الرعاة الخارجيون في مواجهة روح الثورة اللبنانية وعصبها

الأربعاء 11 ديسمبر 201905:28 م

لن تنجح الطبقة السياسية اللبنانية في التوافق على تشكيل حكومة تلاقي تطلعات اللبنانيين. هذا أمر لا يرقى إليه شك. فالمفاوضات والمشاورات التي تجري علناً وفي الخفاء، وعمليات طرح الأسماء وإحراقها في ما بعد، لا تجري بين الثورة والطبقة السياسية، بل بين أهل هذه الطبقة المشكو من فسادها وعجزها أنفسهم.

وليس صحيحاً ما يدّعيه البعض من أن الثورة هي مَن تحرق الأسماء التي يتم تداولها لترؤس الحكومة أو التوزير. فهذه أيضاً محرقة تديرها الطبقة السياسية على نحو ما، في طريقها لإرساء موازين القوى الجديدة، في أي تسوية مقبلة.

لكن تقرير هذا الواقع لا ينفي أن الثورة أنجزت الكثير مما لم يكن مأمولاً إنجازه في لبنان، ويجدر بها أن تراكم على إنجازاتها التي تحققت ليتسنى لها في المقبل من الأشهر والسنوات أن تتصدى لتحديات المشاركة في الحكم وفق شروطها.

إنجازات الثورة

ما حققته الثورة فعلياً تمثل في انكشاف عدد من القوى السياسية التي كانت وازنة في حسابات وموازين البلد السياسية. ومرد هذا الانكشاف يعود في الدرجة الأولى إلى أن التسويات اللبنانية في السنوات الأخيرة، ومنذ اتفاق الطائف، كانت تقوم على أسس مستعارة من الخارج، وتستند في الدرجة الأولى على علاقات هذه القوى بدول خارجية، مستعدة لدعمها مالياً وعسكرياً وسياسياً في الوقت نفسه.

حزب الله في هذه المعادلة هو القوة الوحيدة التي ما زالت تحظى بدعم ثابت، على كل المستويات، من دولة ذات حضور وازن في الإقليم، وتهيمن بشكل شبه تام على المشرق العربي، أقله حتى تاريخ ما قبل انتفاضتي العراق ولبنان.

واقع أن حزب الله هو الطرف الوحيد الذي يتمتع بدعم خارجي ثابت يجعل منه طرفاً أساسياً في أي تسوية مقبلة. فالمفاوضات التي يخوضها هذا الحزب داخلياً وخارجياً لا تهدف إلى إبعاده عن مفاصل القرار اللبناني، بأي حال من الأحوال. بل تهدف إلى تحقيق أمرين على الأقل: أولهما، إعادة ترتيب الشركاء في السلطة، بحيث يتقدم البعض ويتأخر البعض الآخر؛ وثانيهما، كف يده عن التدخل في الشؤون الداخلية الصرف، أو محاولة لجم تدخلاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي ألحقت أضراراً كبيرة باقتصاد البلد ومقوماته الموروثة.

في ما يخص الأمر الأول، يمكن القول إن الثورة حققت إنجازاً مهماً على المستوى السياسي، ذلك أنها حققت انتصارات في معركتها مع القوى التي تدّعي أن حيثيتها وطنية صرف، وأبرز هذه القوى هي التيار الوطني الحر، ونجحت في احتلال شطر كبير من متن الحياة السياسية والاجتماعية الداخليتين، وما زالت تناوش على احتلال بقية المواقع.

بهذا المعنى، لا تبدو أعمال الثورة المستمرة، خصوصاً في طرابلس وشمال لبنان، انتصاراً لممثلي الطائفة السنّية المضمرين منهم والمعلنين، بل هي، وعلى نحو واضح، استكمال لعملية طرد هؤلاء من متن الحياة السياسية الداخلية، وحشرهم في زاوية متلقي الدعم الخارجي، إنْ وُجد. وهذه عملية لن تنتهي في وقت قريب.

والأمر نفسه ينطبق على ما جرى في معظم بيروت وجبل لبنان، حيث بات التيار الوطني الحر من دون حيثية قوية على المستوى الداخلي. ولأن تركيبة هذا التيار، سياسياً وشعبياً، لم تعد تسمح له بتسويق نفسه كطرف مفيد للرعاة الإقليميين والدوليين، فإن وقائع الأيام المقبلة ستوضح أنه أول الخاسرين، في أي تسوية قد يتم التوصل إليها بين أطراف الطبقة السياسية اللبنانية المرعية من الخارج، إلا إذا نجح في إعادة تسويق وضعه مع أحد الأطراف الدولية أو الإقليمية، وهو أمر ما زال مستبعداً، ومستبعداً جداً.

"القوى الخارجية تنتظر ما ستسفر عنه الثورة العراقية من وقائع ونتائج، لتقرر حدود التراجع والتقدم في أدوراها على المستوى اللبناني. ذلك أن انتفاضة العراق تضرب على نحو عميق عصب السردية التي عممتها إيران على الشيعة في العراق ولبنان وإيران أيضاً"
"تستمر الثورة اللبنانية في محاولاتها الناجحة في قضم المقومات الداخلية لقوى السلطة مجتمعة. وقوى الثورة، ورغم عدم انتظامها في تشكيلات سياسية، ستكون على الأرجح اللاعب الأهم الذي سيناوش في المستقبل لتحقيق الاستقلال الناجز في نهاية المطاف"

مآل التيار الوطني الحر ينسحب أيضاً على قوى كثيرة أخرى، بنسب متفاوتة. والأرجح أن استقالة وزراء القوات اللبنانية، ومشاركة جمهورها في أعمال الثورة، مكنت هذا الحزب من المحافظة على وزن جماهيري لا يمكن تجاهله، وأبقته في قلب المعادلة الداخلية، وهي الحال نفسها التي يمكن تعميمها على وضعية الحزب التقدمي الاشتراكي، بزعامة وليد جنبلاط. لكن هذين الطرفين الأساسيين في المعادلة اللبنانية السابقة يدركان جيداً اليوم أن ترجمة وزنهما الجماهيري إلى نفوذ يستوجب من كل منهما أن يجد راعياً خارجياً يدعمه ليتمكن من المشاركة الفاعلة في الحكم في المقبل من الأيام.

التسوية ليست سهلة

ما تقدَّم لا يعني في أي حال من الأحوال أن التسوية بين القوى السياسية المرعية خارجياً سهلة المنال، ذلك أن حدود التراجع والتقدم في هذا السياق، لا يقررها الداخل اللبناني، وموازين قواه فقط، بل تتدخل فيها عوامل خارجية كثيرة، تتعلق بأوضاع الرعاة الخارجيين، ومكانتهم الجيوسياسية في الإقليم.

ومن المؤكد أن هذه القوى الخارجية تنتظر ما ستسفر عنه الثورة العراقية من وقائع ونتائج، لتقرر حدود التراجع والتقدم في أدوراها على المستوى اللبناني. ذلك أن انتفاضة العراق تضرب على نحو عميق عصب السردية التي عممتها إيران على الشيعة في العراق ولبنان وإيران أيضاً. ونجاح هذه الثورة في تحقيق إنجازات على هذا المستوى، قد يجعل إيران في موقع أضعف بكثير على المستوى الجيوسياسي.

من جهة أخرى، تستمر الثورة اللبنانية في محاولاتها الناجحة، بتفاوت بين منطقة وأخرى، وطائفة وأخرى، في قضم المقومات الداخلية لقوى السلطة اللبنانية مجتمعة. وتحقيق نجاحات على هذا الصعيد من شأنه أن يجعل قوى الثورة، ورغم عدم انتظامها في تشكيلات سياسية، لاعباً أساسياً في مستقبل لبنان. لكنها لن تكون لاعباً مؤقتاً، يتطاول دورها أو يتقاصر بحسب قوة الدعم الخارجي، بل ستكون على الأرجح اللاعب الأهم الذي سيناوش هذا الخارج مباشرة أو عبر وكلائه المحليين، لتحقيق الاستقلال الناجز في نهاية المطاف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard