"أحب الحب وعمري ما عرفته"... حكاية المشروع العربي "كتابي المفضل" في برلين

الأحد 15 ديسمبر 201912:00 ص

"كتابي المفضل" هو عنوان سلسلة لقاءات دورية تحصل كل شهرين في دار الأدب في برلين، والذي ينظمه رامي العاشق ويستضيف فيه مرة كاتباً أو شاعراً رجلاً ومرة أخرى امرأة على التوالي، وذلك لأهمية إعطاء مساحة متساوية من الضوء للنساء للتعريف بأعمالهن الأدبية وأفكارهن.

السلسلة اقتربت من عامها الثاني فقد ابتدأت في شهر آذار مارس 2017 وهي مستمرة لثلاث سنوات أخرى.

في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني الفائت، كانت ضيفة اللقاء الشاعرة اليمنية سماح الشغدري، التي ناقشت كتابها المفضل وهو رواية "يموتون غرباء" للكاتب اليمني محمد عبد الولي. يتفق الشاعر الفلسطيني/السوري رامي العاشق مع سماح الشغدري أن التصنيف الأدبي الأنسب للكتاب هو قصة طويلة.

كاتب الرواية محمد عبد الولي وهو مولّد، كما يقال في اليمن، فهو قد ولد في أثيوبيا، من أب يمني هاجر الى الحبشة وأم أثيوبية. زار عبد الولي اليمن لأول مرة في عمر ست سنوات، في ثلاثينيات القرن الماضي، وحصلت لديه صدمة ثقافية بين المجتمع اليمني المحافظ وبين المجتمع الأثيوبي المنفتح، خاصة بما يتعلق بالمرأة وتعاملها الحر مع جسدها ومع المجتمع. بعدها زار اليمن مرة أخرى في الخمسينيات وكتابه "يموتون غرباء" يتحدث عن هاجس الغربة والبحث عن الهوية، هاجسه الأساسي. هو في أثيوبيا يمني وفي اليمن مولّد، كان يبحث عن وطن خارج وطنه الأصلي وكان يريد أن يطالب بحقه، أي يمنيته، وكان أيضاً يتكلم عن الثورة، وعن الذين يخرجون من الوطن من أجل أن ينجوا بذواتهم ولكن يظلون متمسكين بالقضية الوطنية من خلال جمع التبرعات، لكنهم خونة للقضية الأساسية كما صورهم في روايته.

رجل يبيع جسده للتهرب من الضرائب

نرجع لقصة الكتاب، بحسب سماح الشغدري، هي عن رجل يبيع جسده. عبدو سعيد، بطل القصة، سافر الى أثيوبيا كي يبحث عن عمل لتحسين وضعه المادي. هناك، عاش في حي فاره للأغنياء، وكان عنده دكان يبيع فيه كل شيء، كانت لديه كاريزما لجذب الزبائن تميزه عن باقي التجار في الحي، وكان يبيع جسده للنساء اللواتي لديهن مكانة اجتماعية في المجتمع الأثيوبي من خلال أزواجهن، للهروب من الضريبة وتوفير المال.

في الرواية أيضاً حديث مع رجال الدين، وهم يمنيون لكن مغتربين كالحاج عبد اللطيف أو السيد المتصوف، لكن الموضوع الأساس أن عبدو السعيد كان يبيع جسده، وهو الرجل المتدين الذي يخاف على نفسه، كان يتوضأ ويصلي ويذهب لينام مع امرأة أجنبية (لا تحل له).

واحدة من القصص الموجودة في الرواية، أنهما بعد أن انتهيا من ممارسة الجنس، وهما جالسان مع بعضهما، سكبت المرأة ويسكي، فقال لها عبدو السعيد: لا أعوذ بالله أنا لا أشرب الخمر. المرأة الأثيوبية تتكلم معه بسخرية، أنك أنت تأتي لعندي وتنام معي، هذه الفعلة لا تغضب الله؟ يعني هذا حلال وذاك حرام؟

كان حواراً جريئاً جداً ولكنه لا ينصف المرأة. باعتقادي، تضيف سماح الشغدري، "كان يحترم المرأة في تلبية واحدة من احتياجاتها الأساسية، ولكن هناك هذا التناقض بين الرجل الذي يصلي ويعبد الله ويذهب للنوم مع السيدة، بالإضافة لشخصية الزاهد الذي يجلس في محرابه ويشرب، ولكنه أمام الناس رجل دين".

إلى جانب ذلك، تظهر الرواية وجود عبده السعيد المؤقت في أثيوبيا، وهدفه الذي يتمثل بجمع أكبر قدر ممكن من المال والعودة الى زوجته وابنه في اليمن. هو يعيش في أثيوبيا ولكنه فكرياً وروحياً ما زال يعيش في اليمن.

ترى سماح الشغدري أنه من حيث البنية هناك ركاكة في الرواية، ولكنها رواية مهمة لأنها تتكلم بجرأة عن رجال الدين بذلك الوقت، وتبحث عن الهوية وتتطرق للثورة وباعتقادها محمد عبد الولي قام بمجهود ذاتي.

فالأدب اليمني لم يكن معروفاً حتى الستينيات، تضيف الشغدري، وأتت رواية "الرهينة" لزيد مطيع دماج عام 1984 وهي رواية أكثر تماسكاً من حيث البنية، وهنا ابتدأ الأدب اليمني بالوصول للعالمية بشكل ملفت.

بحسب سماح الشغدري، مرّ الأدب اليمني بثلاثة مراحل، العشرينيات والستينيات والثمانينات. في العشرينيات كانت افتتاحية الروايات اليمنية مع "فتاة قاروت" لعبد الله السقاف في 1928. بعدها في الستينيات أتت روايات محمد صغيري ومحمد عبد الولي وزيد مطيع دماج التي تصنف كلها من ضمن الإطار المرحلي نفسه. بعدها في التسعينيات، كانت انطلاقة ليست فقط الرواية اليمنية وإنما الشعر أيضاً، خصوصاً ما بعد الوحدة بين الشمال والجنوب. صار هناك تعددية وانطلاق للأدب، على حد قولها. في 1995 تحديداً، كانت هناك طفرة كبيرة في الأدب اليمني، والأحزاب السياسية والصحف، مع كل ذلك تطور الخطاب السردي في اليمن. كانت مرحلة تركز على الإرهاب، ليس الإرهاب الديني ولكن أيضاً إرهاب الدولة، بعدها جاءت مرحلة الألفينيات، لكل مرحلة لها أسلوبها.

فهل أثر ذلك على وصول الأدب اليمني الى العالم العربي؟ تؤكد سماح الشغدري: "أنا برأيي أن اليمن بلد منفي عن خارطة اهتمام العالم بشكل عام وعن العالم العربي بشكل خاص"، مشكلة الأدب اليمني بنظرها تكمن بالدرجة الأولى ليس بكونه ضعيفاً أو غير جدير بمستوى العالمية، ولكن هي مشكلة تسويق، فالأدباء اليمنيون لا يتقنون تسويق أعمالهم فهم مشغولون بلقمة العيش والمطاردات السياسية والهجرة. قليلون هم الذين نجحوا في التسويق لأعمالهم برأيها، و"نعم هناك ظلم للأدب اليمني، اليمن غائبة أصلاً عن خارطة اهتمامات الناس".

المرأة زوجة منتظرة أو عاهرة

يلاحظ رامي العاشق أن صورة المرأة في هذا العمل فيها خلل ما، فالنساء هن مفعول بهنّ غالباً، غير فاعلات، لا صوت لهن، المرأة إما هي زوجة تصبر وتنتظر وتتحمل أن يأتي زوجها القادر والفاعل من الخارج، أو عاهرة. فالمرأة عاهرة، أو متزوجة من شخص وتمارس الجنس مع شخص آخر.

كامرأة، تجد سماح الشغدري أن صورة المرأة في الرواية بلا شك سلبية وهذا نمط موجود بالأدب العربي بشكل عام، وليس متعلق بمحمد عبد الولي فقط. لكن الأخير، باعتقاد الشاعرة اليمنية كان يعيش صراعاً داخلياً مع نفسه، إذ لم يكن يجرؤ على الكلام عن المرأة في المجتمع المنفتح الذي ولد فيه وعاش فيه جزءاً كبيراً من حياته. كان يتكلم باستحياء عن حق المرأة بأن تمارس العلاقة الجنسية تحت أي إطار، وفي الوقت نفسه لديه عقلية الرجل اليمني تجاه المرأة. فزوجة بطل الرواية كبيرة بالسنّ ومرتبطة بالطهر والعفاف، فهل يدعها ولا يمارس معها الجنس ويتزوج من أخرى؟ كان هناك صراع داخله ولكنه لم يجرؤ أن يصرح عن حق المرأة فعلياً بأن تعيش حياتها بشكل عادي. كانت النظرة التقليدية والذكورية هي المسيطرة، وربط المرأة بالأرض هو ربط تقليدي، لكن في الفترة التي كتب بها محمد عبد الولي الرواية كانت اليمن دولة حديثة، عمرها أربع سنوات بعد ثورة الـ1962، كان الإنسان اليمني غير موجود فما بالك بالمرأة.

محمد عبد الولي عرّى رجال الدين أيضاً في روايته من الناحية الدينية ومن الناحية الوطنية أيضاً. فكيف لا يعترف الحاج عبد اللطيف بالولد غير الشرعي وهو ليس خائفاً عليه من أن يتربى بين الكفار، مسائلاً إياه كيف تدّعي أنك مناضل وأنت تناضل من خلف البحار، فدار بينهم حوار مكاشفة جريء جداً.

النساء أكثر جرأة من الرجال في طرح القضايا الدينية

"كتابي المفضل" هو عنوان سلسلة لقاءات دورية تحصل كل شهرين في دار الأدب في برلين، والذي ينظمه رامي العاشق ويستضيف فيه مرة كاتبا أو شاعرا رجلا ومرة أخرى امرأة على التوالي، وذلك لأهمية إعطاء مساحة متساوية من الضوء للنساء للتعريف بأعمالهن الأدبية وأفكارهن

النساء أكثر جرأة من الرجال في طرح القضايا الدينية

يسأل رامي العاشق الشاعرة اليمنية إن كان "يموتون غرباء" كتاباً من أدب المنفى برأيها، وإن كان أدب المنفى اليوم تغير وأخذ شكلاً آخر، أم ما زلنا في مرحلة أدب المنفى القديم؟ في هذا الإطار تقول سحر الشغدري إنها شخصياً، كمتابعة لأغلب ما يصدر في الساحة اليمنية، لم تجد أحداً يتحدث عن هذا الهاجس القوي إلا محمد عبد الولي. القضايا الأخرى التي طرحت في الأدب اليمني هي قضايا اجتماعية ودينية متعلقة بالشمال والجنوب ونسوية، ولكن لا نقدر أن نقول إن أدب المنفى تحسّن خطابه.

المسيطر الآن الخطاب الديني بالأدب اليمني بشكل عام، وإنما الشعر أكثر جرأة من الرواية، والروائيات النساء أكثر جرأة من الرجال في طرح ومناقشة القضايا الدينية، وفيما يتعلق بحقوق المرأة، هذه التابوهات كسرتها المرأة اليمنية في النصوص الشعرية والقصصية أو الروائية، ولكن أيضا يوجد رجال كعلي المقري وسمير عبد الفتاح ووجدي الأهدل، لديهم نصوص جريئة.

كاتب "يموتون غرباء" مات حرفياً غريباً بمعنى حقيقي في عمر الرابعة والثلاثين، في حادث طائرة مأساوي هو ومخطوطاته وكتبه، لم يمت في أثيوبيا ولا في اليمن. محمد عبد الولي برأي الشاعرة هو أكثر الأدباء الذين تحدثوا عن الجانب الوطني والغربة والخيانة، كان يخوّن من يخرج من البلد وكانت اليمن عنده ليست نقطة مغادرة بل نقطة وصول.

أحب الحب وعمري ما عرفته: الكتابة الحرام

بعد قراءة قصيدتين للشاعرة، سألها رامي العاشق لماذا توقفت عن كتابة القصائد بالعامية وصارت تكتب بالفصحى فقط مؤخراً؟ ترد سماح الشغدري متأسفة: "لم أعد أكتب أبداً الحب والغزل، فهم لا يهتمون بمضمون القصيدة وإنما الموضوع فقط، هل هناك حب وغزل؟ هذا حرام".

آخر قصيدة كتبتها بالعامية هي "أحب الحب وعمري ما عرفته، ولا جرب فؤادي فيه بخته، وحبر الدم من قلبي نقشته"، وهنا كانت الخاتمة.

أما عن السياسة فقط أثرت في كتابة الشاعرة كثيراً، فهي بالإضافة لرقابتها الشديدة على ذاتها، بعد 2010 نسيت سماح الشاعرة وانشغلت بالهم العام والثورة والقضايا الحقوقية، "لم أكتب الشعر منذ تسع سنوات، لكن أسست مؤسسة صوت الحقوقية. أريد أن أعيش المرحلة الجديدة التي أنا فيها وأن أعيد تعريف سماح في البلد الجديد الذي هو ألمانيا". هي تريد أن تكتب مواضيع جديدة، لكن الهم النسوي يأخذ الجزء الأكبر من اهتمامها.

وتضيف مجيبة على سؤال رصيف22، بأن لا تناقض كونها توقفت عن الكتابة عن الحب لأنه عيب وحرام وبين حملها لراية النسوية: "فأنا بنت المجتمع اليمني وأنا لست ملك نفسي، ونحن نتبع للأسف منظومة متكاملة من العادات والتقاليد وأنا أريد أن أكون حاضرة ولكن غير متهمة ومحط سخرية"، أي شيء جميل هو تهمة.

أما عبارة "أرنا وجهك يا الله" التي نشرتها في 2017 كانت اليمن قد كسرت الكثير من التابوهات نتيجة الحرب مع السعودية والحوثيين الذين لديهم توجه ديني، اليمنيون كلهم خرجوا تقريباً من اليمن وناقشوا الكثير من النصوص القرآنية بكثير من الجرأة، لم يكفروها لأن رجال الدين لم يكونوا متفرغين لها، فهم مشغولون بالحرب. المرحلة التي كفّر فيها علي المقري غير مرحلتها.

في حديثها مع رصيف22، أكدت سماح الشغدري بأن كتابتها لم تتغير بعيداً عن الوطن في المنفى، ولم تصبح أكثر حرية، بقدر ما هي مرحلة أخرى من النقاش مع نفسها. ففكرة الجسد لم تتطرق اليها بتاتاً من قبل، لأنها تخاف ولو كانت متمردة وقوية، وهناك أمور لا زالت تضع تحتها خطوطاً حمراء، "فكتابتي لم تتحرر ولكن أصبحت قادرة على نقاش بعض الأمور مع نفسي، فالمرأة الأوروبية تمتلك جسدها مثلاً وجسدي أنا ليس ملكي بل ملك المجتمع"، تزيد موضحة. برأي الشاعرة أن المرأة العربية تتربى على الخوف والقلق منذ ولادتها، وهذا يولد لها ضغوط كثيرة مع النفس، وتؤكد بأنها لا تقارن بين المرأة الأوروبية والعربية مقارنة سطحية، كمثل أن المرأة الأوروبية تظهر شعرها وهي كانت محجبة، وتضيف: "هل أقدر أنا أن أقول لرجل أُحبكَ مثلاً؟ هل أقدر فعلياً أن أحب أو أن أخوض علاقة خارج الأطر الشرعية؟"

ماذا لو قرأ أخي ما كتبت؟

حتى أثناء وجودها في ألمانيا، تمارس سماح الشغدري نوعين من الرقابة الذاتية، الأولى تتعلق بجودة النص، والثانية متعلقة بأسرتها ومجتمعها، فتفكر بكل كلمة قد تسبب إحراجاً لأحد من عائلتها في حال لو قرأوها. هذا يحكم بالإعدام على الكثير من الأفكار التي لا يمكنها كتابتها.

لديها اهتمام بقضايا وحقوق المرأة لكنها لا تصنف نفسها ككاتبة نسوية، فهي تدافع عن الانسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص، لكن همّها هو الإنسان. كانت القضايا الدينية هي الأكثر سيطرة في كتاباتها من قبل وحالياً الهمّ السياسي هو المسيطر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard