنيمة. ولكن واقع العلاقة بين العثمانيين وأوروبا يكشف عن بطلان القراءات الإيديولوجية، فقد شهدت هذه العلاقة مراحل متنوعة، تداخل فيها الديني والسياسي، وتغلبت في النهاية المصالح.

والقاعدة الذهبية لهذه العلاقة هي: "لم يعدم العثمانيون عدواً غربياً، وفي نفس الوقت لم يعدموا حليفاً غربياً أيضاً".

العبور نحو أوروبا

بدأت الدولة العثمانية كإحدى إمارات الحدود في شمال غرب الأناضول. ويعود تحوّلها من قبيلة إلى إمارة على يد السلطان الأول عثمان بك بن أرطغرل (ت. 1288). موقع هذه الإمارة الجغرافي حكم سياساتها، فتوسعت على حساب الأملاك البيزنطية في غرب الأناضول.

السلطان الأول عثمان بك بن أرطغرل

وحدث العبور الأول للعثمانيين نحو أوروبا في عهد السلطان الثاني أورخان (ت. 1360)، عام 1355، تلبيةً لاستنجاد الإمبراطور البيزنطي جان الخامس باليولوغ به لمساعدته في صد غارات دوشان، ملك الصرب، على القسطنطينية. وعبر العثمانيون على مراكب بيزنطية.

السلطان الثاني أورخان

لمس العثمانيون من ذلك تدهور أوضاع الإمبراطورية البيزنطية، ما أغراهم باحتلال منطقة غاليبولي، وكانت تلك أول أرض عثمانية في أوروبا، وقاعدة للتوسع على حساب البيزنطيين.

كانت الجبهة الأوروبية مفككة ومقسمة بين إمارات ضعيفة في البلقان، ما سهل التوسع العثماني على حسابها، حتى صارت القسطنطينية محاطة بهم. واحتل العثمانيون أدرنة عام 1361، واتخذوها عاصمةً لهم، وصاروا في تماس مع إمارات الصرب والبلغار وألبانيا، ما دفع هؤلاء إلى الاستنجاد بالبابا أوربانوس الخامس.

الحملات الصليبية الدفاعية

لم تكن روما غافلةً عن التوسع العثماني، فسقوط البلقان يجعل العثمانيين على اتصال بإيطاليا عبر البحر الأدرياتيكي، لكن لم يكن بيدها الكثير لتقدمه. بجانب ذلك، تسبب الخلاف المذهبي بين كنيسة القسطنطينية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية في روما في ضعف التعاون بين الطرفين، فقد كان أرثوذكس بيزنطة يفضلون الأتراك على كاثوليكي روما.

رغم ذلك، استجاب البابا أوربانوس الخامس للاستنجاد، ودعا إلى حملة صليبية لصد الخطر العثماني، لكن هذه الحملة تختلف عن الحملات الصليبية الأولى في كونها دفاعية لا هجومية.

البابا أوربانوس الخامس

لم ينتظر ملك الصرب، أوروك، نتائج الدعوة، وقاد جيشه مدعوماً بأمراء بلقانيين، وهاجم مدينة أدرنة عام 1363، إلا أن الهزيمة الساحقة كانت من نصيبه. وشهد عهد السلطان مراد الأول (1360-1389) توسعاً على حساب الصرب والبلغار، وعقد الصلح معهما، وتزوج ابنة أمير البلغار.

السلطان مراد الأول

وتجددت الحرب ثانيةً، واستولى العثمانيون على مدينة صوفيا الهامة، عام 1383. والتقى العثمانيون بالصرب في موقعة سهل قوصوه الفاصلة عام 1389، وترتب عليها تبعية الصرب والبلغار للعثمانيين.

بوفاة مراد الأول، تولى ابنه بايزيد الأول الحكم، وأخضع إمارة الفلاخ (في رومانيا الحالية) عام 1393، وفي العام التالي ضم بلغاريا إلى أملاكه، وصارت ولاية.

بايزيد الأول

بسقوط بلغاريا نهائياً، صار العثمانيون في تماس مع مملكة المجر. فأدرك ملكها سيغيسموند ألا طاقة له وحده على وقفهم فاستنجد بالبابا وأوروبا.

أعلن البابا الدعوة إلى حرب صليبية ضد العثمانيين، لكن الاستجابة لمثل هذه الدعوات لم تعد كما في السابق، فلم تشترك فيها دولة كبرى، بل مجرد إمارات صغيرة، وفرسان أفراد.

حاصر الجيش الصليبي مدينة نيكوبوليس العثمانية عام 1396، فسار إليه السلطان بايزيد بجيش كبير، شارك فيه أمير الصرب المعيّن من السلطان بجيشه المسيحي، وانتهت المعركة لصالح العثمانيين.

إلا أن هجوم تيمورلنك على الأناضول اضطر بايزيد للانتقال إليها، ووقعت معركة أنقرة الفاصلة بينهما عام 1402، وانتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين، ووقع السلطان في الأسر، وتوفي بعد عام.

معركة أنقرة الفاصلة

بوفاة بايزيد الأول عام 1403، دخلت السلطنة في فترة حرب أهلية بين أبناء السلطان الأحياء، وهم موسى، وعيسى، وسليمان، ومحمد، وانتهت عام 1413 بسيطرة محمد على السلطة، وكان قد تنازل للإمارات البلقانية عن بعض الأراضي نظير مساعدته ضد أشقائه.

بعده، تولى ابنه مراد الثاني (ت. 1451) السلطة، وخاض جولات عديدة من الحرب مع الصرب والمجر، تعادلت الكفة فيها حيناً، ورجحت لطرف حيناً آخر، وانتهت بعقد معاهدة صلح مع ملك المجر الذي صار المنافح الأول عن أوروبا ضد العثمانيين.

مراد الثاني

ثم وصل إلى الحكم السلطان محمد الثاني، الشهير بالفاتح (ت. 1481)، والذي سيطر على القسطنطينية عام 1453، وخلال الحصار استنجد آخر ملوك بيزنطة قسطنطين بأوروبا، وبالبابا، فجاءته نجدات يسيرة، وأرسلت إليه عدة مراكب حربية لم يتعدَّ قوام مَن عليها مئات الجنود.

واستمر توسع الفاتح واستولى عام 1460 على كامل بلاد الصرب، وبلاد اليونان، والبوسنة، وضم إمارة الفلاخ، واستولى على جزء من أملاك البندقية في المورة.

أمام هذه الانتصارات العثمانية الكبرى، دعا البابا بيوس الثاني إلى حرب صليبية ضد العثمانيين، إلا أن المنية عاجلته فتوقف مشروعه.

البابا بيوس الثاني

مرحلة التحالفات العثمانية-الأوروبية المتكافئة

خلف الفاتح في الحكم بايزيد الثاني (ت. 1512)، وفي عهده استنجدت البندقية به لصد عدوان ملك فرنسا، شارل الثامن، لكنه لم يتدخل. وفي عهده وصل أول سفير روسي إلى القسطنطينية عام 1492، ووقعت الحرب مع بولندا بسبب الصراع على إقليم البغدان (رومانيا الحالية)، وحارب أمير البغدان مع العثمانيين، وقبل التبعية لهم دون بولندا. كما جرت اتصالات بين العثمانيين وبين جمهوريات إيطاليا المناوئة للبندقية، واستجاب السلطان لهم فحارب البندقية.

بايزيد الثاني

استنجدت البندقية بأوروبا، فأنجدها البابا إسكندر السادس وفرنسا، وانتهت الجولة بمعاهدة الصلح عام 1502. وبغض النظر عن المكاسب والخسائر، إلا أن تلك الفترة شهدت انتهاء الدعوات لحروب صليبية، وقيام تحالفات سياسية بين أوروبا والعثمانيين، ما يعني أن الدولة العثمانية صارت جزءاً من أوروبا.

وفي عهد سليم الأول (ت. 1520)، لم تشهد الجبهة الأوروبية جديداً، بسبب الاهتمام بالجبهة الشرقية: الصفويين والمماليك، ودان له قراصنة الجزائر فبات العثمانيون في احتكاك مع مملكة إسبانيا.

سليم الأول

أما ابنه سليمان الملقب بالقانوني (ت. 1566) فقد بدأ حكمه بفتح مدينة بلغراد الحصينة الخاضعة للمجر عام 1521، وجاءته برقيات تهنئة من قيصر روسيا، وجمهورية البندقية، ما يؤكد على غلبة المصالح على العقائد في العلاقات العثمانية-الأوروبية.

وفي عهده، شهدت أوروبا حركة الإصلاح الديني والحرب الفرنسية ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة (إسبانيا والنمسا وألمانيا والمجر وغيرها) بقيادة شارل الخامس، والتقت مصلحة سليمان مع فرانسوا الأول، ملك فرنسا، فالاثنان يجمعهما عدو واحد وهو شارل الخامس، فوقّعا معاهدة مشتركة عام 1535، وصار التحالف العثماني-الفرنسي ضد إسبانيا والنمسا ركناً أساسياً في التوازنات الأوروبية، وظل هذا التحالف قائماً لعقود، ولم تتخلله فترات فتور إلا بشكل متقطع. كانت المعاهدة حدثاً كبيراً، كونها المرة الأولى التي يعامل فيها العثمانيون ملكاً مسيحياً على قدم المساواة، واعتُبرت مؤشراً على الانتقال من مفهوم غزو العالم إلى الاعتراف بالآخر.

بعد هزيمة العثمانيين أمام أسوار فيينا، تكوّن برعاية البابا "الحلف المقدس"، وضم النمسا وبولندا والبندقية وروسيا، بهدف إخراج العثمانيين من أوروبا، وخاض حروباً مع السلطنة انتهت عام 1699 بتوقيع معاهدة كارلوفيتز، بعد أن طلب العثمانيون وساطة إنكلترا وهولندا

في عهد السلطان سليمان القانوني، شهدت أوروبا حركة الإصلاح الديني والحرب الفرنسية ضد الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتقت مصلحة سليمان مع فرانسوا الأول، ملك فرنسا، فوقّعا معاهدة وصار التحالف العثماني-الفرنسي ركناً أساسياً في التوازنات الأوروبية

وظف سليمان الوضع الأوروبي لصالحه، فهاجم المجر، واحتل العاصمة بودا عام 1526، وكان إمبراطور النمسا يعلن سيادته عليها، ما وضعه ومن ورائه إسبانيا في صدام مباشر مع العثمانيين.

بسقوط المجر وتقسيمها بين العثمانيين والنمسا، أصبحت الأخيرة هي العدو الأوروبي للعثمانيين. وشجع القانوني الحركة البروتستانتية في ألمانيا، من أجل تقسيم أوروبا، ومنعها من تدشين جبهة موحدة ضده.

وفي أواخر عهد القانوني، بحلول عام 1559 الذي شهد توقيع الصلح الفرنسي-الإسباني، حدث تحوّل هام وبدأ ميزان القوة يتحول لغير صالح السلطنة. يدل على ذلك فشل العثمانيين في غزو مالطا عام 1565، وفشل حملات القانوني الأخيرة على المجر والنمسا عام 1566.

غزو مالطا عام 1565

أفول القوة العثمانية

بوفاة القانوني، وتولي ابنه سليم الثاني (ت. 1574) الحكم، بدأ ميزان القوى يميل لصالح الأوروبيين، ودخلت السلطنة مرحلة الاحتياج إلى حليف أوروبي للحفاظ على أراضيها، بعد أن كانت أوروبا هي مَن تحتاج للتحالف معها.

شهدت هذه المرحلة الهزيمة الساحقة للعثمانيين في معركة ليبانتو البحرية عام 1571 على يد تحالف أساطيل أوروبية منها البندقية وإسبانيا. وجمعت الحرب الدينية في أوروبا فرنسا وإسبانيا في صفٍ واحد ضد البروتستانت، ما اضطر العثمانيون إلى البحث عن حليف أوروبي جديد يعادي إسبانيا، فوجودا ضالتهم في إنكلترا التي تزعمت العداء الأوروبي لإسبانيا، وتم توقيع معاهدة بين الطرفين عام 1581.

معركة ليبانتو البحرية عام 1571

وبظهور الروس على الساحة الأوروبية كأعداء للعثمانيين، وتحالفهم مع النمسا ضدهم، زاد الضغط على السلطنة، فاضطرت لتوقيع صلح ويستفاروك مع النمسا عام 1606، وفيه اعترف السلطان العثماني، لأول مرة، بإمبراطور النمسا مكافئاً له.

بعد هذه المعاهدة، شهدت العلاقات بين المتنافسين فترة جمود بسبب انشغال العثمانيين بالاضطرابات الداخلية، وانشغال أوروبا بالحروب الدينية، ولم يحدث هجوم على أوروبا سوى احتلال العثمانيين لجزيرة كريت من البندقية عام 1645، بمساعدة الحلفاء الجدد إنكلترا وهولندا.

وعندما انتهت الحرب الدينية في أوروبا بتوقيع صلح وستفاليا عام 1648، تفرّغت النمسا للعثمانيين، وتجددت الحرب بينهما، ووقعت هزيمة العثمانيين على أسوار فيينا عام 1683.

هزيمة العثمانيين على أسوار فيينا عام 1683

ودخلت روسيا على خط الصراع المباشر مع السلطنة ووقع صدام مباشر بين الطرفين عام 1677.

بعد هزيمة فيينا، تكوّن حلف أوروبي، "الحلف المقدس"، تحت رعاية البابا، ضم النمسا وبولندا والبندقية وروسيا، بهدف إخراج العثمانيين من أوروبا، وخاض الحلف حروباً مع العثمانيين انتهت عام 1699 بتوقيع معاهدة كارلوفيتز، بعد أن طلب العثمانيون وساطة إنكلترا وهولندا.

معاهدة كارلوفيتز

كان للمعاهدة مدلولات عديدة منها: حاجة العثمانيين إلى وسيط أوروبي لحل النزاعات مع القوى الأوروبية، وعجزهم عن حماية أملاكهم دون مساعدة أوروبية.

بعد هذه المعاهدة، أضحت روسيا العدو الأكبر للعثمانيين، خصوصاً في عهد بطرس الأكبر (1682-1725)، فدخلت السلطنة في تحالف مع أعدائه (السويد وبولندا)، لكن الصراع انتهى بانتصار روسيا.

مبدأ التوازن الأوروبي

شهد أغلب القرن الـ18 مناوشات غير حاسمة بين العثمانيين والروس-النمساويين، ودعمت إنكلترا وفرنسا العثمانيين حفاظاً على توازن القوة في أوروبا، ومن ذلك توسط فرنسا لصالح العثمانيين لإنهاء الحرب مع النمسا وتوقيع معاهدة بلغراد عام 1740م.

وحقق الروس مكاسب هامة على حساب العثمانيين تدعمت في معاهدة كوجوك كينارجا عام 1774، ولغياب وساطة أوروبية حصلت روسيا على كل ما طلبته من العثمانيين.

وبعد اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، حدثت تحولات جذرية في السياسة الإنكليزية، دفعتها إلى الاهتمام بالعلاقة مع العثمانيين. تبنّت بريطانيا في القرن الـ19 سياسة "حماية أراضي السلطنة" لكبح نمو القوة الروسية، ولوقف تهديدها لمصالح بريطانيا في إيران، ولمصالح النمسا في البلقان بسبب الدعوة الروسية إلى وحدة العرق السلافي. وعرضت بريطانيا في مؤتمر فيينا للصلح عام 1815 على أعداء نابليون المنتصرين إقرار مبدأ الحماية الجماعية للممتلكات العثمانية، إلا أن روسيا رفضت ذلك.

شهد القرن الـ19 حروباً عثمانية-روسية عديدة، كان التفوق فيها للروس، ولولا التدخل البريطاني-الفرنسي لكان الروس وصلوا إلى القسطنطينية مرات عدة، ومن ذلك حرب عام 1829 التي دخلت فيها أساطيل إنكلترا وفرنسا الدردنيل لحماية القسطنطينية، ومن ذلك أيضاً حرب القرم التي دخلتها إنكلترا وفرنسا وإيطاليا مع العثمانيين ضد روسيا، والتدخل البريطاني عسكرياً لحماية القسطنطينية أثناء الحرب العثمانية-الروسية 1877-1878.

حرب عام 1829

ولكن بعد احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 حدث تحول في سياستها، فقد أمنت مواصلاتها بالهند باحتلال قناة السويس، ولم تعد تخشى الوصول الروسي إلى المياه الدافئة.

نهاية العثمانيين

في القرن الـ19 استقلت اليونان، والصرب، والبلغار، ورومانيا بمساعدة من الدول الأوروبية، وجرى تعاون بين النمسا والعثمانيين ضد الروس مرات عديدة.

وبعد تراجع الدور البريطاني في حماية أراضي السلطنة، حلت ألمانيا القيصرية محلها، وساعدت العثمانيين في مؤتمر برلين عام 1878 الذي خفف من وطأة الهزيمة في الحرب ضد الروس.

وحتى نشوب الحرب العالمية الأولى، ظلت الدولة العثمانية تحكم الأناضول وبلاد الشام والحجاز والعراق وجزءاً محدوداً من أوروبا، وكان من الممكن أن تخرج من الحرب محافظة على هذه الأملاك إذا ظلت على الحياد ولم تتورط فيها، لكن ألمانيا المسيطرة على القرار العثماني أدخلتهم فيها، وبهذا القرار كتبت السلطنة شهادة وفاتها، وانتهت كإمبراطورية بعد الهزيمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard