"فن المماطلة والتأجيل"... لماذا ينجز البعض عمله في اللحظات الأخيرة؟

الثلاثاء 10 ديسمبر 201904:53 م

"الشغل النظيف بياخد وقت"، هذه العبارة الساخرة كان يرددها دائماً صديقي في الجامعة، حين أسأله عن سبب تأخره في إنجاز الشق المسؤول عنه في بحثنا المشترك، فصحيح أننا كنا نحرص على العمل سوياً في معظم المشاريع الأكاديمية، إلا أن أسلوبه في العمل كان يتناقض تماماً مع طريقة عملي: في حين أنني كنت أنجز الشق الخاص بي بأقصى سرعة ممكنة، فإن زميلي كان ينهي عمله في اللحظات الأخيرة، أي قبل موعد تسليم المشروع بيوم واحد، وأحياناً في اليوم نفسه، زاعماً أنه لا يستطيع العمل إلا إذا كان "تحت الضغط".

حال صديقي يشبه حال الكثير من الأشخاص الذين يؤجلون عملهم، متسلحين بذريعة الوقت، في سياق ما يعرف بـ"قانون باركنسون"، والذي يفسر سبب إقدام البشر على إنجاز أعمالهم في اللحظات الأخيرة.

فما هو هذا القانون؟ وكيف يمكن الاستفادة منه لزيادة إنتاجيتنا في العمل؟

قانون باركنسون

"إنها ملاحظة شائعة أن العمل يتمدد حتى يشغل الوقت المتاح لإنجازه"، هذا ما قاله المؤلف ومؤرخ البحرية البريطانية سيريل نورثكوت باركنسون، في مقال ورد في مجلة The Economist في العام 1955.

وقد أصبحت هذه الجملة الشهيرة تعرف بـ"قانون باركنسون"، وهي تنطبق على عدد كبير من الأشخاص الذين يقومون باستهلاك الحد الأقصى الزمني المتاح لهم لإنجاز المهام المطلوبة.

وكان باركنسون قد استخدم في مقالته مثال سيدة مسنّة تكتب بطاقة بريدية لقريبتها، ونظراً لأنها لم يكن لديها شيء آخر لتفعله في وقتها، فإن هذه المهمة البسيطة استغرقت منها يوماً كاملاً.

فهل يمكن القول إنه من دون وجود قيود زمنية صارمة فإننا نضيع الوقت ويستغرق عملنا وقتاً أطول لإنجازه؟

بحسب قانون باركنسون، في حال تم تحديد ساعتين مثلاً لمجموعة من الأشخاص لتنفيذ مهمة محددة مقابل 5 ساعات لمجموعة أخرى من الأشخاص لتنفيذ المهمة نفسها، فإن كلتا المجموعتين تنيهان المهمة في حدود الوقت المحدد، أي يستمر العمل لكي يملأ الوقت المتوفر لاستكماله.

إذاً، يقوم قانون باركنسون على فكرة أن العمل يمتد لكي يملء الوقت المتاح لإنجازه، بما معناه أنه في حال أعطينا لأنفسنا أسبوعاً كاملاً لإنجاز مهمة لا تتطلب أكثر من ساعتين، فإن هذه المهمة ستزيد تعقيداً من الناحية النفسية وتصبح أكثر مشقة، الأمر الذي يجعل فترة إتمامها تمتد لأسبوع، مع العلم أنه قد لا نملأ الوقت الإضافي بمزيد من العمل، إنما فقط بالإجهاد والتوتر، وهذا ما يفسر مثلاً سبب إقدام بعض الطلاب على المذاكرة مباشرة قبل الدخول إلى قاعة الامتحانات، أو السبب الذي يدفع بعض الأشخاص إلى التحضير لحدث مهم في اللحظات الأخيرة...


يقوم قانون باركنسون على فكرة أن العمل يمتد لكي يملء الوقت المتاح لإنجازه، بما معناه أنه في حال أعطينا لأنفسنا أسبوعاً كاملاً لإنجاز مهمة لا تتطلب أكثر من ساعتين، فإن هذه المهمة ستزيد تعقيداً من الناحية النفسية وتصبح أكثر مشقة، الأمر الذي يجعل فترة إتمامها تمتد لأسبوع

في الواقع، أظهرت الدراسات التي أُجريت على مدار عقود، منذ أن كتب باركنسون مقاله، أن ذلك السلوك له بعض المبررات.

ففي الستينيات، أظهر الباحثون أنه عندما تم منح الأشخاص "عن طريق الخطأ" وقتاً إضافياً لإكمال المهمة، فإنها استغرقت وقتاً أطول لإنجازها.

وفي مجموعة أخرى من الدراسات التي أجريت في العام 1999، طُلب من الأشخاص تقييم 4 مجموعات من الصور، وعندما جرى إخبارهم بأنه تم إلغاء المجموعة الرابعة، استغرق المشتركون وقتاً أطول في التركيز على المجموعة الثالثة، بدلاً من مجرد إنهاء المهمة بسرعة أكبر.

هذا ووجد الباحثون أيضاً أن الوقت الإضافي المستغرق في مهمة ما (في هذه الحالة كانت المهمة تقوم على حساب عدد الأحرف في عبارة ما) لم يؤد إلى زيادة الدقة أو القدرة على تذكر الكلمات في اختبار مفاجئ بعد ذلك.

في هذا الصدد، كشفت الأخصائية في علم النفس نرمين مطر، أن تأجيل الأعمال حتى اللحظات الأخيرة، باتت ظاهرة منتشرة بكثرة في عالمنا اليوم، وتحولت إلى أسلوب حياة يعتمده الكثير من الأشخاص في حياتهم الاجتماعية والمهنية.

وفي حديثها مع موقع رصيف22، أوضحت مطر أن ترك الأمور حتى اللحظة الأخيرة يعود إلى سببين رئيسيين: "من جهة هناك الضغوطات اليومية التي نعيشها في ظل إيقاع الحياة السريع، ومن جهة أخرى يعود التأجيل إلى شخصية بعض الأفراد وتخبطهم في دوامة التعب وسط غياب المحفز والأمل"، على حدّ قولها.

وفي حين أن هناك بعض الأفراد الذين يتمتعون بالنضج والوعي الكافي وبالقدرة على إنجاز أعمالهم حتى لو كان ذلك في اللحظات الأخيرة، وذلك نتيجة إقدامهم على تطوير تصرفات تأقلمية، فقد أشارت مطر إلى أنه في المقابل هناك فئة من الناس تقوم بتأجيل العمل باستمرار، وتفشل في نهاية المطاف في إنجاز المهمة الموكولة إليها، بخاصة أولئك الذين يعانون من الاكتئاب الخفي والذين يصعب عليهم إنجاز الأعمال حتى لو كانت بسيطة.

هذا واعتبرت نرمين أن الحلّ الأنسب لعدم تأجيل الأعمال حتى اللحظات الأخيرة يكمن في تحفيز الذات وتنظيم الوقت، من خلال وضع أهداف قصيرة المدى، عوضاً عن التلهي بمسائل غير مهمة، منوهة بأن الوقت قد يخذلنا في بعض الأحيان، وفق تعبيرها: "الوقت مش دايماً بإيدنا وتحت سيطرتنا".

هل هذا يعني بأنه يجب علينا فرض قيود زمنية أكثر صرامة لتحسين إنتاجيتنا؟

اعتبر إلدار شافير، الأستاذ في جامعة برينستون، والمؤلف المشارك لكتاب Scarcity، الذي يبحث في سيكولوجية امتلاك أقل مما نحتاج إليه وكيف يوجه ذلك سلوكياتنا، أننا كبشر نمتلك قدرات محدودة تتعلق بالذاكرة والانتباه والإرهاق، و"نظراً لأن قدرتنا على التركيز محدودة، فإننا نقسمها بشكل متقطع بأي طريقة ممكنة أثناء الحياة اليومية"، على حدّ قوله، مضيفاً، أننا في بعض الأحيان وبحكم الضرورة قد نحتاج إلى العمل بجهد وتركيز أكبر.

وفي كتابه، تحدث شافير والمؤلف المشارك سنديل موليناثان، عن التركيز بعمق على مشروع ما على حساب أشياء أخرى، وشرح ذلك بالقول: "عندما يكون لديكم موعد نهائي، يكون الأمر بمثابة عاصفة أمامكم أو كشاحنة تقترب منكم. أمر خطير يقترب منكم، لذلك عليكم التركيز بشدة على المهمة. وقد تنجحون في عمل رائع، لكن المشكلة هي أن كل الأشياء الأخرى تصبح على الهامش"، وأضاف قائلاً: "إذا كنتم تركزون بشدة على هدف مهم فقد يغيب عن بالكم في الوقت نفسه أن تأخذوا ولدكم من المدرسة، وعيد ميلاد والدتكم، وإطعام الكلب، وما إلى ذلك. قد يكون هذا هو الثمن الذي تدفعونه مقابل النجاح الذي تحققوه بتركيزكم".

وأشار شافير إلى أن هناك دائماً احتمال أن يحمل التسرع في إنجاز شيء ما في غضون ساعات قليلة بعض العيوب، بخاصة إذا تم تحديد الموعد النهائي من قبل شخص آخر: "إذا كان الموعد النهائي قصيراً للغاية وكنتم مذعورين، فإنكم ستضحون بأشياء أخرى، وقد تعملون من دون كفاءة، وقد تسوء الأمور"، بحسب قوله.

بدورها ردّت إليزابيث تيني، الأستاذة المساعدة في كلية إكليس للأعمال في جامعة يوتا الأميركية، على جميع الأشخاص الذين يعتبرون أنه في حال لم يُترك الأمر حتى اللحظة الأخيرة، فإنه لن يكون بوسعهم إنجاز أي شيء، بالتأكيد على أن الأبحاث تكشف أن إنتاجية الأشخاص لا تسير في خط مستقيم.

"عندما يكون لديكم موعد نهائي، يكون الأمر بمثابة عاصفة أمامكم أو كشاحنة تقترب منكم. أمر خطير يقترب منكم، لذلك عليكم التركيز بشدة على المهمة. وقد تنجحون في عمل رائع، لكن المشكلة هي أن كل الأشياء الأخرى تصبح على الهامش"

واضافت تيني: "عندما يجلس الأشخاص للقيام بمهمة ما، سيبذلون الكثير من الجهد في البداية. في مرحلة ما ستكون هناك عوائد متناقصة على الجهد الإضافي. لتحسين الإنتاجية، فإنكم بحاجة إلى زيادة المكاسب إلى أقصى حد وتقليل التكاليف، والعثور على نقطة الانعطاف، حيث يتعين عليكم البدء في الانتهاء مما تقومون به"، هذا وشددت إليزابيث تيني، أن هذا لا يعني بالضرورة استهلاك الوقت الكامل المخصص أو العمل حتى الموعد النهائي المحدد، إنما الإقدام على "عزل أنفسكم بدلاً من الاستمرار في العبث طوال الوقت"، بحسب قولها.

تحسين الإنتاجية

من خلال قانون باركنسون، يمكن القول إنه كلما أعطيتم لأنفسكم المزيد من الوقت لإكمال عمل ما، كلما طالت مدة تأجيله، ومن أجل إدارة وقتكم بطريقة أكثر فعالية فإنه يتعيّن عليكم تقصير مقدار الوقت، فمثلاً إن كنتم بحاجة إلى إنجاز شيء ما في غضون عام فسوف يستغرق الأمر عاماً كاملاً للقيام بذلك، وإذا كان عليكم إتمام المهمة نفسها خلال شهر واحد، فسيتم تنفيذها ضمن المهلة المحددة.

في هذا الصدد، قدم موقع Develop Good Habits بعض النصائح لتحسين الإنتاجية في العمل:

تقنية بومودورو: تكمن الفكرة وراء هذه التقنية في تقسيم كل مهمة من مهامكم إلى كتلة زمنية مدتها 25 دقيقة، وبعدها أخذ استراحة لمدة 5 دقائق، وبعد الانتهاء من 4 جلسات مدتها 25 دقيقة، خذوا استراحة من 15 إلى 30 دقيقة.

تعتبر هذه الإستراتيجية فعالة لأنها تسمح للمرء بالتركيز على مهمة واحدة لمدة 25 دقيقة، بحيث يتم تجاهل جميع الأنشطة التي من شأنها تشتيت الانتباه.

تتبع الوقت: بهدف أن تكونوا أكثر إنتاجية، يجب عليكم أن تعرفوا بالضبط كيف تقضون كل ساعة ودقيقة من يومكم، وهكذا سوف يكون بوسعكم معرفة أن هناك الكثير من الوقت الذي يتم هدره في مهام غير ضرورية.

أخذ فترات راحة متكررة: لقد تبيّن أن 10% من الأشخاص الأكثر إنتاجية يأخذون استراحة لمدة 17 دقيقة بعد كل 52 دقيقة من العمل الجاد.

وضع مهلة زمنية محددة: من المهم وضع مهلة زمنية معينة قبل إنجاز عمل ما، كأن تخصصوا مثلاً 30 دقيقة للتحقق من البريد الإلكتروني أو مراجعة مسائل عالقة في العمل، هذا ومن المهم وضع فاصل زمني واضح بين حياتكم المهنية وحياتكم الشخصية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard